أرخى التراجع في أسعار المنازل في المملكة المتحدة بثقله على آفاق سعر صرف الجنيه الإسترليني، ليثير في أدبيات المحللين للاقتصاد البريطاني المخاوف ذاتها التي أثارها الحديث عن انفجار فقاعة المنازل في الولايات المتحدة، وما خفف من غلواء هذه المخاوف، حالة التراجع التي أصابت الدولار الأميركي من جراء عاصفة كاترينا.
وهو ما ثبت أقدام الجنيه الإسترليني في مواجهة العملتين الرئيسيتين الدولار واليورو، وتلقفت الأسواق قرار بنك إنجلترا بالإبقاء على سعر الفائدة على نفس مستوياتها، من دون أن تعتليها الدهشة والاستغراب، حيث جاء القرار منسجما مع التوقعات، ولكن ظلت المخاوف قائمة بشأن آفاق النمو الاقتصادي في ظل العديد من أوجهة الضعف، ومن بينها المخاطر التي تحف التراجع في أسعار المنازل.
ويعتبر سوق المنازل من وجه نظر المحللين أحد القوى التي ستؤثر على المسار السعري للجنيه الإسترليني، فعلى الرغم من أن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى وجود استقرار في أسعار المنازل على مدار الأسابيع القليلة الماضية، إلا أن حجم الصفقات تقل بكثير عن مستويات العام الماضي.
ولهذا خلصت المذكرة التحليلية الصادرة عن مؤسسة «إنفيستيكا» البريطانية إلى أن مجمل الدلائل تشير إلى أن أسعار المنازل ستشهد المزيد من التراجع والانخفاض في العام المقبل، مع الأخذ في الاعتبار أخذا أن مستوى الأسعار في الوقت الراهن ترتفع عن المستوى السعري للتوازن بين الطلب والعرض على المدى الطويل.
* نمط تراجع أسعار المنازل
وتكهنت المذكرة التحليلية بأن نمط التراجع المتوقع في أسعار المنازل سوف يأخذ شكل التراجع المتدرج والبطيء مع وجود رغبة لدي بائعي المنازل بخفض السعر بفعل تزايد مستوى الضغوط الاقتصادية وتزايد المخاطر التي تحف بالجنيه الإسترليني، وينطوي هذا التراجع على انعكاسات بالنسبة للاقتصاد كله، والعملة البريطانية.
ومضت المذكرة في شرح الانعكاسات المحتملة لهذا التراجع على الجنيه الإسترليني، بإشارتها إلى أنه إذا ما سرى هذا النمط من التراجع، فمن المحتمل أن تكون هناك فترة ممتدة يسودها نوع من الإحباط بشأن نمو النتاج المحلي الإجمالي، خاصة إذا ما ارتفعت معدلات البطالة، وفي مثل هذا المناخ، سوف يكون الجنية الإسترليني عرضة لأن يفقد بعض الدعم.
وتابعت المذكرة التحليلية في استشرافها لأوجه التأثير المحتمل للتغيرات في أسعار المنازل على الجنيه الإسترليني، حيث تكهنت بأنه إذا ما استمرت أسعار المنازل على نفس مستوياتها الحالية، أو ارتفعت، فهناك احتمال أن يقدم مثل هذا الوضع دعما للجنيه الإسترليني على المدى القصير، وذلك على الرغم من أنه من المحتمل أن ينطوي مثل هذا الوضع على انعكاسات سلبية على المدى الطويل بالنسبة للجنيه الإسترليني.
وتشير المذكرة التحليلية إلى وجود احتمالات لتعرض الجنيه الإسترليني لانخفاض حاد في الأسعار، وهو ما سوف يزيد من خطر تعرض الاقتصاد للركود، ولكن الديناميكيات الكلية لأسعار الفائدة تميل لأن تعمل على تجنب مثل هذا السيناريو،
على الرغم من عدم إمكانية تجاهله. ووفقا لجمعية البناء الوطنية في المملكة المتحدة فإن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 75% منذ عام 2001، وأنه خلال السنوات الأربع المنتهية في عام 2003، ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 70%، ومنذ ذلك الحين ارتفعت بنسبة 3%.
* الانسجام مع توقعات السوق
وفي السياق ذاته، ترك بنك إنجلترا سعر الفائدة عند مستوى 5. 4 % من دون تغيير، وهو ما انسجم مع توقعات السوق، وقاد إلى جني الجنيه الإسترليني بعض الدعم نتيجة تصاعد الاهتمام في السوق بالعملات التي تدر عوائد عالية. ولم يستحوذ الاجتماع على اهتمام كبير من قبل المحللين، نظرا للتوقعات القوية بأنه لن يسفر عن الاجتماع أي تغيير في الفائدة البريطانية،
حيث أنه تم تمرير الخفض السابق في الفائدة البريطانية بأغلبية بسيطة، وصدر القرار من قبل لجنة السياسة النقدية في بنك انجلترا على الرغم من تصويت رئيس البنك ضده.
وفي تقدير مذكرة تحليلية صادرة عن «جيسكي بانك» أنه من المتعين الانتظار حتى نشر محضر الاجتماع في 21 سبتمبر، حيث أنه من المحتمل أن يطلق المحضر إشارة إلى الأسواق بعودة الالتئام والإجماع للجنة السياسة النقدية، وهي إشارة من شأنها أن تعزز الثقة والمصداقية في السياسة النقدية لبنك إنجلترا والذي كان قد أعلن في وقت سابق بأن حالة الغموض التي تخيم على أفق الاقتصاد البريطاني.
تملي على البنك ضرورة المتابعة عن كثب لاتجاهات إنفاق المستهلك، الذي يعد أحد المؤشرات الرئيسية في تقييم الوضع الاقتصادي.
ويبدو أن حالة السيولة التي تخيم على الفائدة تقدم بعض المساعدة للجنيه الإسترليني، حيث كان ينظر إلى أسعار الفائدة البريطانية بأنها ليست عالية بشكل يكفي لجذب صناديق الاستثمار على خلفية فارق العوائد بين الفائدتين البريطانية والأميركية، ومثل هذا الفارق يقود إلى تآكل الدعم للجنيه الإسترليني في مواجهة الدولار. ولكن وضع حالة عدم اليقين بشأن آفاق الفائدة الأميركية يقدم بعض الدعم للجنيه الإسترليني.
* أوجه الضعف الأقتصادي
ولكن تثار أوجه قلق عديدة إزاء اتجاهات الاقتصاد البريطاني، وهو الأمر الذي سيشكل قيدا كابحا للاهتمام بشراء الجنيه الإسترليني.
فمن جانب ارتفع العجز في الميزان التجاري البريطاني خلال شهر أغسطس إلى 08. 5 مليارات جنيه إسترليني من 17. 4 مليارات جنيه إسترليني في شهر يونيو، وتعلق هنا المذكرة التحليلية الصادرة عن مؤسسة Investica البريطانية بأنه على الرغم من أنه ما زالت هناك مشاكل تتعلق بمصداقية هذه البيانات.
إلا أنه مازالت هناك مخاطر تجارية طويلة الأجل تحف الاقتصاد البريطاني، وبشكل عام، يبدو السوق راضيا بدرجة طفيفة عن المخاطر التي ينطوي عليها الجنيه الإسترليني في هذه المرحلة. حيث مازال الجنيه الإسترليني في موقف يتيح له الحصول على دعم قصير الأجل من أنشطة الاندماجات، وذلك على الرغم من أنه من المشكوك فيه في هذه المرحلة، أن يحظى الجنيه الإسترليني باهتمام قوي لشرائه.
وترصد المذكرة التحليلية الصادرة عن مؤسسة «ويكلي فوكس» أوجه مخاطر أخرى تحف الاقتصاد البريطاني، فمن جانب، استمرت الضغوط نحو رفع معدل التضخم لمستويات مرتفعة، وذلك على الرغم من وجود اتفاق على نطاق واسع بأن أسعار الفائدة البريطانية قد وصلت إلى مستوى القاع، حيث ينطوي ارتفاع أسعار الجازولين على مخاطر بالنسبة لإنفاق المستهلك البريطاني الذي يعاني بالفعل من تدهور مستويات إنفاقه، من ناحية أنها تؤدي إلى المزيد من التآكل في القوة الشرائية للمستهلك البريطاني.
وفي الوقت ذاته، تكبل من إمكانية اتخاذ إجراءات لكبح ارتفاع معدل التضخم، واستمرت البيانات الاقتصادية الأخيرة في توضيح تباطؤ حالة ضعف الاقتصاد البريطاني فمبيعات التجزئة على سبيل المثال هبطت بنسبة 6. 0 % في شهر يوليو، ومن المحتمل أن يبقى الطلب الاستهلاكي على حالة من الضعف في الأجل القصير.
وعلى الرغم من الحماية التي يحظى بها الجنيه الإسترليني بفعل الضعف الهيكلي للعملة الأميركية الناشئ عن العجز في ميزان الحساب الجاري الأميركي ، إلا أنه من غير المحتمل أن ينظر إلى الجنيه الإسترليني على أنه عملة ملاذ خاصة في ظل الشكوك التي تحيط الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة.