تحاول الحكومة اللبنانية الخوض مباشرة في صلب الاستحقاقات الداهمة فأعطت للخصخصة أولوية من شأنها إعطاء إشارات الى الأسواق والمستثمرين والدول المانحة، باعتبار ان موضوع الخصخصة لم يشهد اي خطوة جدية منذ مؤتمر «باريس 2» وحتى اليوم، وهو كان أولوية في التعهدات اللبنانية الى الدول المانحة، بسبب الخلافات السياسية المتحكمة في العلاقة بين أهل السلطة التي كانت لها اليد الطولى في تعطيل العملية الإصلاحية.
لكن الوقت حان لفصل التطورات السياسية والأمنية عن المعالجات الاقتصادية الممكنة في ظل الظروف السائدة. وتأتي خصخصة الكهرباء والاتصالات في مقدمها، وفق ما صرّح به الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للخصخصة عضو كتلة «المستقبل» النيابية النائب غازي يوسف ل«البيان». وأكد ان أولوية الحكومة تحرير القطاعات لخلق صدمة داخلية وإعطاء إشارات للأسواق الخارجية بهدف خلق مجالات للتوظيف والاستثمارات الجديدة.
وبرزت الخصخصة مجدداً على طاولة البحث اللبناني كأحد المحاور الأساسية لسياسة الحكومة، وفي هذا الإطار يقول النائب يوسف «الخصخصة كمشروع ضروري للبنان لم تحدده هذه الحكومة فقط ولكن طرحته عدة حكومات سابقة بدءاً من أولى حكومات الرئيس رفيق الحريري الذي أصر، عن حق، على أن يلعب القطاع الخاص الدور الرائد في الاقتصاد اللبناني
لكن الظروف السياسية لم تكن تسمح باستعمال كلمة خصخصة وأعطيت صوراً مغايرة لمفهوم الخصخصة المباشر وهو تلزيم مشروع ما الى شركة خاصة تقوم بإدارته وإعطاء حساب للدولة وبعد سنوات يعود المشروع الى الدولة من المشاريع التي نفذت الهاتف الخلوي وانشاء «ليبان بوست».
لم تأخذ الخصخصة طريقها الى التنفيذ إلا في عهد حكومة الرئيس سليم الحص حين أفرج عن مقاربة موضوع إشراك القطاع الخاص عن طريق الخصخصة من خلال دراسة القانون 228 الذي يسمح بخصخصة القطاعات في لبنان. والمراسيم التطبيقية صدرت عند عودة الرئيس الحريري الى الحكم في العام 2001 حين توفر وفاق سياسي عام على تسهيل انتقال بعض المرافق التي تديرها الدولة من حضن الدولة الى القطاع الخاص».
لكن هناك فريقاً من اللبنانيين يرفض الخصخصة باعتبارها نزع صلاحيات من الدولة وسلخ ميادين من عملها وبيعها للقطاع الخاص ورؤس الأموال النهمة التي لا يهمهما مصلحة المواطن،الا ان يوسف يرى ان هذه النظرة الى القطاع الخاص غير دقيقة معتبراً اياه الرائد في ميدان الأعمال، ويقول «أسباب هذا الاتجاه عديدة منها ان القطاع الخاص في لبنان هو قطاع غني وهو القائد في الاقتصاد. وبالنظر الى بعض القطاعات خاصة التي تديرها الدولة نرى انها كانت شركات خاصة عادت الى الدولة بحكم مرور الزمن.
وعن تعهد لبنان في مؤتمر «باريس2 » بخصخصة بعض القطاعات كأولى خطوات العملية الإصلاحية قال يوسف «من أركان المشاريع التي قدمناها في مؤتمر «باريس 2» الذي جمع 24 دولة صديقة لمساعدة لبنان كان الخصخصة. لدينا مشكلة الدين العام الذي يعود لسببين الأول العجز في موازنة الدولة بسبب زيادة المصاريف عن المداخيل وهذا ناتج عن خدمة الدين المرتفعة التي تتراكم سنة بعد أخرى،
وفي الوقت نفسه لا نستطيع زيادة الضرائب لذا كان علينا ان نزيد ايرادات الدولة عبر توسيع الاقتصاد. وهذا التوسيع له أسس منها تشجيع القطاع الخاص عبر تحرير القطاعات وتنفيذ عمليات الخصخصة. ونحن هنا لسنا بصدد بيع أصول الدولة بل تحريرها من قبضة السياسة على اقتصاد السوق في قطاعات المياه والاتصالات والكهرباء والمواصلات. وقد طالبتنا هذه الدول بتحرير هذه القطاعات لتشجيع القطاع الخاص على الدخول كمستثمر و هذا يؤدي الى زيادة العمل والعمالة في لبنان.»
واضاف يوسف «لكن هذا المؤتمر والتزاماته كانت محكومة بالإعدام من السياسيين. وعند عودة الرئيس الحريري الى لبنان إنقلبوا عليه فطيّروا الحكومة وبدلوا أركان مشروع الخصخصة وبينهم النائب باسل فليحان والوزير غسان سلامة ووضعوا نظاما قابضا ضمن حكومة فرضت على الرئيس الحريري وتوقفت مشاريع الخصخصة كنت يومها الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة وأعرف تماماً ما الذي حدث.
في قطاع الاتصالات كنا في صددإطلاق رخصتين للشركتين المشغلتين لهذا القطاع ولكن تم إفشالها من الوزير السابق جان لوي قرداحي بمساندة رئيس الجمهورية وتعاطوا مع الملف كأي ملف سياسي مما أدى الى تغريم الدولة من خلال تحكيم الشركتين بكلفة 530 مليون دولار.
وهذا ما حصل ايضا مع الكهرباء التي جنبوها الخصخصة بفعل الكيد السياسي فتدهورت أحوالها إلى أن انتقلت خسائر كهرباء لبنان من 200 او 300 مليون دولار الى 800 مليون دولار، هذا تطور مخيف. المشاكل لا تحل في لبنان دون حساب الفائدة الشخصية دون أي اعتبار للمصلحة العامة وهذا ما أضر بالاقتصاد اللبناني .
وهل تغيرت الظروف اليوم وأصبح المناخ السياسي ملائماً لوضع الخطة الاصلاحية على السكة الصحيحة؟ يعتبر يوسف ان «رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي عاش معنا تلك المرحلة ،على يقين تام ان مشاريع الخصخصة تنقذ البلد وتحد من الخسائر و تحرر القطاعات وتعطي القرار الاقتصادي الصائب الذي يخدم المستهلك من حيث جودة الخدمات والأسعار فكان للخصخصة أولوية في البيان الوزاري بهدف التصدي للمشاكل الاقتصادية وهو جاد جداً في تحقيق ذلك
وبصدد تعيين أمين عام للمجلس الأعلى للخصخصة لوضع القوانين والدراسات التي وضعت في السابق موضع التنفيذ لتسهيل دخول مساهمات القطاع الخاص ، أي ان الخطوات الأولى بدأت وهذا مدعاة للتفاؤل. هذا الشريك الاستراتيجي له حصة من السهم وللجمهور اللبناني حصص في هذه الشركة. ووضع الأسهم في البورصة يساهم في تحسين عمل الأسواق المالية».
وعن الخطوات الجدية التي تحققت والتي يمكن أن تقدم الى اجتماعات الدول المانحة التي ستعقد حول لبنان في الخريف المقبل يقول يوسف «طبعاً علينا القيام بعمل جدي فالمجتمع الدولي لا يتساهل في هذا الأمر ونحن قادمون على عدد من المؤتمرات، لدينا قطاع قابل للتخصيص هوقطاع الاتصالات ودراساته موجودة والسوق جاهز لتلقي العديد من الخدمات لأن الشركتين اللتين تديران القطاع اليوم خدماتها منقوصة وليس بوسع الدولة مراقبة عملها بغياب التقنيات اللازمة،
أعتقد انه باستطاعتنا تطوير هذا القطاع وتحريره وفي ظرف شهر أو أقل علينا أن نشكل الهيئة الناظمة بكامل أعضائها لتشرف على عملية التخصيص مع الوزارة ونعطي الشركتين الحاليتين مهلة ستة أشهر كإنذار وبعدها نقوم بإطلاق بيعها على أساس رخص لإحدى الشركات العالمية شرط ان تعرض قسماً من أسهمها على الجمهور اللبناني وان تقدم نوعية معينة من الخدمات ولا يسمح بالتوافق بين الشركات على الاحتكار بل على تقديم الخدمة التنافسية .
ويضيف «هناك قانون لإنشاء« شركة اتصالات لبنان» التي تملك شبكة الهاتف الثابت التي تسمح أيضاً بشراكة القطاع الخاص. هذه المشاريع يمكن ان يبدأ العمل بها الآن وتستمر ستة أشهر لحين حصول خصخصة القطاع الخلوي ثم الهاتف الثابت، هذه الخطوات مهمة جداً.
وهناك دراسات أنجزت في السابق تتعلق بخصخصة قطاع الكهرباء من ناحية الانتاج والتوزيع وتتضمن انشاء الهيئة الناظمة وتعديل مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان». ويلفت يوسف الى أن المجلس الأعلى للخصخصة قام ببعض الخطوات الممهدة للخصخصة منها قانونا خصخصة الاتصالات والكهرباء والعديد من الدراسات التي تمهد لهذا الهدف وهي بحاجة الى تجديد.
بيروت ـ رانيا برو