تعد مشاريع العمل الصغيرة والمتوسطة نموذجاً حياً لنجاح الاقتصاد الأميركي. وخلافاً للاعتقاد السائد عالمياً، تعتبر تلك المشاريع العمود الفقري لاقتصاد الولايات المتحدة. يفاجأ كثيرون من زوار الولايات المتحدة حين يدركون ان الشركات العملاقة، مثل «جنرال موتورز» و«بوينغ» وسواهما، لا تسيطر على الاقتصاد الأميركي، إذ ان نسبة 99 في المئة من كل مشاريع الأعمال المستقلة في هذه البلاد الشاسعة عبارة عن مؤسسات يعمل في كل منها أقل من 500 شخص.
ووفقاً لدراسات دائرة مؤسسات الأعمال الصغيرة في غرفة التجارة الأميركية، يعمل في هذه المشاريع ما نسبته 52 في المئة من مجموع أفراد القوة العاملة الأميركية وهناك قرابة 20 مليون أميركي موظفين في مؤسسات يعمل في كل منها أقل من 20 شخصاً بالإضافة إلى نحو 20 مليوناً آخرين موظفين في مؤسسات يعمل في كل منها ما بين 20 و19 شخصاً،
فضلا عن نحو 15 مليون شخص موظفون في مؤسسات يعمل في كل منها ما بين مئة و500 شخص، وفي المقابل، هناك نحو 45 مليون عامل في مؤسسات كبرى يعمل لدى كل منها أكثر من 500 شخص. ويعتقد مدير وضع السياسات الخاصة لدى غرفة التجارة الأميركية في واشنطن جيوفاني كوراتولو أن مؤسسات الأعمال الصغيرة مصدر دائم للدينامية في الاقتصاد الأميركي،
لأن هذه المؤسسات ساهمت بنسبة ثلاثة أرباع فرص العمل الجديدة في العقدين الماضيين، ذلك ان هذه المؤسسات تمثل الوسيلة التي تستخدمها مجموعات أو فئات جديدة من الناس للبدء في أي نشاط اقتصادي فالنساء مثلاً، يعملن بكثافة في مؤسسات الأعمال الصغيرة، وقد ازداد عدد المؤسسات التي تملكها النساء باطراد في الأعوام الأخيرة،
ووصل عدد المؤسسات التي تملك كل منها امرأة واحدة إلى ما نسبته أكثر من 35 في المئة من المؤسسات التي يملكها شخص واحد في عام 2000. ومن مكامن قوة مؤسسات الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة قدرتها على الاستجابة بسرعة لتبدل الظروف وتكتسب هذه المؤسسات قوتها هذه من خلال التواصل الشخصي مع زبائنها،
بالإضافة إلى انها مهيأة أكثر من الشركات الكبرى لتلبية الحاجات المحلية، ومؤسسات الأعمال الصغيرة مصدر للابتكارات التكنولوجية، على غرار شركات الكمبيوتر التي تعمل في منطقة «سيليكون فالي» بولاية كاليفورنيا وغيرها، والجدير بالذكر هنا ان الكثيرين من المبتكرين في مجال الكمبيوتر والتكنولوجيا باشروا عملهم بأجهزة جمعوا أجزاءها بأيديهم في منازلهم،
وسرعان ما أصبحوا أصحاب شركات ضخمة وقوية ومن ابرز الشركات الصغيرة التي كبرت بسرعة هائلة وبات لها دور رئيسي في الاقتصاد الأميركي شركة «مايكروسوفت» لبرامج الكمبيوتر وشركة «غوغل» التي انشأها طالبان جامعيان في كاراج منزلهما وشركة «فيدرال اكسبرس» لخدمات البدريد وشركة «نايكي» المنتجة للملابس والأحذية الرياضية وشركة «أميركا أون لاين» لشبكات الكمبيوتر وغيرها.
وإذ يقر كوراتولو ان العديد من مؤسسات الأعمال الصغيرة يصاب بالفشل، يؤكد ان الفشل ليس معيباً من الناحية الاجتماعية في الولايات المتحدة، كما في بعض البلدان الأخرى، بل يعتبر تجربة مفيدة لصاحب المشروع الفاشل اذا حاول مرة أخرى، وينقل عن بعض الاقتصاديين ان فشل بعض هذه المؤسسات يظهر الكيفية التي تعمل بها بعض الأسواق لتحقيق قدر أكبر من النجاح والكفاءة،
وأن الاحترام الكبير الذي يكنه الأميركيون لمؤسسات الأعمال الصغيرة يترجم قوة ضغط تتمتع بها هذه المؤسسات لدى الكونغرس والهيئات التشريعية في كل ولاية على حدة، إذ حازت هذه المؤسسات على إعفاءات كثيرة من الأنظمة الفيدرالية. ويقول كوراتولو ان دائرة مؤسسات الأعمال الصغيرة تضمن سنوياً نحو عشرة مليارات دولار من القروض لمؤسسات الأعمال الصغيرة تستخدم عادة كرساميل، أو لشراء ابنية أو آلات ومعدات، كما تستثمر شريحات الاستثمار الخاصة بمؤسسات الأعمال الصغيرة.
المدعومة من الدائرة، نحو ملياري دولار، إضافة تستخدمها تلك المؤسسات كرساميل. وبالإضافة إلى ذلك، تسعى الدائرة إلى دعم برامج مخصصة للأقليات، مثل جماعات المحدرين من أصول افريقية أو آسيوية أو أميركية لاتينية. ولدى الدائرة برنامج ناشط تسعى من خلاله إلى تأمين أسواق ومشاريع مشتركة لمؤسسات أعمال صغيرة لديها إمكانات للتصدير،
وفضلاً عن ذلك، تدعم الدائرة برنامجاً يقوم فيه أصحاب مشاريع المتقاعدين بتوفير مساعدات إدارية لمؤسسات أعمال صغيرة جديدة أو أخرى تعاني متاعب، وتدير الدائرة أيضاً، بالتعاون مع أجهزة متخصصة في الولايات والجامعات المختلفة، نحو 900 مركز تطوير لمؤسسات الأعمال الصغيرة وتوفر معونات إدارية وتقنية لهذه المؤسسات.
يملك معظم مؤسسات الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة شخص واحد يديرها بنفسه، وفي هذه الحال، يكون المالك مسؤولاً بالكامل عن نجاح مؤسسته أو فشلها، وهو يحتفظ بكل أرباحها، وعليه ان يتحمل خسائرها، وللمؤسسة التي يملكها شخص واحد حسنات تميزها عن مؤسسات الأعمال الصغيرة الأخرى، لأنها تلائم طبائع الناس الذين يحبون المبادرة ولا يريدون الخضوع لإشراف أحد،
وهي تتحلى بالمرونة لأن بإمكان صاحبها اتخاذ القرارات بسرعة من دون الرجوع إلى أحد، وبموجب القانون النافذ، يدفع أصحاب مثل هذه المؤسسة من الضرائب أقل مما يدفعه أصحاب الشركات. وغالباً ما تجتذب مثل هذه المؤسسات الزبائن لاعتقاد هؤلاء أن صاحب المؤسسة يقوم بعمله على نحو أفضل من الشخص غير المسؤول عن مؤسسة ما.
وفي حالات أخرى يعمد شخصان أو أكثر إلى إقامة شراكة تمكنهم من جمع مواهبهم، اذ قد يكون أحد الشركاء مؤهلاً للقيام بعمليات الإنتاج. بينما يكون الشريك الآخر ماهراً في عمليات التسويق. وتعفي مثل هذه الشراكات من موجبات التصريح التي تفرضها السلطات على الشركات المساهمة، كما أنها تعمل ضريبياً بأفضل مما تعمل به الشركات المساهمة. فالشركاء يدفعون ضرائب عن الأرباح الشخصية، ولكن الشركة نفسها، كشخص معنوي، معفاة من الضرائب.
وتنتشر في الولايات المتحدة أيضاً صيغة الامتياز التجاري «فرانشايز» التي باتت معروفة في كل انحاء العالم. تنمو مؤسسات الأعمال الصغيرة الناجحة على طريق ماي عرف باسم «الفرانشايز». والشكل النموذجي لهذا الأسلوب هو ترخيص شركة ناجحة لشخص ما، أو لمجموعة صغيرة من الأشخاص، باستخدام اسم تلك الشركة ومنتجاتها مقابل نسبة مئوية من المبيعات.
وتوفر الشركة الأساسية لصاحب المؤسسة التي تعمل وفق الامتياز التجاري «فرانشايز» خبرتها التسويقية وسمعتها، وفي العادة، تكون تكاليف إنشاء مؤسسة أعمال على طريقة «فرانشايز» اكبر من تكاليف إنشاء مؤسسة مشابهة مستقلة، غير أن إدارة المؤسسة التي تعمل بصيغة الامتياز التجاري أقل تكلفة من إدارة مؤسسة جديدة مستقلة، بالإضافة إلى ان احتمال فشل الأولى أقل من احتمال فشل الثانية.
وتقدر دائرة الأعمال الصغيرة في غرفة التجارة الأميركية انه في الولايات المتحدة قرابة مليون مؤسسة تعمل بصيغة الامتياز التجاري «فرانشايز». رغم ذلك، تضطلع الشركات الكبرى بدور رئيسي في الاقتصاد الأميركي. وهناك أسباب عديدة لذلك. اذ في وسع هذه الشركات توفير السلع والخدمات لعدد أكبر من الناس، وهي في العادة تعمل بصورة أكفأ من الشركات الصغيرة، بالإضافة إلى أنه يمكنها بيع منتجاتها بأسعار أدنى مما تستطيعه الشركات الصغيرة بسبب كثرة ما تبيعه من إنتاجها، وقلة تكاليف هذا الإنتاج نسبياً.
وهي تتمتع بأفضلية في السوق، لأن الكثير من الزبائن تجتذبهم العلاقات التجارية المعروفة التي يعتقدون أنها تضمن الجودة العالية.
ومع هذا، ينظر الأميركيون إلى الشركات نظرة تتسم ببعض التناقض، فهم يعترفون بمالها من أهمية بالنسبة إلى ازدهار الاقتصاد، ولكن تقلقهم إمكانات أن تصبح هذه الشركات بالغة القوة بما يحول دون قيام شركات مماثلة جديدة، وتحد بذلك من خيارات المستهلك، فضلاً عن أن الشركات الكبرى أظهرت في بعض الأحيان أنها غير مرنة في التكيف مع تبدل الأوضاع الاقتصادية.
وعلى سبيل المثال، لم تدرك شركات صنع السيارات بالسرعة الكافية في العقود الماضية أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات ولد طلباً على سيارات أصغر حجماً وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود. ونتيجة ذلك، خسرت الشركات الأميركية حصة كبرى من السوق المحلية لصالح شركات أجنبية أخرى، وخصوصاً منها الشركات اليابانية.
انطلاقا من هذه الحقائق، تواصل السلطات الاقتصادية الأميركية سياسات الدعم والرعاية لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة، بهدف كسر سطوة الشركات الاحتكارية الكبرى والحفاظ على مبدأ المنافسة في السوق. وقد أنشأ الكونغرس الأميركي منذ عام 1976 ما يسمى «المكتب الاستشاري» التابع لدائرة الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة، باعتباره جهة مستقلة تدافع عن المؤسسات الصغيرة لدى الحكومة الفيدرالية.
ويدافع هذا المكتب عن مصالح هذه المؤسسات أمام الكونغرس والبيت الأبيض والوكالات الفيدرالية والمحاكم الفيدرالية وصانعي القرار في كل أنحاء الولايات المتحدة.يعلق الأميركيون الكثير من الآمال على مشروعات العمل الصغيرة، ولا سيما بعدما أثبتت فاعليتها الكبرى في تنمية الاقتصاد الأميركي، بحسب ما يؤكده كبير الخبراء الاقتصاديين في المكتب الاستشاري تشاد موتراي الذي يوضح ان أكثر من 60 في المئة من الوظائف توفرها مثل هذه المشروعات،
لافتاً إلى ان لدى دائرة المؤسسات الصغيرة حافظة مالية تتجاوز قيمتها 45 مليار دولار تشمل القروض وضمانات القروض المتاحة لاشتراكات، وصكوك توظيف رأس المال الاستثماري، فضلاً عن حافظة تصل قيمتها إلى خمسة مليارات دولار لتوفير القروض في حالات الكوارث. وتستخدم هاتان الحافظتان لتقديم الدعم والتدريب والاستشارة والتمويل، في إنشاء المؤسسات الصغيرة وتنميتها وتطويرها.
واشنطن ـ علي بردى
