النجاح الذي لاقاه مهرجان «نما في بيروت» السينمائي اللبناني، بدا أهم من المهرجان نفسه. لم تسع قاعة سينما «أمبير» في مركز «سوفيل» في الاشرفية كل المشاهدين الذين كان معظمهم من الشباب. بعضهم جلسوا على أرضيتها، وبعضهم بقوا واقفين في عتمتها لمدة تتجاوز الساعتين.أعلن احد أفراد اللجنة المنظمة، المؤلفة من ثلاثة شبان وصبية، أن نجاح دورة المهرجان الخامسة كان غير منتظر. ورأى في ذلك تشجيعا للسينما اللبنانية، التي تحتاج الى التشجيع.

ولكن نجاح المهرجان لم يكن ناتجاً عن نجاح الأفلام التي عرضت فيه. فالمشاهدون جاءوا لحضور افلام لبنانية لمجرد كونها لبنانية. و بعض الأفلام هذه لم تكن تستحق ان تعرض في المهرجان، وكان عذرها، أنها لبنانية.لم يأت المشاهدون إلى المهرجان لمشاهدة ذلك الفيلم أو ذاك، بل اتوا لمشاهدة السينما اللبنانية التي لا يصح لهم غالبا ان يروها. ولكن ما هي السينما اللبنانية في أيامنا هذه؟ السؤال هذا يطرحه مهرجان «نما في بيروت» أكثر مما يجيب عليه.

هل السينما اللبنانية هي ما استطاع المشاهدون ان يحضروه في قاعة سوفيل التي ضاقت بهم؟ وهل المهرجان هذا، يعطي معنى جديدا للسينما اللبنانية، و يعطيها حاضرا أو مستقبلاً؟لا تزال السينما اللبنانية ضعيفة،. معظم الأفلام الروائية القصيرة يشارك في إنتاجها الأوروبيون، وتعرض في أوروبا قبل ان تصل إلى لبنان، ولو صورت فيه، ومع ممثلين لبنانيين.

قليلة كانت في المهرجان الأفلام اللبنانية التي لم تمولها بلاد أجنبية. تسمى أفلاما لبنانية في حين هي ليست كذلك. جامعات السمعي والبصري في لبنان تخرج كل سنة، منذ بضعة سنوات، مخرجين لا يجدون أعمالاً في اختصاصهم. والجامعات هذه، تنتج أفلاماً قصيرة لطلابها في آخر سنوات دراستهم. الأفلام هذه غالبا ما تكون أول وآخر ما يخرجونه. فهم لا يصنعون أفلاماً بعد تخرجهم، بل فيديو كليبات، أو إعلانات، أو يعملون في التلفزيونات المحلية.

الحقيقة ان الجمهور اللبناني، كما أي جمهور في أي بلد في العالم، يريد أفلاما على النمط الأميركي حتى يملأ صالات السينما. الأفلام التي تنتج بتمويل ليس ضخماً، وقصتها ليست مشوقة، لا تجذب المشاهد، والسينما اللبنانية لا تزال بعيدة جداً عن ان تتوجه إلى عامة الشعب.لذلك لا توزع الأفلام اللبنانية النادرة على الصالات اللبنانية توزيعاً واسعا، لان معظمها ليس من الأفلام التي تتوجه إلى جمهور الصالات الكبير هذا.

حتى الأفلام الفرنسية، أو الأوروبية التي لا تجد، هي أيضا، صالات لتعرضها. يجب ان تكون في لبنان افلام للجمهور الشعبي الكبير، وأفلاماً لجمهور مثقف سينمائيا، وليس كبيرا، حتى تكون الصناعة السينمائية اللبنانية كاملة، ناجحة. وحدهم طلاب السينما في الجامعات اللبنانية، وموظفو التلفزيونات، والصحافة، أتوا الى مهرجان «نما في بيروت»، وهم لا يكفون لإنجاح فيلم سينمائي.

المهرجان كان أقرب إلى الطابع الأوروبي ـ فرنسي، وجمهوره من شباب الجامعات الذين يتكلمون بالفرنسية أكثر من تكلمهم بالعربية. ومعظم الكلمات التي ألقاها افراد اللجنة المنظمة أو المخرجون قبل عرض أفلامهم كانت بالفرنسية، و لم يستغرب ذلك احد من الجمهور الموجود في القاعة. وحدهم طلاب الجامعات الذين يعيشون على نمط الغرب وثقافته، جاءوا الى مهرجان السينما اللبنانية. وبعض الأفلام التي عرضت كانت بالانجليزية وترجمتها بالفرنسية.

مهرجان الفيلم اللبناني ذو طابع أوروبي، كأنه دليل آخر على ضعف السينما اللبنانية وغيابها، وكأنه، بدل ان يقوي السينما اللبنانية و يدعمها، بات يبرز ضعفها، ويدل عليه، مستوى الأفلام التي عرضت في المهرجان كان متفاوتا، ولكنه لم يكن جيدا بشكل عام.فيلم افتتاح المهرجان كان عبارة عن مشاهد من مقابلة أجريت مع الصحافي الراحل سمير قصير، الذي اهدي إلى ذكراه المهرجان. حوار بالفرنسية، لا نعرف تاريخه، ولا المحاور الذي نراه من الخلف جالساً أمام قصير في أحد مقاهي وسط مدينة بيروت.

بعد فيلم قصير عرض فيلمان روائيان لمخرجين لبنانيين شابين، هما وسام شرف، وهاني طمبا.فيلم الأول، بعنوان «هز يا وزّ»، ويروي قصّة علي (رائد ياسين) الذي يكتشف ذاته من خلال حبه لفتاة (دارينا الجندي) تمارس رياضة ركوب الخيل، رآها خلال عمله كمساعد لمصوّر فوتوغرافي رياضي. فيستغلّ فرصة زيارتها لتسليمها الصُوَر الجديدة، كي يُعلن لها عن حبّه بطريقة غريبة نصحته بها أخته (شيرين دبس) من خلال صورته هو، ونص شعري لمحمود درويش.

الفيلم يتحدث أيضاً عن الفرق بين الطبقات الاجتماعية، فـ «علي» يتحدر من أسرة متواضعة في جنوب لبنان، بينما الفتاة من طبقة اجتماعية أرقى، وهو يغرم أيضاً باختلافه عنها. الكلام في الفيلم قليل، والضجر كبير، والألم الداخلي طاغ. الفيلم الثاني كوميديا سوداء: قصة ريمون (رفيق علي أحمد)، أرمل ثري، عزل نفسه في قصره في بيروت، منذ موت زوجته (جوليا قصّار)، وبات يتخيلها معه، لشدة عزلته عنها وحبه لها..

وأبو ميلاد (محمود مبسوط ـ فهمان) حلاّق عجوز وفقير، يحلق ذقون الرجال في البيوت و المقاهي، يستدعيه ريمون إلى منزله مرّة في الأسبوع، عبر صاحب محل البقالة. تنشأ بينهما علاقة غريبة، في حين ان الأول لا يفكر إلا بزوجته التي يراها ترقص أمامه و تكلمه، والحلاق يفكر بالعملة الخضراء التي يعطيه إياها «زبونه» الثري وغريب الأطوار. لغة الفيلم الدرامية مُبسّطة، و المخرج فضل ان يحكي قصة الموت والعزلة التي يتركها الموت عند من يفقد حبيبا، بأسلوب كوميدي، مسلٍ أكثر منه جدياً أو واقعياً.

ولكن الأفلام في المهرجان لم تكن كلها روائية، فكان فيها الوثائقي، كفيلم ماهر ابي سمرا «دوار شاتيلا»، الذي يصور حياة مخيم شاتيلا الفلسطيني في بيروت، أو أفلام وثائقية أخرى، اثنان منها يتناولان موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وآثاره على لبنان واللبنانيين.كما عرضت في المهرجان أفلام سينمائية غير محترفة: أفلام عائلية «منزلية»، وأفلاما تجريبية، صورت دون كتابة ودون فريق عمل، وكانت هذه الأفلام ضعف مهرجان «نما في بيروت». فمعظمها لا يستحق ان يعرض في مهرجان للسينما.

بعض هذه الأفلام له قيمة صورية، و فيها مشاهد من مدن وأناس وحقبات ماضية، ولكن بعض هذه الأفلام التجريبية لم يكن يحتوي على أي قيمة، سينمائية كانت أو تاريخية أو ثقافية. هي أفلام شخصية إلى حد تفريغها من أي معالجة سينمائية أو أي معنى، فهي كانت كأنها مجرد لعب على الصور.

يجب ان تعرض الأفلام اللبنانية في أوروبا، وتنجح هناك، حتى يصبح عرضها في لبنان ممكنا. معظم الأفلام التي عرضت في المهرجان سبق وعرضت في بلاد أوروبية قبلها. متى تصبح في لبنان أفلام سينمائية تكتفي بكونها لبنانية؟ لبنانية فقط، لا شيء أوروبي فيها. أفلام تلقى نجاحا لدى الجمهور اللبناني، فتذهب بعدها لاجتياح أوروبا. حين يحصل ذلك، نستطيع ان نقول ان هناك سينما في لبنان.

بيروت ـ فراس زبيب