شهد شهر سبتمبر الجاري انطلاقة قوية لقطاع المرافق الأوروبية، حيث كانت الإعلانات عن اندماجات واستحواذات شبه يومية، تتوارد في قطاعات الغاز والطاقة والمياه. وتشكل هذه الموجة من الاندماجات والاستحواذات، نقيضاً صارخاً لما يحدث في الولايات المتحدة.حيث ساد اعتقاد بأن إقرار قانون الطاقة أواخر يوليو الماضي، من شأنه أن يعمل بمثابة حافز للاندماج داخل أسواق الطاقة والغاز.

إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى حينه، فلم يُعلن سوى عن عدد قليل من الصفقات ذات الشأن. ويتنبأ المراقبون بأن يظل النشاط الاندماجي، في حالة من التذبذب خلال الفترة المقبلة. لكن في المقابل فإن كفّة الاندماج داخل قطاع المرافق الأوروبي راجحة، ففي وقت مبكر من هذا الشهر أعلنت «ايون» كبرى شركات توليد الطاقة الألمانية، أنها بصدد دراسة عطاء لشراء «سكوتش باور» وهي صفقة يُقدّر أن تكلِّف الشركة قرابة 11 مليار جنيه إسترليني.

كما أطلقت في إسبانيا شركة «غاز ناتشورال» عطاءً ضخماً لشراء «إنديسا» الشركة الرئيسية لتزويد الكهرباء في البلاد، بقيمة 28 مليار دولار، أما في فرنسا، فقد زادت «سويسي» من عرضها النقدي إلى 5. 11 مليار يورو، لتعهيد 9. 49% وهي الحصة التي لا تمتلكها في «الكترابيل» شركة المرافق العامة البلجيكية.

وفي معرض تعليقه على هذه الطفرة في النشاط الاندماجي والاستحواذي، أكد فولفيو كونتي، الرئيس التنفيذي لشركة المرافق الإيطالية «إيتيل» أن شركته كوّنت صندوقاً قوامه 14 مليار يورو، لتمويل برنامج استحواذي في إسبانيا وأوروبا الشرقية خلال السنوات الثلاث المقبلة.

ولقي النشاط الاستحواذي والاندماجي ترحيباً واسعاً في أوساط المصرفيين الاستثماريين وكبار الموظفين المعنيين بتقديم المشورة إلى المرافق الأوروبية العامة، وهم يجوبون الآن أنحاء أوروبا في محاولة لمواكبة الطلب المتزايد على خدماتهم، لكن ما هو السبب الكامن وراء هذه الفورة في النشاط الاندماجي؟

أحد الأسباب الرئيسية هو وجود أرباح جمّة لا بد من جنيها في قطاع المرافق الأوروبي، فأسعار الطاقة في صعود لولبي، زد على ذلك وجود فرص كبيرة سيما في البلدان العشرة التي انضمت العام الماضي إلى الاتحاد الأوروبي لتفعيل مصانع الطاقة القديمة، وبالتالي جعلها أكثر ربحاً.

لا ريب، أن قطاع المرافق، في عصر يبحث فيه كثير من المستثمرين عن أرباح مضمونة، يشكل استثماراً جذاباً. وهو على العكس من كثير من الشركات المطروحة للتداول العام، حقق فيضاً نقدياً قوياً وأرباحاً منتظمة. وهو الأمر الذي يساهم في تفسير الأثمان المدفوعة حالياً لقاء أصول المرافق.

أما العامل الحاسم الآخر، فهو أن اللجنة الأوروبية، وعلى الرغم من الانتقاد المتواتر، ماضية قدماً نحو تحقيق هدفها في استحداث سوق أوروبية موحدة للغاز والكهرباء. حيث إنه وبحلول شهر يوليو من عام 2007، سيكون في وسع المستهلكين تجاراً وأفراداً، التزود بجدية من مواردهم من الغاز والكهرباء أنّى شاؤوا.

وبناء على ذلك فإن شركات المرافق الكبرى، تجري ساعية لتعزيز وضعها في كل دولة من الدول الأعضاء، على اعتبار أن اللاعبين الكبار وحدهم هم الذين سينجحون في السوق الأوروبية الجديدة الموحدة. وقد عزز ذلك بصورة فعالة الاتجاه، لمصلحة الشركات الوطنية، أمثال َمٌ، والكترويستيتيه او فرانس )لن(.

وهذه الاستراتيجية تقوي عطاء الاستحواذ الذي تقدمت به غاز ناتشورال في إسبانيا لشراء إنديسا. علاوة على ذلك، فإن الحكومات كانت طرفاً في صفقات الهدف منها تسهيل هذه العملية. فقد فتحت باريس الباب جزئياً أمام مَمُّ لدخول السوق الفرنسية، بحيث تتمكن ملن من الحصول على موافقتها للاستثمار في شركة المرافق الايطالية «أديسون».

إن حصيلة مثل هذا الاندماج، في مسيرة السنوات الخمس من سوق المرافق الأوروبي تجعله خاضعاً في نهاية المطاف لحفنة من الشركات التشغيلية في غالبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد يصب ذلك في مصلحة المستهلك، في الأسواق الوطنية حيث تبقى المنافسة حامية الوطيس، اللهم إلا في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وايطاليا وأسبانيا،

حيث قد يجد اللاعبون الجدد صعوبة في ايجاد موطئ قدم لهم، وإن شركات مثل سنتريكا، التي تشغل الغاز البريطاني، تعزو ذلك لارتفاع كلفته، وقد داهمها شعور بالخيبة، لعجزها عن تأسيس أو استحواذ أصول مرفقية ذات شأن، في الدول الأعضاء الأكبر في الاتحاد الأوروبي وفي المقابل تجعلها لقمة سائغة للاستحواذ.

غير أن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي يغمره شعور حماسي لضمان حصول كل سوق مشاركة على فرصة لتطوير واستحداث تجارة رائجة في انحاء أوروبا بالرغم من عدم سهولة تحقيق ذلك، فثمة أسواق وطنية معينة، وتحديداً أسواق الغاز والكهرباء الفرنسية التي تخضع لاحتكارات تسيطر عليها الدولة، تظل عصية على الداخلين الجدد.

وبناء على تجارب سابقة، فإن الحكومة الفرنسية، أو الهيئات التنظيمية ليستا في وارد اطلاق الحبل على غاربه للدخلاء، والسماح لهم بإيجاد موطئ قدم قوي. اما والحال كذلك، فان المستهلكين والمكلفين بالضرائب، قد يجدون أنفسهم منجرين لدفع الثمن لتمويل الشركات الوطنية المتحفزة لاقتفاء خطى استراتيجيات الاستحواذ، في أنحاء السوق الأوروبية.

وعلى صعيد متصل فإن قانون الطاقة الذي اقر مؤخراً في الولايات المتحدة من شأنه على مرور الزمن أن يعمل بمثابة حافز لمزيد من الاندماج، فالقانون يبطل قانون شركة المرافق العامة القابضة الذي يحظر على الشركات بما فيها المرافق الخارجية امتلاك أصول مرافق شبكات في أنحاء الولايات المتحدة.

ترجمة: وائل خطيب