دخلت إيران سباق المارثون للحصول على لقب «امتلاك بورصة للطاقة» ولكنها دخلته من بوابة أخرى غير البوابة التي اعتاد اللاعبون على الخروج منها إلى حلبة المنافسة، حيث تم تعليب خططها في هذا المجال بقوالب سياسية وأيديولوجية، وسواء أكانت إيران تقصد ذلك أم لا تقصد .
فقد بدأت خططها في هذا المجال على أنها تتجاوز المقومات الفنية والتجارية لأية بورصة، لتصبح مجرد أداه في إستراتيجية طويلة الأجل في الصراع الدائر بينها والدول الغربية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، وظهرت الخطط الإيرانية في هذا المجال مرتدية ألوان التعبئة والتجييش السياسي، وتعالى الحديث عن الخطر الذي ستشكله بورصة الطاقة الإيرانية المقترحة على هيمنة الدولار كعملة تسعير لمعظم السلع في العالم ومن بينها النفط.
وتصاعد الجدل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تستهدف برنامج إيران النووي أم برنامجها لتسعير النفط باليورو. فبدءا من مارس 2006، تخطط إيران لبدء التنافس مع بورصة نيويورك التجارية «نايمكس» وبورصة البترول الدولية في لندن في مجال تجارة النفط الدولية، واستخدام نظام للمتاجرة على النفط يرتكز على اليورو، ويعني هذا النظام أن عملة اليورو سيكون لها قدم راسخة في مجال تجارة النفط الدولية، وحتى الوقت الحالي،
فإن إحدى العقبات الفنية الأكثر صعوبة التي تواجه نظام المتاجرة على النفط بعملة اليورو هو الافتقار إلى مقياس لتسعير النفط باليورو، أو ما يسمي «بالأساس المرجعي للنفط »، حيث أن الأسس المرجعية الحالية للنفط مقومة بعملة الدولار، وتشمل خام غرب تكساس الوسيط ونفط برنت النرويجي وخام نفط دبي،
ومع ذلك ، ومنذ صيف عام 2003، طلبت إيران أن تكون مدفوعات صادراتها للنفط لكل من دول الاتحاد الأوروبي وآسيا بعملة اليورو، وذلك على الرغم من أن تسعير هذه الصفقات التجارية مازال يتم بعملة الدولار. وفي يونيو 2004، أعلنت إيران نواياها بإنشاء بورصة إيرانية للنفط،
وتم صياغة خبر الإعلان بشكل يحمل الانطباع بنشوء منافسة بين البورصة الإيرانية للنفط من جانب وكل من بورصة البترول الدولية في لندن، وبورصة نيويورك التجارية (نايمكس) من ناحية أخرى، ويمتلك البورصتين كونسيرتيوم أميركي، ويجري تشغيلهما بواسطة مؤسسة «اينيركونتيننتال اكستشينج »NTERCONTINENTAL EXCHANGE ومقرها ولاية أتلانتا.
* التسعير بعملة اليورو
وينطوي إطلاق بورصة إيرانية للطاقة في نظر بعض المحللين على انعكاسات اقتصادية، فمع الأخذ في الاعتبار أنه منذ منتصف عام 2003، قامت إيران بتحصيل مدفوعات صادراتها النفطية لزبائنها في الاتحاد الأوروبي بعملة اليورو، يصير من المنطقي في نظر البعض الافتراض بأن البورصة الإيرانية المقترحة، ستتخذ أحد نفوطها كمؤشر مرجعي في تسعير النفط بعملة اليورو، ومن ثم، ستسهم البورصة المقترحة في إزالة أحد المعوقات الفنية الرئيسية التي تحول دون إقامة نظام للمتاجرة على النفط يستند إلى عملة اليورو.
ويرى البعض أن إيران تعتبر إقامة نظام «بيترو ـ يورو» من الناحية الاقتصادية والفنية بمثابة تطور منطقي وطبيعي، حيث تستورد دول الإتحاد الأوروبي من الدول الأعضاء في أوبك كميات من النفط تفوق الكميات التي تستوردها الولايات المتحدة، كما أن دول الاتحاد الأوروبي تستحوذ على 45 % من إجمالي الصادرات النفطية لمنطقة الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت مع توسع الإتحاد الأوروبي في مايو 2004 ليشمل 25 دولة.
* الكابوس المزعج
ويرى البعض أن ظهور بورصة إيرانية للطاقة يعد أحد الكوابيس المزعجة لبنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، حيث سيكون متاحا للمشتريين الدوليين للنفط خيار شراء النفط من بورصتي نايمكس والبترول الدولية في لندن أو من بورصة إيران النفطية، وبهذا ستضع بورصة النفط الإيرانية المقبلة نظام «البيترو - دولار» في مواجهة نظام «البيترو ـ يورو» في حال افتراض أن عملة اليورو حافظت على المستوى الحالي لقيمتها المرتفعة في مقابل الدولار،
وافتراض كذلك عدم تدخل الولايات المتحدة ضد إيران بأي شكل من الأشكال ، وهو من شأنه أن ينثر بذور التغييرات في اكبر سوق للسلع في العالم وهو سوق المتاجرة العالمي على النفط والغاز. ومن غير الواضح في نظر بعض المحللين، ما إذا كان مشروع بورصة النفط الإيرانية سيكلل بالنجاح أم أنه سيحفز على قيام الولايات المتحدة بتدخلات خفية أو علنية،
ولكنه يعد المشروع بمثابة إشارة تنذر بنشوب حرب «البيترو ـ دولار» في الشرق الأوسط، فيما يرى البعض الآخر أنه وبغض النظر عن رد فعل الولايات المتحدة المحتمل على نظام «البيترو ـ يورو » الإيراني، فإن ظهور بورصة للنفط في الشرق ليس مسألة مثيرة للدهشة والاستغراب،
وذلك في ظل صعود الاستهلاك وتراجع الصادرات النفطية لكل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالمقارنة مع مستويات الاحتياط العالية في كل من إيران والعراق والمملكة السعودية، وبالتالي فإن الصراع على تجارة النفط يمثل تحديا للهيمنة التي تمتعت بها المراكز المالية في كل من لندن ونيويورك.
وتشير أحدث الأخبار إلى أن بورصة إيران النفطية ستبدأ عملها في 20 مارس 2006 وهو ما يتزامن مع موعد بدء السنة الإيرانية الجديدة، وفي حالة إذا ما نجحت في استخدام اليورو كعملة يتم على أساسها تقييم التعاملات على النفط ، فإن هذا من شأنه أن يقود إلى تعزيز قوة نظام «البترو ـ يورو» في التعاملات التجارية الدولية على النفط، وهكذا، فإنه من شأن نجاح البورصة الإيرانية للنفط أن يعزز من قوة نظام «البيترو ـ يورو»بوصفه عملة بديلة للتداولات التجارية الدولية على النفط،
وبالتالي، يضع النهاية للوضع المهيمن للدولار بوصفه العملة المحتكرة للنفط.ولكن يبقى السؤال هل يمكن إطلاق بورصة للطاقة تتمتع بالقدرة على الاستمرار والتواصل في ظل مناخ سياسي زاخر بالمخاوف والقلاقل والمخاطر السياسية، وفي ظل بيئة يسودها اليقين بأن الولايات لن تتسامح بشأن انهيار وضع عملتها في تسعير السلع وعلى وجه الخصوص النفط.