هناك أغنية شعبية معروفة جداً في تايوان، تقول كلماتها:« تقع تايوان في بحر الصين، سحر جمالها يدعوني، وجاذبتيها تفتنني، ووصفها خير من أوصاف التعبير». ولكن، بعيداً عن عواطف الأغنيات وجاذبية بحر الصين، هناك بضعة موظفين نشيطين يعملون في دبي في مكتب في بناية قديمة، ولكن عريقة في منطقة زعبيل، ومنذ أكثر من عشرين عاما، لكي يجعلوا العلامات التجارية التايوانية جذّابة، هي الأخرى، في عيون التجّار في المنطقة.

هو المكتب التجاري التايواني الذي يديره طيلة السنوات الثلاث الأخيرة مدير يتحدّث كثيرون عن حكمته، اسمه ستيف يانج، ووظيفته «التجسس». لا داعي للهلع، فيونج ليس عميلا استخباراتيا، وهو لا يتجسس على معلومات محظورة أمنيا وسياسيا، وإنما، بحكم وظيفته،

ينقل المشهد الاقتصادي المتغيّر في الإمارات والعوامل التي تتحكّم به، تلك التي تزن وتيك التي تقود، إلى التجّار في تايوان ويحرّضهم على المزيد من الاستثمار في الدولة وتحديدا في إمارة دبي التي سبق نشاطها الاقتصادي نشاط دول ذات مساحة منفلشة على خارطة المنطقة والعالم.

* الخانة 14

يتكتّم يونج على الكثير من المعلومات، التي يقول إنه يجهلها أصلا (!)، تتعلّق بالمشاريع الاقتصادية الضخمة المزمع تنفيذها بين الإمارات وتايوان، والتي تناقلت وسائل الاعلام العالمية والمحلية أخبارها مؤخراً ومن بينها مشروع مصنع البتروكيماويات الأضخم في العالم الذي تفاوض شركة النفط الصينية المملوكة لتايوان (سي بي سي) الحكومة لإقامته في أبوظبي، مفضلا القول إنّ «رجال الأعمال التايوانيين نشيطون للغاية وهم يأتون مباشرة إلى الإمارات لعقد الاتفاقيات ولا يمرون بالضرورة عبر مكتبنا».

لكنّه، في جانب آخر، يفاخر كون الإمارات هي الشريك الاقتصادي الأقوى لتايوان في منطقة الشرق الأوسط، إذ تشير آخر الإحصاءات الصادرة عن المكتب التجاري التايواني إلى المعطيات الآتية: في العام الماضي (2004) صدّرت تايوان ما قيمته 07. 1 مليار دولار إلى الإمارات،

وصدّرت الإمارات بالمقابل ما قيمته 3. 1 مليار دولار إلى تايوان، متضمنة في الغالب المواد النفطية والألمنيوم. وتوضح هذه الأرقام أن حجم التبادل التجاري بين البلدين هو على درجة معقولة، ويلفت رجحان الميزان التجاري لصالح الإمارات وهو ما يفسّره يونج باعتماد تايوان بشكل هام على المواد النفطية التي تستوردها من الدولة.

ما يلفت أيضا هو أن حجم التصدير التايواني إلى السوق الإماراتي يفوق ما تصدّره تايوان إلى أسواق أخرى كبيرة في المنطقة وفي طليعتها السوق السعودي (428 مليون دولار في 2004 في مقابل 6,5 مليار دولار قيمة ما تصدّره السعودية إلى تايوان) والسوق الإيراني(333 مليون دولار في مقابل 1. 2 مليار دولار قيمة ما تصدّره إيران إلى تايوان).

في لائحة الحسابات التجارية التايوانية تحتلّ الإمارات موقعا متميّزا إذا، أما اللائحة الإماراتية فتشير إلى معطيات مختلفة إذ لا تظهر تايوان بين العشرة الكبار من الدول التي تستورد منها الإمارات وهي على التوالي، بحسب إحصاءات المرافئ والجمارك والمناطق الحرة للشهور الستة الأولى من العام الحالي، كل من: الصين (325. 18 مليار دولار أميركي)،

الهند(644. 17 ملياراً)، اليابان (511. 10 مليارات)، ثمّ: الولايات المتحدة الأميركية (455. 9 مليارات)، ألمانيا (938. 8 مليار)، بريطانيا(703. 8 مليارات)، فرنسا(480. 6 مليارات)، سويسرا(434. 6 مليارات)، إيطاليا(786. 5 مليارات) وكوريا الجنوبية (437. 5 مليارات).أما على لائحة الدول التي تستورد من الإمارات تبرز تايوان في المرتبة الرابعة بقيمة واردات تصل إلى 989. 333 مليون دولار، بعد كل من الهند (108. 2 مليار) والولايات المتحدة الأميركية (836. 506 ملايين) وإيران (177. 497 مليوناً).

* تشوّش التنين

يكشف يونج أنّ عدد الشركات التايوانية العاملة اليوم في الدولة يصل إلى حوالي 22 شركة يتركّز نشاطها بشكل رئيسي في مجال الحاسوب وأدواته ومجال الاتصالات. هل هو رقم مؤثّر ومرض في الميزان التجاري التايواني، مقارنة، على سبيل المثال، مع التواجد الآسيوي الصيني الضخم؟ «لا نعمل بالطريقة التي يعمل بها أبناء جلدتنا من الصينيين أو اليابانيين، فلدينا طرق أخرى أكثر تركيزا، ونحن نعي تماما أين يجب أن نكون ومتى وكيف ننافس».

لا تروق ليونج كثيرا التجربة التجارية الصينية في دبي، وتحديدا «الدراغون مارت» (سوق التنين) وهي المدينة الصينية التجارية التي تم افتتاحها أوائل العام في «انترناشونال سيتي» بدبي والتي تمتد على مساحة 150 ألف متر مربع فضلاً عن منطقة تبلغ مساحتها 30 ألف متر مربع مخصصة للمخازن، وبطول يصل إلى نحو 980 متراً وعرضه 110 أمتار وارتفاعه 6. 4 أمتار.

وينقسم هذا المركز إلى 20 منطقة تجارية و13 منطقة خدمية ومنطقة لمكاتب إضافة إلى مركز للأعمال. وبالرغم من ذلك يرى يونج، مؤكدا على حيادية رأيه بعيدا عن «التوتر» التاريخي الحاصل بين الشعبين الصيني والتايواني في مواضيع السيادة السياسية والتجارة والثقافة ما قد يزجّه في خانات المبالغة، أنّ الرؤية الصينية التي تركز عليها هذا المشروع «مشوشة» إذ إنه «غير معروف ما إذا كنا بصدد سوق للبيع بالتجزئة، أم مركز لإتمام صفقات الاستيراد الضخمة

ومن ثم إعادة التصدير انطلاقا من إمارة دبي، أم هو سوق يتنزّه فيه السوّاح ويشترون الهدايا التذكارية».ولكن ما حلّ برغبة التجار الصينيين استقطاب التاجر المحلّي وتاجر المنطقة إلى «التنين» بدل أن يذهبوا إلى الصين؟ «أعتقد أنّ إخفاقهم في تحديد ما يريدون بدقة من وراء المشروع، وتشوشهم بين أنشطة التوزيع والبيع بالتجزئة والصفقات في مكان واحد ومرة واحدة، لم يحقق ذلك الهدف.

إضافة إلى عامل آخر وهو الذكاء الكبير الذي يتمتّع به التاجر المحلّي الذي لا يزال يفضّل شدّ الرحال إلى الصين ذاتها للبحث عن أسعار أقل من تلك التي يعرضها سوق التنين بدبي».هذه الآراء، هل تورّط يونج في متاهة فلسفة «من يملك بيتا من زجاج لا يصحّ أن يرمي جيرانه بحجارة»، علما أن التواجد التايواني أضعف من التواجد الصيني؟ يعيد يونج التأكيد على أن مكتبه يسعى إلى تحريض شركات تايوانية إلى المجيء والاستثمار بدبي،

لكنّه يؤكد أن الرؤية التايوانية تقتضي باعتبار دبي، لوجستيا، محورا هاما لنشاط إعادة تصدير المنتجات التايوانية (الالكترونيات وأدوات المنزل تحديدا) إلى أسواق أخرى مثل إيران والسعودية، كذلك فإن التايوانيين ليسوا بصدد التفكير بإقامة مصانع للمنتجات الالكترونية في الدولة تختص بنشاط إعادة التجميع، «أقلّه في المدى القريب»، هذا إذا ما حيّدنا تجربة شركة الكومبيوترات التايوانية «ايسر» التي تمتلك مصنعا في منطقة جبل علي تستحوذ المملكة العربية السعودية على جزء كبير من إنتاجه.

ويكشف يونج أن هناك عددا من الشركات التايوانية لا يزال على لائحة الانتظار الخاصة بطلبات الانتساب إلى المنطقة الحرة في جبل علي التي «تشهد ازدحاما كبيرا». ومن بين هذه الشركات، هناك علامات تجارية تايوانية معروفة مثل «أسوستيك» التايوانية للكمبيوتر، والتي سبق وأعلنت اعتزامها افتتاح مركز لعملياتها في دبي واستخدامه نقطة انطلاق للصادرات في المنطقة.

ويشير مدير المكتب التجاري التايواني أنّ هناك تغيّرا أساسيا في السياسة التجارية التي تتعامل بها الشركات التايوانية مع أسواق المنطقة، قد طرأ خلال السنوات الأخيرة، اذ كانت هذه الشركات تبيع منتجاتها، ومعظمها أجهزة كمبيوتر وملحقاتها، من خلال عملاء محليين.

وبالرغم من أنّها حققت نجاحات عبر هذه الطريقة، إلا أنها تعتزم في الفترة المقبلة فتح مراكز لعملياتها في دبي لبيع منتجاتها للشرق الأوسط فضلا عن إيران والعراق، «باعتبار أن دبي أصبحت مركزا تجاريا رئيسيا في الشرق الأوسط، وتربطها علاقات تجارية مع شمال أفريقيا ووسط وشرق أوروبا فضلا عن إيران والعراق».

* بعيدا عن الدرّاجات

غير أنّ هناك علامات تجارية تايوانية متواجدة فعلا في السوق اليوم عبر مكاتب إقليمية تدير نشاطات رئيسية في المنطقة انطلاقا من دبي، كما هو الحال بالنسبة إلى شركة «بنكيو» (BenQ) وشركة «إيسر» (Acer). وربما لا يعرف المستهلك العربي، الذي أول ما يخطر على باله حين الحديث عن الماركات التايوانية الدراجات التايوانية الشهيرة، أن تلك العلامات البارزة، مثل «بنكيو» و«ايسر»، هي تايوانية المنشأ.

وترغب «بنكيو»، التي تنتج الأجهزة والحلول التكنولوجية، بتسجيل 10 مليارات دولار عائدات سنوية عالمية بحلول العام 2008، وتراهن على دبي قاعدة لتنشيط عملياتها وتصدّر الأسواق التي تستهدف الشباب في منطقة الشرق الأوسط، التي تقل أعمار ربع سكّانها عن 25 عاماً.

وتعتبر علامة «بنكيو»، بحسب تقديرات وكالة «انتربراند» interbrand المتخصصة بالعلامات، واحدة من العلامات العشر الأولى في تايوان في العامين الماضيين. وحققت العلامة نموا بمعدل 35% في العام 2004، بسرعة أكبر من أي شركة أخرى على القائمة.

وقد شهدت الشركة في الفترة الأخيرة زيادة ملحوظة في مبيعات منتجات مثل أجهزة مفكرات Joybook ذات الوسائط المتعددة، ومشغلات ملفات MP3 من أجهزة Joybee، والهواتف المتحركة، والماسحات الضوئية الشهيرة والرائدة في القطاع، وأجهزة العرض المزودة بشاشات الكريستال السائل، والشاشات المسطحة.

أمّا «ايسر»، التي تعتبر رابع أكبر شركة في العالم لإنتاج الكومبيوتر الشخصي وتمتلك مصنعا في منطقة جبل علي في دبي وتسعى إلى إنشاء آخر في السعودية، فتحاول المنافسة وسط تواجد قوي لعلامات أخرى، مثل الأميركية «إتش بي» وأيضا «أي بي أم»، للفوز بالمركز الأول في قطاعي الأجهزة المكتبية والأجهزة النقالة، بعد أن أحكمت، في فترات سابقة، قبضتها على سوق أجهزة المفكرات الشخصية.

وكانت الشركة التايوانية قد سبقت شركات أخرى منافسة في عملية تمديد علامتها التجارية «براند اكستانشين» واقتحام أسواق جديدة مثل أجهزة التلفاز ذات الشاشات السائلة. وقبل أن تعلن «إتش بي» عن نيتها طرح أجهزة تلفاز تحمل شعار علامتها الزرقاء، وتعمل بتقنية الحاسوب، في الأسواق المحليّة بحلول العام المقبل، كانت «ايسر» قد أطلقت بالفعل في يوليو الماضي أول مجموعة من أجهزة التلفزيون المزودة بشاشات مسطحة تعمل بتقنية الكريستال السائل في الشرق الأوسط.

وتريد «ايسر» أن تستفيد من تأقلم المستهلكين في الشرق الأوسط بسرعة مع تقنيات الكريستال السائل مع توقعات بوصول حجم سوق التلفزيونات المزودة بشاشات كريستال سائل في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا إلى ستة ملايين جهاز في الوقت الحالي، وارتفاع هذا الرقم إلى 20 مليون جهاز عام 2008.

وعلى مستوى العالم، حققت «ايسر» خلال الربع الثاني من العام الحالي أرباحا تجاوزت مثلي ما كانت عليه في الفترة المقابلة من العام الماضي في أعقاب انتعاش الطلب العالمي. وبلغت أرباح الشركة 69 مليون دولار أميركي في الربع الثاني من العام.

أما على صعيد المنطقة، فتقول الأرقام المسجّلة حول نشاط الشركة في أواخر العام الماضي أن مبيعاتها في سوق أجهزة المفكرات تصدرت المركز الأول في المملكة العربية السعودية، وان مبيعاتها في سوق الإمارات العربية المتحدة لهذه الأجهزة تقل بنسبة 2. 0% فقط.

وتدل البيانات التي أصدرتها مؤسسة IDC لأبحاث السوق أن مبيعات أيسر في سوق أجهزة المفكرات، في الإمارات العربية المتحدة، نمت بنسبة 3. 1289% خلال الربع الثاني من 2004، مقارنة بما كانت عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي، مما مكنها من الحصول على حصة في هذا السوق تساوي 18%، وتقل بمقدار 2. 0% فقط عن حصة أكبر منتجي أجهزة المفكرات في السوق الإماراتية.

كتب إبراهيم توتونجي