قال محللون إنه وعلى الرغم من المصاعب التي صادفت الاقتصاد المصري لسنوات طويلة إلا أن المؤشرات العامة لأداء الاقتصاد في الفترة الأخيرة جاءت مشجعة لحكومة الدكتور احمد نظيف على المضي قدما في النهج الذي بدأته لدى توليها المسؤولية قبل أكثر من عام عندما راهنت على إحداث طفرة كبيرة في الاقتصاد عبر إصلاحات صعبة اتسمت بالجرأة لحفز الاستثمار والخروج بالاقتصاد من دائرة ركود لازمته سنوات تواضعت خلالها معدلات النمو وتفاقمت بالتالي مشكلات التعثر والبطالة.

وحسب تقرير أخير عرضه رئيس الوزراء على الرئيس مبارك قبل أيام من أول انتخابات رئاسية تشهدها مصر في تاريخها الحديث، فإن مؤشرات عدة أكدت أن الاقتصاد بدأ في جني ثمار الإصلاحات الصعبة التي اقتطعت جانبا كبيرا من موارد الحكومة من الضرائب والجمارك فضلا عن تخليها عن كيانات اقتصادية كبرى كانت في حوزتها وتنازلت عنها طوعا للمستثمرين والأجانب سعيا لتحريك الاقتصاد وخلق مناخ جاذب للاستثمارات.

وبالفعل فقد قفز حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات غير البترولية في نهاية السنة المالية 2005/2004 إلى نحو مليار دولار مقابل 407 ملايين دولار في العام السابق بنسبة ارتفاع قاربت 150 % فضلا عن طفرة مماثلة في تأسيس الشركات الجديدة وصلت نسبتها إلى 200 % في نهاية شهر يونيو 2005 برؤوس أموال تعادل نحو 5. 1 مليار دولار.

وتواكب ذلك مع دفعة قوية أعطتها حكومة نظيف لبرنامج الخصخصة الذي يمثل احد روافد الاستثمار عبر تنفيذ 28 عملية بيع لأصول وشركات قطاع الأعمال العام وحصص مال عام في شركات مشتركة حققت عائدا تجاوز ما يعادل المليار دولار بلغ نصيب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها نحو 64 % من إجمالي قيمة ما تم بيعه.

كما شهدت مؤشرات سوق المال طفرة كبيرة في إجمالي قيمة تداول الأوراق المالية ومستويات الأسعار ونسبة رأس المال السوقي إلى الناتج المحلى الإجمالي وتعاملات سوق السندات والأسهم المتداولة وحصة الأجانب من هذه التعاملات.. وسجل إجمالي قيمة التداول في البورصة رقما قياسيا خلال شهر يوليو المنصرم متجاوزا 14 مليارا و775 مليون جنيه (الدولار يعادل 75. 5 جنيهات) ووفقا للأرقام الرسمية الأخيرة،

فقد أحرز الاقتصاد المصري تحسنا ملموسا بدت ملامحه واضحة في ارتفاع معدل النمو إلى 5 % في العام الجاري مقابل 2. 4% للعام السابق.. فيما تراجعت معدلات التضخم إلى النصف تقريبا لتقف عند 7. 4 % مما انعكس في استقرار الأسعار بشكل عام وارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل.وطرأ أيضا انخفاض طفيف في معدلات البطالة المعلنة بنسبة 2. 0 % لتصل إلى 5. 9% من حجم قوة العمل التي بلغت 2. 21 مليون عامل.

وحسب وزير التخطيط الدكتور عثمان محمد عثمان فقد انخفض عدد المتعطلين من مليونين و75 ألفا (حوالي 10% من قوة العمل) إلى مليونين و21 ألفا أي بنسبة 5. 9% كما زاد عدد المشتغلين بحوالي 600 ألف فرد، فيما اعتبرته الحكومة بداية مشجعة في جهودها للحد من مشكلة البطالة.

وتتطلع الحكومة لقطع خطوات أبعد في محاصرة هذه المشكلة وتطويق تداعياتها الاجتماعية والسياسية الخطيرة عبر دور أكبر للقطاع الخاص في التنمية يرتفع بحجم مساهماته في الاستثمارات المنفذة التي لم تتجاوز خلال العام الماضي 53% من إجمالي الاستثمارات في الوقت الذي قدرت فيه الحكومة ان تتجاوز هذه المساهمة 62% من إجمالي الاستثمارات.

ومع تزايد أعباء الحكومة لتدبير الأموال اللازمة للتوسع في الاستثمارات والمشروعات التنموية المطلوبة لتوفير المزيد من فرص العمل، زاد الدين الخارجي إلى 2. 30 مليار دولار بارتفاع 400 مليون دولار كما ارتفع الدين المحلي إلى 2. 471 مليار جنيه يستحق على الحكومة 70% منها.

وزاد من معاناة الحكومة تفاقم الخلل في الميزان التجاري الذي ارتفع خلال الفترة من شهر يناير حتى مايو الماضي إلى 4. 24 مليار جنيه، مقابل 9. 9 مليارات جنيه للفترة نفسها من العام السابق نتيجة لزيادة إجمالي الواردات إلى 1. 96 مليار جنيه من 9. 28 مليار جنيه خلال نفس الفترة بمعدل فاق كثيرا الزيادة في الصادرات إلى 7. 21 مليار جنيه مقابل 19 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.

إلا أن وزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد اعتبر أن زيادة الواردات بنسبة كبيرة واتساع فجوة الميزان التجاري خلال النصف الأول من العام الجاري لا تمثل مؤشرا مزعجا لأداء الاقتصاد كما يبدو للوهلة الأولى.. موضحا أن هذه الفترة قصيرة للغاية ولا تأخذ في الاعتبار ان الزيادة في الواردات تشمل سلعا رأسمالية ومستلزمات إنتاج ومعدات واحتياجات ضرورية للفنادق والمنتجعات السياحية لمواكبة التوسع في الأنشطة والاستثمارات السياحية التي شهدت نموا لافتا في العام الأخير.

ولفت رشيد إلى أن المؤشر الحقيقي لأداء الاقتصاد هو الحساب الجاري لميزان المدفوعات الذي حقق فائضا 5. 4 مليارات دولار في ختام السنة المالية في نهاية شهر يونيو الماضي.. وقال ان معدل نمو الإنتاج الصناعي ارتفع إلى 1. 5% للمرة الأولى في العام الأخير.. موضحا أن خطة الحكومة تستهدف استمرار معدل نمو الصناعة للوصول بها إلى 10% خلال السنوات الخمس المقبلة عبر تشجيع القطاع الخاص على التوسع في الصناعات القائمة وإنشاء 200 مصنع جديد سنويا.

وتسعى الحكومة التي تعول كثيرا على السياحة في تعظيم مواردها من النقد الأجنبي لمحاصرة التأثيرات السلبية التي خلفتها حادثة شرم الشيخ الأخيرة على خططها الطموحة لإعطاء دفعة كبيرة للاستثمارات في هذا القطاع الذي كان البعض يرشحه أن يكون قاطرة النمو للاقتصاد المصري. وكانت حركة السياحة في مصر قد سجلت العام الماضي أعلى معدلات في تاريخها متجاوزة رقم 8 ملايين سائح بعائدات تجاوزت ستة مليارات دولار رفعت نصيب مصر إلى 1% من حجم عائدات السياحة العالمية.

وتمثل السياحة الأجنبية نحو 80% من إجمالي السياحة في مصر فيما تمثل السياحة العربية 20 %.. وتخطط مصر حاليا الى حملات ترويجية مع مؤسسات عالمية متخصصة لفتح أسواق جديدة في منطقة الشرق الأقصى تسهم في زيادة عدد السائحين من هذه البلدان. على صعيد آخر، تعطي الحكومة أولوية متقدمة لإطلاق طاقات القطاع المصرفي لضخ الأموال اللازمة لنمو الاقتصاد المصري واستعادة مصر لمكانتها كسوق مالية رائدة في منطقة الشرق الأوسط..

وبدا ذلك واضحا من التحولات السريعة والمتلاحقة التي أقدمت عليها حكومة نظيف في هذا القطاع والتي بدأت بإصدار قانون جديد للبنوك وحسم الجدل حول البنك الحكومي المقرر طرحه للبيع بإعلانها عزمها بيع بنك الإسكندرية أحد أكبر البنوك العامة في مصر

والذي يأتي في المرتبة الرابعة في قائمة البنوك المملوكة للدولة بإجمالي أصول 5. 37 مليار جنيه واختيار مؤسسة سيتى جروب العالمية مستشارا ماليا لعملة الطرح. وتواكب مع ذلك مسارعة البنوك العامة إلى بيع حصصها في البنوك المشتركة تماشيا مع الاتجاه لتقليص حجم الملكية العامة في الأنشطة الاقتصادية بوجه عام..

وتوالت الصفقات التي تسابقت عليها البنوك في هذا المجال، وكان أكبرها صفقة استحواذ بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي على بنك مصر الدولي بقيمة إجمالية 4. 2 مليار جنيه وصفقة استحواذ بنك الشركة المصرفية العربية الدولية على 100% من إجمالي رأسمال بنك بورسعيد الوطني للتنمية بقيمة إجمالية 100 مليون جنيه وشراء المصرف العربي الدولي 6. 9% من إجمالي أسهم رأسمال بنك قناة السويس بمبلغ 2. 48 مليون جنيه.

كما أنهت السلطات المصرفية المصرية ترددها السابق بشأن عمليات دمج بعض البنوك التي فشلت في رفع رأسمالها للوفاء بمتطلبات الملاءة المالية التي حددها البنك المركزي المصري (500 مليون جنيه للبنوك المحلية و50 مليون دولار لفروع البنوك الأجنبية).. واعتبر محافظ البنك المركزي الدكتور فاروق العقدة هذه الخطوة ضرورية لإيجاد كيانات مالية ومصرفية قوية تفي بالمعايير التي تمكنها من مواجهة تحديات المنافسة العالمية العاتية.

ويرى اقتصاديون ان القطاع المصرفي بهذه الخطوات بات أكثر فاعلية للإسهام بدور أكبر في الاقتصاد بعد أن عانى من تضخم الودائع لدى البنوك إلى ما يتجاوز 7. 518مليار جنيه دون الاستفادة منها في مشروعات تنموية.ويلفتون إلى أن حالة الانكماش في الاقتصاد وتراجع معدلات الائتمان على مدى سنوات سابقة ساهما في تراكم هذه الودائع، وحان وقت اتباع سياسات جادة لتوظيفها في التوسع في الإقراض المدروس لتسهم في تعزيز الإصلاحات التي تنفذها الحكومة.