تألق الذهب خلال الأيام القليلة الماضية، وازدادت جاذبيته في أعين التجار والمستثمرين، وصعد سعره ليسجل مستويات قياسية لم يبلغها على مدى 17 عاما، وهو ما جعل صورة أسواق الذهب تبدو خلال الوقت الراهن في أفضل أحوالها، حيث برز دور الذهب كوسيلة استثمارية تحوطية ضد مخاطر التضخم، لتضاف الى جملة من العوامل الأخرى المحركة لصعود السعر الى مستويات قياسية.
وعزز ارتفاع السعر التوقعات القائلة بأن الأسعار تأخذ الآن وجهتها نحو الصعود لمستوى 500 دولار للأونصة في العام المقبل، ويقفز في قلب هذه الصورة، ترقب المتعاملين والتجار ما سيسفر عنه اجتماع لجنة السوق المفتوحة في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المقرر عقدها في 20 سبتمبر المقبل، خصوصا من ناحية ما إذا كان سيتمخض عن الاجتماع رفعا في سعر الفائدة، لما لهذا من أثر بالغ على سعر الدولار، وبالتالي الذهب.
فقد تضافر عامل شراء الذهب لغرض التحوط من مخاطر التضخم مع عمليات الشراء لأغراض أخرى في دفع سعر الذهب الى أعلى مستوى له منذ 17 عاما، وبلغ سعره في يوم 16 سبتمبر 50. 455 للأونصة، وذلك في مستهل التعاملات الأوروبية، ورغم أن فورة شراء صناديق الاستثمار للذهب بدت كما لو كانت المحرك الرئيسي لصعود الذهب، إلا أن حرص بعض الصناديق على جني الأرباح في ذات اليوم، قد دفع سعر الذهب الى التراجع طفيفا الى مستوى الى 25. 452 دولارا للأونصة،
بيد أن حرص اللاعبين الرئيسيين في سوق صناديق الاستثمار على مواصلة شراء الذهب قد دفع السعر مجددا الى مستوى أعلى، حيث بلغ 70. 455 دولار للأونصة، وبعد الإغلاق في بورصة نيويورك، ظهرت عمليات شراء جديدة للذهب في التداولات الأوروبية والآسيوية دفعت السعر الى مستوى 75. 458 دولاراً للأونصة، وهو اعلى سعر منذ يونيو 1988 .
ولقد أغلقت أسعار عقود الذهب الآجلة في 16 سبتمبر على ارتفاع، محققة في أسبوع مكسبا سعريا مقداره 30. 10 دولارات للأونصة، نتيجة لاستمرار المخاوف بشأن التضخم وازدهار الطلب، وهو ما دفع سعر المعدن ليسجل ارتفاعات قياسية جديدة خلال العام الجار. حيث اغلق سعر عقود الذهب الآجلة تسليم شهر ديسمبر في بورصة نيويورك على ارتفاع مقداره 4 دولارا ت، حيث بلغ السعر 30. 463 دولاراً للأونصة، وبالتالي جنت عقود الذهب الآجلة خلال أسبوع مكسبا سعريا نسبته 3. 2 % .
* حالة تفاؤل حول آفاق السعر
وتنطق تحليلات المحللين بوجود حالة من التفاؤل بشأن آفاق السعر، وبرز اتفاق عام بين معظم هذه التحليلات بأن سعر الذهب سيصل الى مستوى 500 دولار للأونصة وربما يبلغ السعر مستويات أعلى من ذلك خلال النصف الأول من العام المقبل . ودفعت حالة التفاؤل هذه، بيترجرانديش محرر نشرة «جرانديش» الى التعليق بقوله «انه لم تكن الصورة العامة لسوق الذهب بهذه الروعة منذ سنوات، وكرر تنبؤه بأن سعر الذهب يتجه نحو 500 دولار للأونصة،
موضحا أن العوامل المحفزة على الصعود تكمن في قوة الشراء المادي واستمرار العجز في إمدادات المناجم وتراجع تأثيرات مبيعات البنوك المركزية من الذهب . وأضاف البنك المركزي الأرجنتيني عاملا آخر جديدا ومحفزا على صعود السعر وهو إعلانه بأنه يدرس زيادة نسبة الذهب ضمن احتياطيه كإجراء تحوطي ضد التضخم ولتحصن من الأزمات المالية،
وقد طفت هذه المخاوف على السطح، بفعل تزايد القلق في أوروبا بشأن إمكانية ارتفاع معدل التضخم نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وغياب عمال اليقين بشأن آفاق الاقتصاد الأميركي». وتعزز الاتجاه الصعودي للذهب، بفضل غياب عمليات لبيع الذهب من جانب البنوك المركزية الأوروبية الأعضاء في اتفاقية الذهب، وذلك بعد نفاد الكميات المسموح ببيعها، وهو ما أزال أبرز العوائق المهمة أمام صعود الذهب .
بيد أن المخاوف المتفاقمة بشأن التضخم قدمت هي الأخرى دعما إضافيا لصعود الذهب، وهو ما عبر عنه وولفجانج روزبيش رئيس تسويق المعادن في مؤسسة Heraeus أن موضوع التضخم لم يكتسب في السابق هذه الدرجة من الأهمية التي هي عليها الآن ،حيث صار موضع نقاشات مستفيضة، ومن المتوقع أن يحتدم الجدل حوله خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وهو أمر يعزز الإقبال على الذهب كإجراء تحوطي ضد مخاطر التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط،
وربما يشكل هذا الأمر سببا رئيسيا لتصاعد عمليات شراء الذهب في الأسواق الغربية، وأدى هذا الوضع في رأي مارك كينان مدير الصناديق في مؤسسة « إم بي سي كوميديتي» الى ظهور سوق الذهب في أفضل أحواله، فهو يتحرك على مسار صعودي، مدفوعا بثلاث قوى محركة، يندر أن تجتمع سويا كما هو الحاصل الآن، وهي ضعف الدولار، وصعود توقعات التضخم بسبب الأسعار المرتفعة للنفط وارتفاع الطلب المادي الموسمي والذي أثار المفاجأة، خاصة من جانب مصنعي المجوهرات،
لاسيما في الهند التي تعتبر أكبر مستهلك للذهب في العالم . وقد ساعدت قوة طلب مصنعي المجوهرات في تحفيز ارتفاع السعر خلال الربع الثاني من العام، الأمر الذي سيقود الى تسجيل السعر مستويات مبهرة خلال الربع الأخير . ولكن بعض المحللين يترقبون بحذر ما سوف يسفر عنه اجتماع لجنة السوق المفتوحة ببنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ،من ناحية، ما سوف يتمخض عن هذا الاجتماع المقرر انعقاده في يوم 20 سبتمبر الجاري بخصوص أسعار الفائدة الأميركية ،
ويعبر عن حالة التوجس هذه، سيمون ويكس مدير المعادن النفيسة في مؤسسة «سكوتيا موكاتا» بقوله «إنني أعتقد أن ما سوف تسفر عنه اجتماعات لجنة السوق المفتوحة في بنك الإحتياط الفيدرالي الأميركي، تمثل عاملاً جوهرياً في تقرير مصير سعر الذهب خلال الأشهر المقبلة وعليه، فمن المحتمل أن يرجئ المستثمرون قراراتهم بالتحول الى مشترين كبار للذهب الى حين اتضاح نتائج هذه الاجتماعات، وما يرتبط بها من تأثير على أسعار الفائدة والوضع الاقتصادي ككل».
وفي سياق حالة التفاؤل التي تسود سوق الذهب، أصدرت مؤسسة «جي إف إم إس» للاستشارات في مجال المعادن تقريرا، يتضمن تقييماً لمسار سعر الذهب، حيث تكهنت بأن يواصل المعدن الأصفر صعوده بقوة خلال الأشهر المقبلة، مرتكزا على ازدهار الطلب الصناعي والعوائد الاستثمارية، الأمر الذي سيدفع السعر الى مستوى 480 دولارا للأونصة قبيل نهاية العام،
بل من المحتمل أن يصل سعر الذهب الى 500 دولار للأونصة خلال النصف الأول من العام المقبل. وترى المؤسسة أن قوة الأسواق المالية شكلت سببا رئيسياً دفع متوسط سعر الذهب الى مستويات عالية خلال النصف الأول من العام الجاري، وتمتلك هذه الأسواق إمكانية لأن تدفع السعر نحو مستويات أعلى.
* تغير نوعي في السوق
وقدرت المؤسسة أن طلب مصنعي المجوهرات خلال النصف الثاني من العام قد قفز الى مستوى فاق ما كان عليه حجم الطلب في النصف الأول بمقدار 200 طن، وأنه لولا هذا الصعود، ما كان من الممكن أن يرتفع سعر الذهب، بل كان من المرجع أن يتهاوى السعر الى أقل من 400 دولار للأونصة، وذلك تحت وطأة الزيادة الحاصلة في حجم إمداد المناجم والتي بلغت 180 طناً.
وأرجعت المؤسسة الفضل في ارتفاع سعر الذهب الى الطلب الصناعي، حيث أدى ارتفاع هذا الطلب عبر نطاق متسع من الدول الى تمكين سعر الذهب من تجاوز حاجز الـ 400 دولار للأونصة بسلاسة، إذ استحوذت الهند بمفردها على حوالي 140 طناً من الزيادة الإجمالية الحاصلة في الطلب الصناعي.
ورغم إقرار فيليب كلابويك الرئيس التنفيذي لمؤسسة « جي إف إم إس » بأن هناك عوامل عديدة ساهمت في رفع سعر الذهب، ومن بينها النمو الاقتصادي القوي، إلا أن هناك عاملاً يعد الأكثر، وهو معنويات السوق، حيث صار المستهلكون ينظرون الى سعر 430 دولارا للأونصه، على أنه سعر مقبول وقابل لأن يستمر ويتواصل، وهو الأمر الذي جعل التجار يفسرون إي انخفاض في الأسعار على أنه يمثل فرصة لتكثيف عمليات الشراء.
* تراجع ذهب الخردة
ورصد تقرير المؤسسة مفارقة رئيسية في سوق الذهب، وهو تراجع الطلب على خردة الذهب، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعاره، حيث صعد طلب مصنعي المجوهرات خلال النصف الأول بنسبة 30 %، مع استبعاد الطلب على خردة الذهب التي تراجع الطلب عليها خلال الفترة نفسها بنسبة 11 %،
وبدا هذا الأمر من وجهة نظر فيليب كلابويك متعارضا مع ارتفاع أسعار الذهب التي من المفترض أن تقود الى زيادة الطلب على خردة الذهب، ولكن ما حال دون هذا الوضع، هو التوقعات السائدة في السوق بأن سعر الذهب مآله الى الصعود. ومن ثم، بدا منطقياً ومقبولاً أن ينخفض الطلب على خردة الذهب، في الوقت الذي ترتفع فسه الأسعار.
ويعني هذا التغيير في الأسواق ـ حسبما ورد في تقرير المؤسسة ـ أن الطلب الاستثماري على الذهب لم يعد العامل الرئيسي المحدد للأسعار، على نحو ما كان عليه الوضع في السابق، وهو ما يتضح في الزيادة الطفيفة الحاصلة في الطلب الاستثماري، بالمقارنة مع طلب قطاع المجوهرات. ولفتت المؤسسة الانتباه الى نشاط عمليات بيع الذهب عبر أنظمة التداول الالكترونية في شهر مايو، كاستجابة من جانب المستثمرين لتصاعد قوة الدولار.
وأظهر التقرير عدم التفاؤل بالنسبة لآفاق الطلب الاستثماري خلال الربع الأخير من العام، وأرجح فيليب كلابويك أسباب مثل هذا التشاؤم الى أنه مازال لدى المستثمرين توقعات بصعود الدولار. ولكن كلابويك يرى أنه لم يطرأ أمر جديد يبعث الى الاطمئنان، حيث أن تهاوي الدولار أمر وارد في ظل العجز في الموازنة الأميركية، وأن الأوضاع المترتبة على إعصار كاترينا زادت آفاق سعره قتامة.
فقد ارتفعت كلفة الطاقة، الأمر الذي ساهم في زيادة جاذبية الذهب كوعاء استثماري في التحوط من مخاطر التضخم. ولفت تقرير مؤسسة « جي إف إم إس » الى أن صدمة مبيعات القطاع الرسمي للذهب قد تلاشت وتبددت، خصوصا وأن هذه المبيعات بلغت مرحلة الذروة خلال النصف الأول ببيع كمية حجمها 400 طن. ورغم ضخامة هذه المبيعات، إلا انها لم تلحق ضررا كبيرا للسوق، لكونها تميزت بالشفافية، فضلا عن أنها مبيعات متوقعة.