مثل طرح أسهم الطاقة في الدولة على جمهرة المستثمرين حدثاً فارقاً في تاريخ بورصة الأوراق المالية، وشكل تحدياً لعقلية المستثمرين الذين نظروا إلى هذا القطاع نظرة تمتزج بمشاعر الرهبة.

وتلقى جمهرة الناس هذه الاكتتابات على أنها تجسد تغيراً نوعياً في كيفية إدارة الثروة النفطية، بدمج المواطن الخليجي العادي مع مصدر الثروة الرئيسي في المنطقة وهو النفط والغاز، وعزز هذا النوع من الإصدارات الوفرة المالية الضخمة التي تحققت نتيجة ارتفاع أسعار النفط، فضلاً عن توجه بعض الخليجيين إلى توظيف ثرواتهم في الداخل وليس الخارج،.

وبدا طبيعياً، أن تعمل دولة الإمارات أسوة بدول الخليج الأخرى على ابتكار أدوات استثمارية جديدة قادرة على امتصاص هذه الوفرة المالية، ومثلت أسواق الأسهم بسجلها القوي الساحة المثالية لتعبئة وتوظيف هذه الأموال،..

ولكّن المحللين يرون أن الاستثمار في مجال الطاقة يحتاج نوعية معينة من المستثمرين من ذوي الأنفاس الطويلة، حيث لا مكان في هذا السوق لذوي الرهانات القصيرة الأجل.

ربما علت الدهشة أوساط المستثمرين في الإمارات المتحدة، عندما تطرق إلى مسامعهم أن إصدارات الشركات العاملة في مجال الطاقة، كالنفط والغاز صارت في متناول أيديهم، بعدما كان مجال الطاقة حتى وقت قريب أحد المجالات التي تدخل في دائرة الاهتمام الحكومي.

ولكن يبدو أن تسارع وتيرة قيام أكثر من شركة للطاقة في الإمارات باللجوء إلى سوق الأسهم لزيادة رأسمالها، فضلاً عن انسحاب هذا التوجه إلى عدد من الدول الخليجية التي شهدت هي الأخرى قيام شركات تعمل في مجال الطاقة بطرح إصدارات واكتتابات على جمهرة المستثمرين قد كرس الانطباع لدى المستثمرين بأن أسهم شركات الطاقة قد صارت بالفعل مجالاً استثمارياً متاحاً لمن يرغب في الاستثمار فيه.

* الإقبال الكبير

وجسدت مشاهد الإقبال الكبير على الاكتتاب في أسهم شركة أبوظبي الوطنية للطاقة «طاقة» صوراً غير مألوفة لجمهرة المستثمرين الذين ربما لم يتطرق إلى مخيلتهم أن يأتي اليوم الذي تزال فيه هالة الغموض التي كانت تحيط شركات الطاقة في الماضي القريب.

وعلقت مصادر في بنك أبوظبي الوطني الذي أدار الاكتتاب إن الإقبال كان كبيراً من المستثمرين بمختلف فئاتهم، حيث لم تشهد الاكتتابات السابقة هذا العدد من المساهمين في اليوم الأول للاكتتاب،.

متوقعة أن تحصد «طاقة» مبالغ تفوق كثيراً ما حصدته الشركات الكبرى التي طرحت للاكتتاب في الآونة الأخيرة، كما تميز الإقبال على الاكتتاب بأنه جاء من مستثمرين اعتادوا تأجيل مساهماتهم للأيام الأخيرة للتقليل التي تحصل عليها البنوك عن تمويل الاكتتابات.

وما يدل على ضخامة الإقبال على أسهم الشركة، حقيقة أنه وعلى الرغم من التعميم الذي تم إصداره بوقف التداول على أسهم الشركة خارج قاعة التداول اعتباراً من تاريخ إدراجها في السوق. إلا أن وسطاء قدروا في السوق قيمة التداولات التي جرت على أسهم الشركة قبل إدراجها بنحو 6 مليارات درهم حيث كانت تتم عمليات البيع والشراء بموجب أوراق قانونية معتمدة.

ويشار إلى أن شركة أبوظبي الوطنية للطاقة التي تأسست بموجب المرسوم الأميري رقم (16) لسنة 2005 كشركة مساهمة عامة مملوكة بالكامل لهيئة مياه وكهرباء أبوظبي وبرأسمال قدره أربعة مليارات و150 مليون درهم لتقوم بتملك أسهم وحصص في الشركات والمشاريع العاملة أو المساهمة في قطاعات الطاقة والماء والكهرباء والغاز والنفط والمعادن وتمويل تلك الشركات داخل الدولة وخارجها.

وتملك «طاقة» حالياً 90% من استثمارات هيئة مياه وكهرباء أبوظبي في كل من شركة الإمارات للطاقة وشركة الخليج للطاقة وشركة الشويهات للطاقة والشركة العربية المتحدة للطاقة وشركة الطويلة المتحدة للطاقة.

ويصل العائد الاستثماري في هذه الشركات إلى أكثر من 13% سنوياً علماً أن هيئة مياه وكهرباء أبوظبي طرحت في يوليو الماضي 49% من أسهم الشركة للاكتتاب العام والخاص.

وقد أعلنت هيئة مياه وكهرباء أبوظبي أن شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) ستتملك 60% من مشروع الفجيرة الذي تملكه حالياً شركة الاتحاد للماء والكهرباء والذي تقدر طاقته الإنتاجية بألف ميغاوات كهرباء و100 مليون جالون مياه يومياً. وقد دخل هذا المشروع مراحله النهائية بعد أن تقدمت 23 شركة وائتلافاً عالمياً للمشاركة فيه حيث تسلمت وثائق المشروع.

ومن المتوقع أن تتسلم الهيئة عروض هذه الشركات في منتصف نوفمبر المقبل. يذكر أن شركة الاتحاد للماء والكهرباء التي تنتج حالياً 600 ميغاوات و100 مليون جالون مياه يومياً في مشروع الفجيرة ألحقت ملكيتها أخيراً بهيئة مياه وكهرباء أبوظبي.

* «آبار» تكرر المشهد

وتكرر المشهد ذاته مع شركة أخري، وهي شركة آبار للاستثمار البترولي «آبار» وذلك على إثر إعلان شركة المستثمر الوطني طرح أسهم في شركة آبار للاستثمار البترولي «آبار» تصل قيمتها لـ 900 مليون درهم للاكتتاب العام.

ووضعت الشركة التي أدارت الاكتتاب قواعد تنظيمية، من بينها أن يقتصر اكتتاب الأفراد على مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة الذين لا تقل أعمارهم عن 21 عاماً وكذلك على الهيئات والمؤسسات والشركات المملوكة بالكامل من قبل مواطني الدولة والمتمتعة بجنسية الدولة والمؤسسات والهيئات العامة للحكومة الاتحادية وإمارات الدولة.

ويحظر الاكتتاب للأفراد الذين تقل أعمارهم عن 21 عاماً سواء مباشرة أو عن طريق وليهم أو وصيهم أو ممثلهم الشرعي. كما يحظر الاكتتاب للشركات أو المؤسسات أو الهيئات غير المملوكة بالكامل لمواطني الإمارات العربية المتحدة أو غير المتمتعة بجنسية الدولة.

وقد تم تحديد القيمة الاسمية للسهم بدرهم واحد بالإضافة إلى فلسين اثنين بمثابة مصاريف إصدار، والحد الأدنى للاكتتاب بالنسبة للأفراد هو 25 ألف سهم للفرد وأي مبلغ فوق ذلك يكون بمضاعفات 5 آلاف، سهم أما بالنسبة للشركات فهو 250 ألف سهم للطلب وأي مبلغ فوق ذلك يكون بمضاعفات 25 ألف سهم، والحد الأقصى للاكتتاب هو 495 مليون سهم.

كما جرى تقسيم الأسهم المطروحة وعددها 495 مليون سهم إلى شريحتين، حيث تتكون الشريحة الأولى من 170 مليون سهم سيتم تخصيصها بين الأفراد فقط، حيث سيتم توزيعها بالتساوي على جميع الأفراد وبحد أقصى 2000 سهم لكل فرد.

وتتكون الشريحة الثانية من 325 مليون سهم تخصص للمكتتبين من الأفراد والشركات، على أن توزع بطريقة النسبة والتناسب لكل طلب اكتتاب بالتناسب مع حجم الطلب بعد طرح عدد الأسهم التي تم تخصيصها لكل طلب من الشريحة الأول بالنسبة لطلب الأفراد. وتقوم شركة «آبار» من مقرها في أبوظبي، بتملك شركات تباشر أعمالها حالياً في قطاع خدمات النفط والغاز.

والتي تمتلك أساطيلها الخاصة من المنصات البرية والبحرية للتنقيب عن البترول. وسيكون هدف الشركة هو الاستثمار في المشروعات التجارية والصناعية في قطاعي النفط والغاز مع التركيز بشكل أساسي على خدمات حفر الآبار والخدمات ذات الصلة بحقول النفط داخل وخارج دولة الإمارات.

* «دانة للغاز» تدخل على الخط

ومؤخرا، وليس أخيرا، أعلنت لجنة المؤسسين لشركة «دانة غاز»، وهي أول شركة غاز إقليمية في القطاع الخاص، أنها بصدد طرح أسهمها للاكتتاب العام بقيمة 06. 2 مليار درهم بعد أن حصلت على موافقة السلطات المختصة.

وستبدأ رسمياً عملية الاكتتاب بنسبة 33. 34% من أسهم الشركة وسيكون الاكتتاب على أسهمها مفتوحاً أمام المستثمرين في الفترة من 20 سبتمبر وحتى 2 أكتوبر بقيمة درهم واحد لكل سهم بالإضافة إلى 1% رسوم اكتتاب.

وصرحت لجنة المؤسسين أنها قامت بتخصيص ما يقارب ثلث الأسهم المطروحة للاكتتاب، والتي تصل قيمتها إلى 700 مليون درهم، للشريحة الأولى وهي صغار المستثمرين من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي.

وتهدف إلى تخصيص 3 آلاف سهم لكل مكتتب من هذه الشريحة. وللتأهل، سيكون على كل مستثمر أن يكتتب بمبلغ 5 آلاف سهم كحد أدنى بينما تم تحديد السقف الأعلى بمبلغ 75 ألف سهم.

أما الشريحة الثانية والتي تبلغ قيمة الاكتتاب فيها 27. 1 مليار درهم فقد تم تخصيصها للمستثمرين من جميع الجنسيات ويبلغ الحد الأدنى للاكتتاب 150 ألف درهم والحد الأعلى 06. 2 مليار درهم، على أن يتم توزيع الفائض بالنسبة والتناسب. وقامت الشركة بحجز 90 مليون سهم وتخصيصها للأعمال الخيرية.

وقد تم تسمية بنك «اتش اس بي سي» مستشاراً مالياً ومديراً للإصدار. وقامت باختيار عشرة بنوك بشبكة واسعة من الفروع لاستلام طلبات الاكتتاب، وهي مصرف أبوظبي الإسلامي، بنك أبوظبي التجاري، بنك الاتحاد الوطني، بنك الخليج الأول، بنك المشرق، بنك دبي الإسلامي، بنك الإمارات الدولي، «اتش اس بي سي»، بنك الشارقة والبنك العربي المتحد.

وتم تسمية صاحب السمو الشيخ أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة ورئيس مجلس النفط، رئيساً فخرياً لمجلس إدارة الشركة كما تم تعيين أعضاء مجلس الإدارة والذي يمثل كافة دول مجلس التعاون الخليجي: حميد ضياء جعفر الرئيس التنفيذي، د. عادل خالد الصبيح نائب الرئيس، الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي.

الشيخ أديب عبد الله الزامل، أحمد راشد العربيد، د. توفيق عبد الرحمن المؤيد، الشيخ خالد عبد الرحمن الراجحي، خالد ناصر المسند، رشاد محمد الزبير، زياد عبد الله كلداري، عبد الله ناصر حويليل المنصوري، الشيخ عبدالعزيز حمد الجميح، مجيد حميد جعفر، وفاروج نركيزيان.

وتمتلك «دانة غاز» التي تم تأسيسها في الشارقة أصولاً عاملة في مجالات تجهيز ونقل ومعالجة وتسويق الغاز الطبيعي، ولديها خطط للتوسع في هذا القطاع الذي يشهد نمواً سريعاً في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بما في ذلك الاستكشاف والإنتاج والعمليات التحويلية اللاحقة وصولاً إلى الصناعات المرتبطة بالغاز الطبيعي.

ولقد ساهم المؤسسون بنسبة 67. 65% من رأس مال الشركة البالغ ستة مليارات درهم وهم أكثر من 300 مساهم من الأشخاص البارزين والمؤسسات الاستثمارية من كافة دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك أفراد من الأسر الحاكمة، وعدد من الشركات العريقة ومؤسسات مالية وهيئات استثمار حكومية.

وتعتزم الشركة، بعد إغلاق الاكتتاب، إدراج أسهمها للتداول في سوق أبوظبي للأوراق المالية على أن يتم إدراجها في أسواق مالية أخرى في المنطقة تباعاً.

أعد الملف: مجدي عبيد