واصلت أسعار النفط الخام في المعاملات الآجلة انخفاضها أمس ولليوم الثاني على التوالي بعد استئناف منشآت أميركية لإنتاج النفط وتكريره عملياتها، حيث هبط مزيج برنت لعقود أكتوبر 17 سنتا إلى 64.50 دولاراً للبرميل في بورصة البترول الدولية. وانخفض مزيج برنت ما يقرب من ثلاثة دولارات في أيام التداول الثلاثة الأخيرة ليعود إلى مستوياته قبل الإعصار. وكان الخام الأميركي الخفيف قد أغلق عند 65.83 أول من أمس الثلاثاء.
وارتفع سعر البنزين الأميركي في المعاملات الآجلة 1.30 سنت إلى 2.0680 دولار للجالون بينما انخفض سعر وقود التدفئة 0.93 سنت إلى 2.0450 دولار للجالون. وانخفض سعر السولار «زيت الغاز» في بورصة البترول الدولية 2.25 دولار إلى 627 دولارا للطن. وبالنسبة لسعر خامات منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» والمكونة من خام صحارى الجزائري وميناس الاندونيسي والإيراني الثقيل والبصرة الخفيف العراقي
وخام التصدير الكويتي وخام السدر الليبي وخام بوني الخفيف النيجيري والخام البحري القطري والخام العربي الخفيف السعودي وخام مربان الإماراتي وخام بي.سي.اف 17 من فنزويلا فقد استقر عند 59.05 دولارا للبرميل.لكن، وعلى الرغم من عودة تسع مصاف من 20 مصفاة أميركية أثر عليها الإعصار كاترينا إلى مستوى التشغيل العادي، إلا أن القلق بشأن الإمدادات لا يزال قائماً مما يفتح الباب أمام كل الاحتمالات في الأسواق.
ومازال نحو 58 في المئة من إنتاج النفط من الحقول البحرية الأميركية في خليج المكسيك متوقفا. وتقوم الدول الصناعية بطرح كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية، وأعلنت ألمانيا عن طرح 300 ألف طن من البنزين و145 ألف طن من وقود الديزل من احتياطيها الاستراتيجي.
لكن التجار الأوروبيين يشكون في وصول الكثير من إمدادات الوقود إلى السوق الأميركية بسبب نقص الناقلات. وقالت وزارة الاقتصاد الألمانية إنها ستبيع 474 ألف طن من النفط الخام والمنتجات النفطية من احتياطيات النفط الاستراتيجية بموجب خطة تدعمها الولايات المتحدة تسحب بموجبها الدول الصناعية من مخزوناتها للمساعدة في تهدئة أسعار النفط.
وتترقب الأسواق الآن أثر الإعصار على مخزون النفط الأميركي والذي سيتضح أكثر من خلال البيانات الأسبوعية التي تصدرها إدارة معلومات الطاقة الأميركية اليوم الخميس. وتشير توقعات المحللين إلى انخفاض مخزون النفط الخام 8.1 ملايين برميل الأسبوع الماضي وانخفاض مخزون المشتقات الوسيطة ثلاثة ملايين برميل وتراجع مخزون البنزين 6.2 ملايين برميل.
ولدى أصحاب المصافي مهلة تنتهي غداً «الجمعة» لتقديم طلبات للحصول على 30 مليون برميل من النفط الخام عرضتها الحكومة الأميركية من احتياطياتها الإستراتيجية. ويمثل هذا نصف عملية السحب المنسقة التي اتفقت عليها وكالة الطاقة الدولية للإفراج عن مليوني برميل يوميا من مخزونات الطوارئ لدى الدول الصناعية.
وقال كييتشي سانو من وحدة السلع الأولية في مؤسسة سوميتومو كورب «السوق تلتزم بقرار وكالة الطاقة الدولية للسحب من احتياطيات النفط للمرة الأولى في 14 عاما».وفي الجانب الآخر يشير بعض التجار إلى أن طرح المزيد من احتياطي الطوارئ من خلال وكالة الطاقة الدولية يضغط على أسعار النفط بالإضافة إلى الانخفاض الملحوظ للتخوفات من مشاكل الإمداد الناجمة عن إعصار كاترينا.
ولم يفلح الانخفاض المحدود لأسعار النفط خلال الساعات القليلة الماضية في تقليص حدة المخاوف الدولية بشأن تأثير ارتفاع الأسعار على الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار قالت نشرة أخبار الساعة التي تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إن ارتفاع أسعار النفط سيظل يمثل خطرا دائما يهدد الاقتصاد العالمي على المدى البعيد.
ورأت النشرة أن تداعيات إعصار كاترينا على الولايات المتحدة قاطرة الاقتصاد العالمي والتزايد المستمر لأسعار الطاقة العالمية وما يحيط بإمدادات النفط من مخاطر وتهديدات متجددة ومتنوعة في آن والتقلبات الحادة في أسواق العملات والأسهم والخلل الكبير في موازين المعاملات التجارية بين الاقتصادات العظمى في العالم وتراجع ثقة المستهلك في العديد من هذه الاقتصادات وزيادة أسعار الفائدة والإرهاب العالمي الذي يضرب عشوائيا هنا وهناك في فترات متقاربة أحيانا ومتباعدة أحيانا أخرى
كلها متغيرات جعلت المؤسسات العالمية المتخصصة تزيد وتخفض في توقعاتها بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي حتى صار إيقاعها في ذلك متناغما لحد كبير. ولفتت النشرة إلى التضارب الكبير في التوقعات بشان الاقتصاد العالمي حيث صرح مدير صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع بأن متوسط نمو الاقتصاد العالمي ربما يتجاوز 4 بالمئة خلال العام الحالي إلا أن مؤشرات الاقتصاد الأميركي والأوروبي والياباني التي تتحكم في توجهات ما يزيد على ثلثي الاقتصاد العالمي تؤكد أن هذا النمو لن يتجاوز 3,5 بالمئة في أحسن الظروف.
وأشارت في هذا الصدد إلى تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة الصادر هذا الأسبوع والذي تحدث أيضا عن تباطؤا كبيرا في عجلة الاقتصاد العالمي قد تصل بمعدلات النمو فيه إلى نحو 3 بالمئة لهذا العام وهو ما تراه أيضا إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. وأكدت أن هذا التضارب الكبير في التوقعات بشأن الاقتصاد العالمي يعكس صعوبة الاتفاق حول قراءة صحيحة ودقيقة لمسيرة الاقتصاد العالمي نظرا للمتغيرات التي تطرأ على الاقتصاد العالمي المتشابك الآن بدرجة أكبر من أي وقت مضى.
ونبهت النشرة إلى أن الاقتصاد العالمي يعمل حاليا في إطار محددات غير واقعية فيما تشكل أسعار النفط المرتفعة والخلل في الموازين التجارية مخاطر جسيمة على نموه مشيرة إلى توقعات صندوق النقد الدولي بأن استهلاك النفط سيتضاعف بحلول عام 2030 مدفوعا بتنامي الطلب بقوة في بعض الأسواق الكبيرة الناشئة مثل الصين والهند بينما لا يتوقع على المدى القصير أن تحدث زيادة كبيرة في الطاقة الإنتاجية من النفط.
في هذه الأثناء وتعبيراً عن القلق الذي ينتاب بلاده جراء ارتفاع أسعار النفط وجه المستشار الألماني جيرهارد شرودر انتقادات عنيفة ضد شركات البترول وأسلوبها في ممارسة «طرق غير مسؤولة» لرفع أسعار النفط وطالب في الوقت نفسه هيئة الرقابة على المنافسة متابعة هذا الأمر. وطالب شرودر أيضا بمراجعة إمكانية ربط أسعار الغاز بأسعار النفط وأشار إلى أن سعر برميل النفط يزيد بنحو 20 إلى 30 دولاراً بسبب المراهنات السعرية.
ورأى أن سعر النفط المرتفع يرجع في جانب منه فقط إلى انخفاض الإنتاج وفي جانب صغير للغاية الى الطلب في السوق.وأكد شرودر على مواصلة سياسة الائتلاف الحاكم بعدم الاعتماد كليا على النفط بهدف مضاعفة نصيب الطاقة البديلة وانتقد في الوقت نفسه خطط التحالف المسيحي المعارض باتخاذه مسارا مخالفا من خلال مد العمل بالمفاعلات النووية.
وأعلن قبيل اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن صفقة وشيكة ستبرمها شركتان ألمانيتان وشركة روسية ستؤمن إمداد ألمانيا بالطاقة. ولم يذكر شرودر أسماء الشركات المعنية لكنه كان يشير إلى توقيع صفقة اليوم الخميس لبناء خط أنابيب للغاز يمتد من روسيا عبر بحر البلطيق وتشارك فيه شركة جازبروم الروسية وشركتان ألمانيتان هما اي أون للمرافق وفينترشال التابعة لمجموعة باسف للكيماويات.
وفي السياق ذاته اعتبر رئيس فريق الخبراء الاقتصاديين في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية جان فيليب كوتيس ان الاقتصاد العالمي يعاني في الوقت الحاضر من «صدمة نفطية كبرى»، مشيرا الى عدم وجود اي مؤشرات في الوقت الحاضر الى ان اسعار النفط ستتوقف عن الارتفاع. وذكر في سياق تقييمه للنمو الاقتصادي في الدول الصناعية ان سعر البرميل سجل ارتفاعا يقارب 15 دولارا ليتجاوز 65 دولارا منذ التوقعات الاخيرة التي صدرت عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في مطلع مايو في مجال النمو.
وقال «ان مستوى الاسعار اليوم لم يعد بعيدا جدا عن المستوى الذي بلغته ابان الصدمة الكبرى في نهاية السبعينات». واضاف كوتيس «ان الوضع ما زال متوترا جدا في الاسواق النفطية»، لافتا في الوقت نفسه الى ان الدول الصناعية عززت الى حد بعيد فاعليتها في مجال الطاقة منذ الصدمة النفطية السابقة، خلافا للدول النامية.
وعرضت المنظمة من جهة اخرى سلسلة توقعات جديدة بالنسبة للدول الصناعية، مشيرة الى ان هذه الارقام لا تاخذ بالاعتبار عواقب الاعصار كاترينا وجزءا من ارتفاع اسعار النفط، على ان تصدر بعد شهرين توقعاتها الاقتصادية للخريف التي ستتضمن مجموعة ارقام جديدة. وتوقعت المنظمة نموا اقتصاديا بنسبة 3.1% في منطقة اليورو، بعد توقعات اولى بنسبة 2.1%، فيما لا تزال تتوقع ان يصل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الى 6.3%.
وقال الخبير ان مرحلة التضييق المالي في منطقة اليورو «لم تأت»، واعتبر ان على الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) ان يرفع معدلات الفائدة انما بوتيرة ابطأ مما فعل حتى الان.وحذر من ان الاعصار كاترينا يشكل «صدمة قوية» على المدى القريب ستنعكس على نسبة التضخم واستهلاك الأسر في الولايات المتحدة.
