دخلت بورصة سنغافورة سباق الماراثون للحصول على لقب امتلاك بورصة للطاقة، متطلعة إلى إقامة سوق آسيوي للتعاملات على عقود الطاقة، بحيث تصبح سنغافورة مركزا لتسعير السلع في آسيا. وذلك على الرغم من عدم استيفائها أحد الشروط الأساسية لإقامة سوق فوري للتعاملات على النفط، وهو إنتاجها لإحدى خامات النفط بكميات تكفل له إمكانية أن يصبح مؤشرا مرجعيا في تحديد أسعار النفط.
وتشمل المبادرات التي أعلنت عنها بورصة سنغافورة مؤخرا، التخطيط لتقديم تسهيلات المقاصة للمتاجرة خارج سوق التبادل لعقود مشتقات الطاقة واتفاقيات رسوم الشحن الآجلة في بداية عام 2006، فضلا عن إعادة إطلاق مؤشر للتعامل على عقود المستقبليات للأسهم الهندية خلال الربع الثالث من العام الجاري، ويضاف إلى ما سبق، تطلع بورصة سنغافورة إلى تطوير سوق آسيوي للتعامل على عقود الطاقة،
وذلك على الرغم من وجود لاعبين رئيسيين في هذا السوق، ومن بينهم بورصة دبي للطاقة وبورصة طوكيو للسلع، إلى جانب بورصتين رئيسيتين للسلع في الهند. ولا تفصح الإنباء الواردة عن بورصة سنغافورة عن حقيقة النوايا بشأن مدى ونطاق مشتقات السلع التي تعتزم إدراجها ضمن عمليات التداول، ففي أكتوبر 2004، تم الكشف عن مفاوضات بين بورصة نيويورك التجارية «نايمكس» وبورصة سنغافورة بشأن إقامة مشروع مشترك بين البورصتين،
ولكن لم يتم الكشف عن تفاصيله، واكتفى جيم نيوزسوم رئيس بورصة نايمكس بالإشارة إلى أن المباحثات بين البورصتين قد استغرقت سنين عدة، ولكنها أحرزت القليل من التقدم. وفي أغسطس من العام الجاري، أعلن كل من مجلس تجارة شيكاغو (بورصة شيكاغو) وبورصة سنغافورة التوقيع على مذكرة تفاهم، تسمح باستكشاف آفاق تطوير سوق لعقود الخيارات والمستقبليات للسلع الآسيوية والتي يجري التداول عليها من خلال نظام التداول الإلكتروني لبورصة شيكاغو،
وصرح بيرنارد دان رئيس بورصة شيكاغو أن تطوير سوق لعقود الخيارات والمستقبليات يعد اقتراحا مثيرا للاهتمام، إذا ما أخذ في الاعتبار التحدي الخاص بإقامة بيئة للتداول الالكتروني توفر المزيد من الشفافية والكفاءة في التداول على السلع الآسيوية، ومن جانبه أعرب هيسيه فو هوا المدير التنفيذي لبورصة سنغافورة عن اهتمامه بإقامة علاقات مشاركة مع بورصة شيكاغو،
بالنظر إلى ما تتيحه هذه العلاقات من جلب لشبكة عالمية من الفاعلين في تجارة السلع، علاوة على أن هذا التعاون يأتي في وقت يشتد فيه الطلب في آسيا على السلع. كما ينسجم مع الهدف الإستراتيجي لبورصة سنغافورة بأن تكون مركزا رائدا في الاتجار بالمشتقات وإدارة المخاطر.
* سوق طاقة آسيوي
ويشير المراقبون إلى أن سنغافورة تعمل بقوة على أن تشغل مكانة المركز لسوق طاقة آسيوي، في إطار تخطيطها لأن تصبح مركزا لتسعير السلع في آسيا.ولهذا، وحسبما تذكر التحليلات، تقف سنغافورة بقوة وراء هذه الفكرة. وطرحت فكرة إقامة سوق آسيوي للطاقة على اعتبار أن الاقتصادات الآسيوية تستحوذ على 35% من إجمالي الاستهلاك العالمي، وعلى اعتبار أن الاقتصادات الغربية قد طورت الأسواق الخاصة بها،
وهو ما يتضح في خام غرب تكساس الوسيط الذي يخدم السوق الأميركي وخام برنت الذي يخدم السوق الأوروبي، وخام دبي الذي يمثل المقياس المرجعي لإنتاج منطقة الخليج.وعلى خلاف الحال بالنسبة للسوقين الأوروبي والأميركي، ترتبط آسيا بنفط منطقة الخليج، وبالتالي لا يتوافر لها حيز لتنويع مصادر الطاقة،
ومع الأخذ في الحسبان تكلفة الشحن، يكون في غير مستطاع الدول الآسيوية من التجارية والاقتصادية أن تحصل على إمدادات النفط من مناطق أخرى، بخلاف منطقة الخليج، وقد تعززت أهمية النفط السعودي بفعل العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، والأوضاع في العراق،
فضلا عن حالة عدم التأكد التي تسود الأسواق خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب على العراق. وعلى أساس هذه الخلفية، تتم مبيعات المملكة السعودية من النفط للمشتريين الدوليين، بناء على عقود طويلة الأجل، تتحدد قيمتها بناء على الأسعار الفورية للأسواق الثلاثة المذكورة، وفي الغالب، يكون أجل العقد لمدة عام، وبشكل عام، تتحدد الأسعار وفقا للمتوسط الشهري للأسعار الفورية للخامات الثلاثة المرجعية، وبالتالي، ارتبط نظام التسعير بالنسبة للدول الأوروبية بمتوسط سعر خام برنت لبحر الشمال المرجعي،
وبالنسبة للإمدادات للولايات المتحدة، ارتبط بخام غرب تكساس الوسيط، وبالنسبة للإمدادات المتجهة لآسيا، ارتبط نظام التسعير بالمتوسط الشهري للأسعار الفورية لمزيج خام دبي ـ عمان. وتم تعديل قاعدة السعر، بإدخال عامل يأخذ في الاعتبار الاختلافات بين القيمة السوقية للنفط السعودي والسعر الفوري للخام المرجعي. فضلا عن الأخذ في الحسبان التغييرات الشهرية في قيمة التكرير لخامات النفط السعودية في مختلف الأسواق، والاختلافات في تكلفة النقل بين النفوط السعودية وخامات النفوط المرجعية.
وعلى الرغم من وضع نظام للتسعير بناء على الأسس الآنفة الذكر، إلا أنه صاحب هذا النظام، بروز اختلال في التوازنات بين السوقين الأوروبي والأميركي من جهة والأسواق الآسيوية من جهة أخرى فضلا عن خلل آخر في التوازن بين خامات النفوط المرجعية، وذلك بسبب أوجه عدم التماثل الموجودة بين تلك الأسواق الثلاثة. وعليه، أدى تبني هذا النظام في التسعير إلى بروز مشكلتين رئيسيتين:
أولا: بروز مشكلة تتعلق بفجوة التوقيت الزمني لتغييرات الأسعار بين السوق الآسيوي من جهة والأسواق الأميركية والأوروبية من جهة أخرى.
ثانيا، ارتفاع الأسعار بالنسبة للأسواق الآسيوية بالمقارنة مع الأسعار في السوقين الأميركي والأوروبي.
وفي هذا المجال، تم إطلاق مصطلح العلاوة الآسيوية على الفارق في الأسعار بين السوقين الأوروبي والأميركي من جانب، والسوق الآسيوي من جانب آخر، وقدر معهد اقتصاديات الطاقة الياباني بأن العلاوة الآسيوية بلغت دولارا واحدا للبرميل خلال الفترة من 19951992، و5. 1 دولار للبرميل خلال الفترة من 19981992،
وقدر المعهد حجم الأموال التي دفعتها الدول الآسيوية نتيجة لهذه العلاوة بما يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، وبدأت الدول الآسيوية، وعلى الأخص اليابان والهند في الإعراب عن قلقها بشأن تلك العلاوة، على اعتبار أنها تؤدي إلى تبطئة النمو الاقتصادي وتقلل من قدرتها التنافسية على مستوى العالم.
وعلى خلاف الحال بالنسبة للسوقين الأوروبي والأميركي، ترتبط آسيا بنفط منطقة الخليج، وبالتالي لا يتوافر لها حيز لتنويع مصادر الطاقة، ومع الأخذ في الحسبان تكلفة الشحن، يكون في غير مستطاع الدول الآسيوية من الناحية التجارية والاقتصادية أن تحصل على إمدادات النفط من مناطق أخرى، بخلاف منطقة الخليج، وقد تعززت أهمية النفط السعودي بفعل العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، والأوضاع في العراق، فضلا عن حالة عدم التأكد التي تسود الأسواق خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب على العراق.
* ملء الفجوة
ويري المراقبون أن سنغافورة تتطلع إلى ملء هذا الفضاء المتسع، وهي تحاول الترويج لهذا السوق من خلال إبراز أوجه التشوهات الناتجة عن غياب سوق فوري منظم للطاقة، ومن بينها، خلق أوضاع ندرة وفوائض مصطنعة والتي تجعل من الصعوبة على العقود السنوية أن تتأقلم معها، حيث يسود الاتجاه للتهرب من تنفيذ العقود السنوية ففي فترات ارتفاع الأسعار، ومن شأن هذه التشوهات أن يجعل الاتفاقيات الطويلة الأجل عرضة للعديد من المشاكل، من بينها مشكلة التنبؤ بالأسعار والاضطرابات التي تسببها السوق الفورية.
وفي محاولتها لملء هذا الفراغ، تقف على أرجل مشلولة، وتتمثل في عدم امتلاكها خامات نفط، تستند إليها كمؤشر مرجعي في تحديد الأسعار الفورية وأسعار العقود الآجلة. ويسود رأي عام في دوائر صناعة النفط العالمية بانحسار أفق العثور على اكتشافات نفطية ضخمة في منطقة جنوب شرق آسيا، وتعتبر شركة بيرل واحدة من حفنة قليلة من الشركات التي تحاول مناطحة هذه الحقيقة، وتعتبر شركة بيرل أول شركة تقيد أسهمها في بورصة سنغافورة كشركة بترول،
وذلك على الرغم من أن هناك العديد من الشركات الأخرى المقيدة في البورصة والتي تعمل في صناعة النفط كشركة كيبيل والتي تقوم بتصنيع أجهزة الحفر.وقد تأسست هذه الشركة بواسطة ثلاث شركات غربية لديها خبرة طويلة بقطاع النفط في جنوب شرق آسيا، وهي «كيث كاميرون» و«كريستوفر جيبسون روبينسون» و«ريتشارد لورينتز».
وتركز شركة بيرل على إنتاج النفط في جنوب شرق آسيا، ولكن على الجانب الآخر، توجد العديد من الشركات العاملة في القطاع النفطي التي تنظر إلى منطقة جنوب شرق آسيا على إنها أقل جاذبية لأعمال الاستكشاف والإنتاج بالمقارنة مع المناطق الأخرى في العالم. وهذا يرجع إلى أنه لم يعد لهذه المنطقة آفاق واعدة على النحو الذي كانت عليه في الماضي.
ويقر لورينتز مدير تطوير الأعمال في شركة بيرل بهذه الحقيقة بقوله «ان هناك رأياً سائداً في جنوب شرق آسيا مؤداه بأنه لم تعد هناك إمكانية للمزيد من اكتشافات النفط الضخمة في جنوب شرق آسيا، حيث تحركت مثل هذه الأنواع من الاكتشافات إلى سواحل غرب إفريقيا».
وتواجه كل من تايلاند والفلبين مشكلة وجود فجوة ضخمة بين إنتاجها المحلي والطلب على النفط، حتى الدول الكبرى المنتجة للنفط في المنطقة كاندونيسيا وماليزيا، فهي في طريقها لأن تعاني من عدم قدرة إنتاجها المحلي على الوفاء باحتياجاتها من النفط. ووفقا للمركز الآسيوي الباسيفيكي لبحوث الطاقة ومقره اليابان، كل الدول في جنوب شرق آسيا ستواجه عجزا صافيا في النفط بحلول عام 2020 عدا سلطنة بروناي.
* ضعف أداء البورصة
ويتشكك المحللون في قدرة بورصة سنغافورة على إطلاق سوق للطاقة يتميز بالحيوية والنشاط، ويدللون على ذلك بضعف أداء البورصة في مجال التعامل على عقود الخيارات والمستقبليات، فقد أظهرت النتائج السنوية لبورصة سنغافورة عدم وجود تغييرات كبيرة في العوائد المتحققة من المشتقات وذلك على الرغم من الهبوط بنسبة 9. 34% في حجم التداول على المستقبليات، ونتج هذا الهبوط عن انهيار الحصة السوقية للبورصة في التعاملات الآجلة على الدولار واليورو.
وتشير النتائج السنوية للبورصة بأنه خلال العام المالي المنتهي في يونيو من العام الجاري، بلغ إجمالي عوائد البورصة من التعاملات على المشتقات نحو 6. 49 مليون دولار سنغافوري، مسجلة انخفاضاً طفيفاً عن العام السابق الذي بلغت فيه عوائدها من تعاملات المشتقات 1. 50 مليون دولار سنغافوري.
وهبطت العوائد من عمليات المقاصة على المشتقات من 9. 49 مليون دولار سنغافوري إلى 9. 44 مليون دولار سنغافوري وساهمت عمليات أوامر الشراء بنحو 7. 4 ملايين دولار سنغافوري من إجمالي العوائد المتحققة من المشتقات. ويلفت المحللون الانتباه إلى حالة عدم اليقين التي تسود المستثمرين إزاء بورصة سنغافورة، بعدما فقدت نصف أعمالها في مجال التعامل على المستقبليات،
وذلك مع تحرك هذه التعاملات من غرفة المتاجرة على عقود اليورو والدولار ببورصة سنغافورة صوب نظام التداول الإلكتروني لبورصة شيكاغو التجارية «جلوبيكس».وفي ظل عدم توافر مقومات إقامة سوق للطاقة في بورصة سنغافورة، فإن المحللين يطرحون سؤالاً عن جدوى تطلع سنغافورة لأن تكون مركزا لسوق الطاقة في آسيا، في الوقت الذي تتوافر فيه خيارات أكثر عملية، ويتوافر كذلك لاعب رئيسي تتوافر فيه كل المقومات والمعايير وهو سوق دبي للطاقة.