قال محللون اقتصاديون ان الوعود التي قطعها الرئيس المصري حسني مبارك على نفسه تبدو وعودا سخية، بل مهمة بالقياس إلى المستوى المعتاد لمنجزات الحكومة طيلة السنوات السابقة. وفي كل الأحوال ستكون تلك الوعود مرجعية لمحاسبة الحكومة من الشعب المصري، تلك التي يفترضها نظام الانتخابات الرئاسية التعددية. وكانت البرامج الاقتصادية الانتخابية للرئيس مجموعة من البرامج العملية ذات الأهداف المحددة.
وإذا كان برنامج الرئيس قد اكتفى بتلك البرامج العملية دون أن يقرنها بتحديد دقيق للسياسة الاقتصادية التي سيتبعها في تحقيقها، إلا أنه من المفهوم بطبيعة الحال أن السياسة التي سيتبعها الرئيس في السنوات الست المقبلة هي السياسة الليبرالية الجديدة أو حرية السوق الداخلي وحرية التجارة مع العالم الخارجي.
يمكن تقسيم البرامج إلى فئتين تتمثل الأولى في زيادة المرتبات والمعاشات لموظفي الحكومة وتحسين خدمات التعليم والصحة، وبرامج لإسكان الشباب تصل إلى نصف مليون شقة، وتحسين وتوسيع نطاق برنامج الضمان الاجتماعي الخ وهذه البرامج كلها تقوم على زيادة الإنفاق العام.
ويتوقف نجاح تلك البرامج على زيادة الدخل من الضرائب، التي تتوقف بدورها على انتعاش النشاط الاقتصادي، فإذا لم يتحقق ذلك، فإما أن تغامر الدولة بتحقيق مثل تلك المطالب على حساب تفاقم أزمة العجز في ميزانية الدولة، تلك التي عادت للتفاقم من جديد في السنوات الأخيرة، لاسيما في ميزانية العام المالي الحالي. وإما أن تضطر الحكومة، لوقف تنفيذها جزئيا أو كليا، لاسيما أن رقابة المؤسسات الدولية لن تسمح بمعدلات شديدة الارتفاع من العجز، على الرغم من التساهل الشديد الذي تعامل به الحكومة المصرية.
أما الفئة الثانية، الخاصة ببرامج خلق فرص العمل، فهي تتوقف على إمكانيات تحقيق القطاع الخاص للاستثمارات الواردة في تلك البرامج، التي تتضمن خلق 5,4 ملايين فرصة عمل خلال السنوات الست المقبلة، بمعدل 750 ألف فرصة عمل سنويا، تتوزع على عدد من البرامج للصناعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، إلى جانب إنشاء ألف مصنع كبير، فضلا عن برنامج للسياحة واستصلاح الأراضي الخ.
ويؤكد الرئيس حسني مبارك أن هذه البرامج قد بنيت على حسابات دقيقة، ولكنه لم يعلن حتى الآن عن تلك الحسابات الدقيقة. وهناك من يشكك في تلك البرامج من زاوية تكلفة فرصة العمل، حيث أتت منخفضة جدا بالقياس إلى التكلفة الجارية في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من وجاهة تلك الشكوك، إلا أن هناك ملاحظات أكثر جوهرية من ذلك:
فالسياسة الاقتصادية التي ينتهجها الحزب الوطني تقوم على آليات السوق، وينحصر دور الدولة في تهيئة المناخ المواتي للاستثمار: من خلال تخفيض الجمارك، والضرائب، وتخطي العقبات البيروقراطية من خلال نظام الشباك الواحد، لتقصير فترة الحصول على الموافقات للمشروعات الاستثمارية الخ.
ولكن الحوافز الناجمة عن تخفيض الضرائب أو تخفيض الجمارك، هي حوافز «سلبية» تقوم على تخفيض ما يقتطع من ربح، ولكن المستثمر يبحث في الأساس عن حافز إيجابي أي بلد يحقق فيه أرباحا أعلى، ويوفر له أسواق التصريف سواء سوق كبير في الداخل أو أسواق تصديرية كبيرة، وهذا كله غير متوافر بالنسبة لمصر.
وفضلا عن ذلك فهناك حوافز مضادة للاستثمار، فالاعتماد على قوى السوق في بلد يعاني من ندرة رأس المال سوف يؤدي بالضرورة إلى أسعار فائدة مرتفعة وهي تصل في الظرف الراهن إلى أكثر من 17 %، ومن شأن سعر الفائدة المرتفع تطفيش أي مستثمر صناعي.
وذلك علما بأن سعر الفائدة العالي على الودائع (وهو يصل حاليا إلى حوالي 10 - 11%) لم يؤد إلى زيادة المدخرات، حيث ظل معدل الادخار المحلي يدور حول 13 - 14 %. وهو معدل منخفض سوف ينعكس بدوره على الائتمان المتاح لتمويل تلك المشروعات.
وثمة أمر آخر يتعلق بالتمويل، فحتى بافتراض توفر التمويل المحلي، إلا أن تلك المشروعات الاستثمارية، تمثل طلبا على السلع الرأسمالية المستوردة، ومن ثم تزيد الطلب على النقد الأجنبي، وهو ما سيشكل عناصر أزمة جديدة في بلد يعاني من عجز هائل في الميزان التجاري، وضعف هائل في القدرة التنافسية،
وفضلا عن ذلك سيؤدي مثل ذلك الطلب على النقد الأجنبي إلى تخفيض الجنيه، الذي لم يستقر سعره في العامين الماضيين، إلا بفضل عدد من العوامل من أهمها الركود، الذي يصاحبه بالضرورة ضعف الطلب على السلع الاستثمارية والوسيطة. خلاصة القول إن من يفكر بتمويل مثل تلك المشروعات الاستثمارية، لابد أن يفكر بالتشابكات الخارجية وبشكل خاص مشكلة النقد الأجنبي.
الحقيقة أن جذر المشكلة الجوهرية في قدرة الصناعة المصرية على خلق الوظائف، وفي تحسين قدرتها التنافسية، يتمثل في هيمنة الصناعات الاستهلاكية في الهيكل الصناعي للصناعة المصرية، فمثل هذا الهيكل الذي يعتمد على مستلزمات الإنتاج والسلع الرأسمالية المستوردة، هو الذي خلق مشكلة العجز المزمن في الميزان التجاري،
وأي توسع فيه يمثل أيضا في الحقيقة خلقا للوظائف في الأسواق الأجنبية الموردة لتلك السلع، على حين يخلق محليا مشكلة العجز في الميزان التجاري، ومن ثم المدفوعات، والدين الخارجي. وهو يصل إلى نقطة يعجز فيها عن تمويل نفسه ولو حتى بالاقتراض بعد تراكم أعباء خدمة الدين، ليدخل في مرحلة ممتدة من الركود،
كما أن ارتفاع تكاليف التكنولوجيا المستوردة يؤدي إلى إضعاف قدرته التنافسية، على الأقل من حيث السعر، حتى لو أمكن التغلب على مشكلة الجودة. وبطبيعة الحال فإن تطوير تكنولوجيا محلية يرتبط بالضرورة بتطوير الهيكل الصناعي، بإقامة فروع للصناعات الوسيطة والرأسمالية.
الحقيقة أن السير على نفس الطريق لن يحل المشكلة على الإطلاق، فهو الطريق الذي خلق معدلات مخيفة للبطالة، التي لا تكشف البيانات الرسمية عن حجمها الفعلي، فهي تتحدث طيلة العقدين الماضيين عن معدل للبطالة يتراوح ما بين 5. 9 إلى 5. 10%، وأرقام مطلقة تتراوح ما بين 5. 1 إلى مليوني عامل. وفي الحقيقة أن مثل تلك البيانات لو صدقت لما كانت هناك مشكلة على الإطلاق،
حيث أن الثبات النسبي في حجم البطالة يعني أن سوق العمل قادر على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، وهو أمر مخالف تماما للواقع. وفقا للحسابات المستقلة، تصل البطالة إلى حوالي 25%، ورقم مطلق يصل إلى حوالي 5 - 6 ملايين عاطل، وهناك من يتحدث عن ضعف هذا الرقم، وفي صفوف الشباب بشكل خاص تصل البطالة إلى معدلات محبطة، وتذكر تقارير الإيكونوميست على سبيل المثال أن البطالة تبلغ أكثر من 40% - 50% في صفوف خريجي الجامعة.
القاهرة ـ صلاح العمروسي
