بعد أن وضعت نيسام فيلانكاني طفلتها في أحد المشافي في بنغالور، وقبل أن ترى الطفلة، بدأ مسلسل الفساد؛ فقد دخلت الممرضة لتقول لها: «إذا كنت تريدين رؤية طفلتك عليك دفع 7 دولارات».والسعر بالنسبة للأطفال الذكور هو 12 دولاراً، وهي أسعار مرتفعة جداً بالنسبة لسكان بنغالور الفقراء لكنهم يضطرون للدفع، وإلا لا يرون أبناءهم مرة أخرى.

وكانت نيسام فيلانكاني مفلسة تماماً، فتعيَّن على أم زوجها أن تضحِّي بالقرط الذهبي الذي ترتديه، وهو هدية زواجها الثمينة، وإلا تُحرم من حفيدتها إلى الأبد.وقالت نيسام فيلانكاني لصحيفة «هيرالد تربيون» إن الممرضة التي تُدعى «آية» قالت لهما لا بد من الدفع السريع لأن طبيب النوبة سوف يغادر المستشفى ويريد أن يأخذ حصته من المبلغ.

ويعاني ملايين الفقراء في دول آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية من تجارب مريرة بسبب الفساد، يومياً في بلادهم. ويعد هذا الفساد العقبة الكؤود في سبيل التنمية حيث يؤثر في نوعية الخدمة التي يحتاجها الناس بشدة مع انخفاض دخولهم. وتختلف الرشاوى من مكان لآخر وللخدمات التي تقدم للناس، لكنها تمتد من المهد إلى اللحد، وفق الدراسات والأبحاث التي أجريت في الدول النامية.

فالناس يدفعون المال من أجل الولادة، ثم يدفعون مرة أخرى ليحصلوا على مواليدهم من المشافي، وإلا يفقدونهم للأبد، في دول مثل الهند. كما يدفعون المال لقاء خدمات مثل جمع القمامة والحصول على مياه نظيفة صالحة للشرب، والأدوية، وإدخال أولادهم المدارس الحكومية، ولرجال الشرطة أيضاً.

والرشاوى المقنعة تشبه الضرائب الخفية، كما تقول دراسة لمعهد البنك الدولي، المتخصص في قضايا الفساد.في زامبيا مثلاً، يدفع الناس 17% من دخولهم في شكل رشاوى للحصول على خدمة طبية، فيما تدفع الطبقة المتوسطة 3% فقط، والأرقام المناظرة في باراغواي تبلغ 7% للفقراء و1% للطبقة المتوسطة.

ويقول دانيل كاوفمان مدير البرنامج الدولي في معهد البنك الدولي إن الفقراء يدفعون نسبة كبيرة من دخولهم للحصول على الخدمات الطبية نفسها التي تحصل عليها الطبقة المتوسطة والأثرياء، فضلاً عن أنهم لا يستطيعون الحصول على الرعاية الطبية الأساسية التي لا يستطيعون تحمل تكاليفها.وعندما يسرق صغار المسؤولين من جيوب الفقراء يكون هذا مؤشراً على تفاقم الفساد وتزايده كلما زاد المستوى الإداري والبيروقراطي.

ويقول الباحثون إن الأطباء والممرضات في بنغالور في الهند يدفعون رشاوى للمسؤولين الأعلى أو المنتخبين من أجل الحصول على وظائف جيدة، ويبلغ سكان بنجالور 5. 6 ملايين نسمة وهي معروفة بازدهار صناعة التكنولوجيا وبيئة جيدة للمدارس الخاصة. وبعد أن يدفع الأطباء والممرضات الرشاوى للحصول على الوظائف، يبدأون في تقاضي الرشاوى من المرضى.

ويقول هانومايا سودارشان المسؤول في ولاية كارنتاكا الهندية إن غالبية موظفي المناطق الصحية لابد أن يدفعوا رشاوى للحصول على الترقيات وتولي المناصب الأعلى، ويضيف انها دائرة مفرغة. لكن نانجيجودا، رئيس سودارشان، رئيس الهيئة أيضاً، يقولها بصراحة، إن جشع المسؤولين السياسيين يجتاح البلاد.وبغض النظر عن مكان بداية الفساد، فهو يمتد في كل الطبقات حتى يصل في النهاية إلى الفقراء، الذين لا يستطيعون تحمل تكلفته.

وتقول الطبيبة شيهاراني إنها دائماً تطلب من المرضى أن يصارحوها ويقولوا لها إذا كان أحد قد طلب منهم رشاوى لكن المرضى يروون قصصاً أخرى، ومنهم نكراجتنا هانومانتو وزوجها، اللذان ذكرا أن طفلهما الأول مات في المستشفى بسبب الحمى لأنهما لم يكن لديهما مال يدفعانه للحصول على الدواء.

وعندما ولدت لهما طفلة ثانية، طلبت الممرضات 7 دولارات منهما وإلا تختفي الطفلة نهائياً، لكن الزوج هذه المرة ادعى انه يعرف مسؤولين كباراً وسوف يشكو إليهم فعادت إليهما الطفلة بلا مقابل.لكن بنغالور استطاعت تقليل حجم الفساد بفعل فكرة صامويل بول، الذي كان مديراً لإحدى المدارس التجارية فقد ابتكر فكرة بطاقات الشكوى التي تولى مركز الشؤون العامة توزيعها على الناس، ليسجلوا ما يعانونه من الرشاوى، ثم تنشر في الصحف المحلية.

بهذه الطريقة انخفض مستوى الفساد في بنغالور بشكل كبير منذ عام 1999، وارتفع مستوى الرضا عن الخدمات العامة، على الرغم من استمرار الرشاوى في مشافى الولادة، وانتقلت الفكرة أيضاً إلى إثيوبيا وأوغندا وزنزبار وأوكرانيا وبنجلاديش والفلبين وفيتنام.وأخيراً قالت مارجريت ـ الجدة البالغة من العمر 50 عاماً، «اضطرت لدفع 7 دولارات» لرؤية ابنة ابنتها البالغة من العمر 19 عاماً في بنجالور على الرغم من أنها شعرت بالغضب لذلك إلا أنها سعدت برؤية حفيدتها.

ترجمة: أشرف رفيق