قال مسؤولون ومحللون بصناعة النفط ان من المرجح أن تزج الفيدرالية في العراق بقطاع النفط الحيوي في حالة من الاضطراب وتعوق الاستثمارات الضرورية إذا أصبحت عملية صنع القرار غير مركزية. وربما يؤدي مشروع الدستور العراقي الذي يجري التصويت عليه الشهر المقبل إلى قيام عدة مناطق تتمتع بالحكم الذاتي وحكومة مركزية في بغداد لن تكون لها السيطرة الكاملة على موارد النفط.
وستضطر الشركات العالمية عندئذ إلى التفاوض على تطوير الحقول في العراق صاحب ثالث أكبر احتياطيات نفطية في العالم مع الحكومات الإقليمية التي تريد الحصول على حصة أكبر من إيرادات النفط ومع الحكومة المركزية. وأوضح محمد علي زيني محلل شؤون الاقتصاد والطاقة بمركز الدراسات العالمية في لندن «ما لم يكن هناك سيطرة مركزية من نوع ما مثل شركة وطنية للنفط فستدب الفوضى وخاصة إذا كانت الأولوية للقوانين الإقليمية على القوانين الفيدرالية».
وطالبت الأغلبية الشيعية بمنطقة تتمتع بالحكم الذاتي في المنطقة الجنوبية التي تعتمد بغداد عليها اعتمادا كليا تقريبا في تصدير النفط بسبب عمليات التخريب المستمرة لخط الأنابيب الشمالي الذي يمتد من حقول كركوك إلى تركيا. لكن الطائفة السنية التي فقدت معظم سلطاتها بعد سقوط صدام حسين رفضت النظام الفيدرالي وهددت بالعمل على رفض مشروع الدستور.
أما الأكراد فانهم يتمتعون بحكم ذاتي فعلي في الشمال منذ 1991. وقال المدير العام للاقتصاد وتسويق النفط العراقي شامخي فرج «أنا أعارض الفيدرالية فلن تصلح لقطاع النفط. بل انها ستعود به للوراء بدلا من تطويره». وتوقع سعدالله الفتحي وهو مسؤول رفيع سابق بقطاع النفط العراقي ان تنشغل المحافظات بمشاكل الأمن والسياسة بما لا يتيح لها إدارة القطاع النفطي بكفاءة.
وأضاف في تصريحات من دولة الإمارات «المحافظات لا تقدر على إدارة الشؤون المحلية ناهيك عن إدارة صناعة والتفاوض على عقود». وتابع «أنا واثق أن شركات النفط أفزعها ذلك لكن هناك بعض الشركات الانتهازية التي تحاول التوصل إلى ترتيب». وقال المحللون ان سحب سلطة اتخاذ القرار من وزارة نفط متمرسة بكوادرها المؤهلة والغموض الذي يكتنف مشروع الدستور فيما يتعلق بالسياسة النفطية سيوجه ضربة لتطوير قطاع الطاقة.
من جانبه قال مصطفى علاني الخبير العراقي لدى جلف ريسيرش كاونسل «لا توجد في الدستور رؤية واضحة أو تفصيلية أو ناضجة لقضية النفط. هذه وصفة للفوضى». وأضاف «لن نفقد صنع القرار المركزي في هذه العملية فقط بل مسألة التشريع. وستواجه الشركات مشاكل قانونية ضخمة. فاذا وقعت اتفاقا مع كيان سياسي فربما لا يكون عقدها مصونا في الاجل الطويل».
وتركت الصياغة الحالية للدستور الباب مفتوحا أمام التأويل وتنافس المحافظات المختلفة واضعاف دور الحكومة المركزية في استغلال الموارد النفطية الجديدة. وقال الفتحي «عندما يقول الدستور ان الحكومة المركزية مسؤولة عن الحقول المنتجة حاليا فانه يحد من سلطة الحكومة المركزية ونحن نعلم أن الحقول المنتجة حاليا قديمة وليست أفضل أصول العراق».
وأضاف «كل أعمال التطوير المستقبلية لن تكون في أيدي الحكومة المركزية من الناحية العملية» مشيرا الى أن مهمة تطوير حقول جديدة ووضع معايير للتفاوض وقانون للموارد النفطية ستكون مهمة شاقة. وتنتظر شركات النفط العالمية لحين صدور قانون استثماري جديد ووضع إطار قانوني وتنظيمي وهي تتطلع إلى الحقول العملاقة التي لم يتم تطويرها بعد.
وقال زيني «إذا لم يكونوا في غاية الوضوح فيما يتعلق بإدارة الموارد وملكيتها فان هذا سيفتح الباب أمام التأخير ويثبط همم شركات النفط العالمية». وأضاف «لكن اذا كان لديك دستور غامض وقانون يوزع المسؤولية يمينا ويسارا فقد يكون من الصعب على شركات النفط العالمية أن تتوصل لاتفاقات». وأي سياسات جديدة ستتحدد على خلفية التوترات الطائفية المتنامية.
وقال مسؤول نفي عراقي في بغداد انه في مثل هذه البيئة يظهر الخوف من أن يكون توزيع النفط متوقفا على مزاج المحافظين الذين قد يتوقفون عن تزويد بقية العراق بالنفط الكافي. وصادرات النفط هي مصدر العراق الوحيد للعملة الصعبة اللازمة لإعادة البناء بعد ثلاثة حروب وعقوبات ساحقة في ربع القرن الأخير. وقال زيني «عليهم ان يعترفوا بأهمية إيرادات النفط للحكومة الفيدرالية.
فهي لا تحتاج فقط لإعادة بناء البنية التحتية للعراق بل تخطيط التنمية الاقتصادية وسداد الدين الخارجي وتمويل الميزانية الحكومية التي تشمل تخصيص الأموال للوزارات المختلفة». وتابع «في السنوات العشر أو العشرين المقبلة ستعتمد الحكومة على إيرادات النفط حتى يتمكن العراق من تنويع اقتصاده ليصبح اقتصاداً قائماً على الضرائب بدلا من اعتماده على النفط. عندئذ ربما يصح توزيع إيرادات النفط».
(رويترز)