في سابقة أثارت ذهولاً وتساؤلات في أوساط مهرجان البندقية السينمائي الدولي، كما لدى القائمين على التظاهرات السينمائية العالمية الأخرى، تعرّض مهرجان «البندقية» لهجوم أمني مفاجئ. تمثّل بحصول الأمن السياسي الإيطالي على ملفات ستة آلاف مشارك في المهرجان.

وقد كشفت هذا «الإجراء الخطير» صحيفة «فينيسيا» المحلية التي توزع على نطاق ضيق وضمن مدينة البندقية فقط.. وذكرت الصحيفة في عددها الصادر أمس أن رجال الأمن السياسي الإيطالي، قصدوا مقر إدارة المهرجان، وطلبوا الملفات الشخصية لحوالي ستة آلاف مشارك من سينمائيين وإعلاميين ونقاد وفنيين.

ولدى نشر التقرير، صدرت ردود فعل في مختلف الصحف المحلية، وأصيب الرأي العام الإيطالي بحالة من الذهول نظراً لما يتركه ذلك من تأثيرات سلبية على مهرجان«البندقية» بما يمثله في ميدان الأحداث السينمائية العالمية، وباعتباره ثالث أهم مهرجان عالمي بعد «الأوسكار» الأميركي و«كان» الفرنسي. وتساءل الناس هنا في «البندقية» عن المغزى من هكذا إجراء في تظاهرة إبداعية.

وعلق المحلل السياسي لصحيفة «سردينيا» معقباً على التقرير المذكور قائلاً: «حجة الأمن ليست كافية، وغير مبررة للقيام بهذه السابقة المشينة». وفي ظل هذا اللغط والاعتراضات استمرت عروض مهرجان البندقية، وسط تنافس شديد مع أن أوساط النقاد توحي بأن المعركة الحامية أصبحت بين ثلاثة أفلام على الأرجح لنيل جائزة «الأسد الذهبي» وهي الأهم بين عدة جوائز يمنحها المهرجان.

* فيرارا والدرة والصهيونية

عرض أمس فيلم المخرج الأميركي الإيطالي الأصل آبيل فيرارا، تحت عنوان «ماري»، الذي تعرض لهجوم واسع من الصحافة الأوروبية والوسط النقدي السينمائي، مع أن الشريط لا يستحق هذا الكم الاعتراضي، لأنه أولاً وأخيراً، يقدم وجهة نظر يمكن تقبلهاومناقشتها والرد عليها في أكثر الأحوال صعوبة.

يبدأ فيلم «ماري» من حلم تراه ممثلة بعد الانتهاء من تصوير المشهد الأخير من فيلم ديني، حيث ترى نفسها داخل مغارة تتحدث إلى شخصية البطل في الفيلم الذي يظهر وكأنه ليس من صنف بشري عادي، فيحمل إليها رسالة عن وجوب انتقالها للعيش في «القدس» بجوار بيت لحم وسواها من مراكز العبادات الدينية. فتصحو مذهولة من هذا الحلم، وترفض العودة، إلى مدينة نيويورك الأميركية، تاركة المخرج وفريق الفيلم يعودون وحدهم لإكمال مهمتهم،

وتقرر العيش بحسب وصية الرؤية. فينتقل بنا المخرج فيرارا من هذا المشهد إلى مشهد آخر يبدأه في نيويورك بعدسة من الحادثة الأولى، لنرى أحد مذيعي التلفزيون يناقش ضمن برنامج «ديني» أحد علماء التاريخ حول من حاول قتل السيد المسيح عليه السلام، منذ الفي عام. فينفي العالم مسؤولية اليهود عن هذا الموضوع، ويطلب تحقيقاً علمياً، يفيد بمن له مصلحة بمحاولة القتل هذه.

المشهد الثالث، تظهر أمامنا فجأة على شاشة التلفاز صور دراماتيكية للمشهد الذي أثار جدلاً واسعاً في العالم وتمثل بإطلاق الجنود الاسرائيليين الرصاص على الطفل محمد الدرة الذي يقتل وهو يحاول الاختباء في حضن والده. كأن الصورة، هنا أبلغ من الكلام كإجابة على تساؤلات عالم التاريخ في البرنامج التلفزيوني.

شخصية المذيع التلفزيوني أداها الممثل الأميركي الأسود فورست ويتوكر، المتزوج من امرأة بيضاء ينتظر منها مولودهما الأول. وهو إنسان طيب ومؤمن بربه، يبحث عن الحقائق في برنامجه فيتصل بالممثلة ماري التي تؤدي دورها الممثلة جولييت بينوش، المقيمة في القدس،

ويطلب منها المشاركة في برنامجه من خلال المقابلة التي سيجريها مع مخرج الفيلم، الذي دفعها إلى هذا التحول الكبير في حياتها، وجعلها تتخلى عن العيش في مدينة نيويورك لتكون ملاصقة لمراكز العبادات الدينية في القدس. فتسأله عن إيمانه، وعن سبب عمله في برنامج من هذا النوع وما هو وجه الإفادة من هذا للمؤمنين .الخ.

ويقع انفجار بالقرب من عشاء ديني تحضره ماري في ليلة الميلاد في القدس الغربية، حيث تسارع سيارات الإسعاف الإسرائيلية لإنقاذ الجرحي من جرائه، ويعود المخرج مرة ثانية في هذه اللحظة إلى مشهد قتل الطفل الدرة، وتتطور الأحداث بسرعة فيمنع اليهود في نيويورك عرض الفيلم، ويتم التلميح مباشرة إلى فيلم ميل غيبسون «آلام المسيح» ويسأل المذيع المخرج، لماذا قام بإنتاج فيلمه بنفسه؟ فينزلق إلى إجابة لا يلبث ان يتراجع عنها، بأنه يسعى الى الربح المالي من وراء ذلك.

ويولد طفل «المذيع» في حالة صحية حرجة فيصلي إلى ربه ليشفي له أبنه وزوجته. وقد أكد الممثل فورست ويتوكر في دوره بهذا الفيلم انه صاحب قدرات ومواهب كثيرة عالية ومرتفعة إلى مصاف الكبار في عالم التمثيل. وهو يستحق بجدارة جائزة أفضل ممثل في الدورة الثانية والستين في مهرجان البندقية.

الفيلم فيه بعض الارتباك في السيناريو، ومستواه الفني والتقني من مستوى متوسط، ولا يبرر تهجم الصحافة عليه بهذه القسوة،إلا إذا كانت هناك حملة منظمة يديرها أنصار اسرائيل الذين يزعجهم الحديث ان الجيش الاسرائيلي يقتل في وضح النهار الأطفال الفلسطينيين العزل: ويتنافس «فيلم »ماري» ضمن المسابقة الرسمية.

*«غابرييلا»

وفي اطار المسابقة الرسمية أيضا فيلم المخرج الفرنسي باتريك شاريو تحت عنوان «غابرييلا» عن حياة زوجين تم علاقتهما بأزمة تستمر طوال الفيلم، في حوار دائم بين هاتين الشخصيتين لوحدهما، حتى بدا العمل اقرب إلى العمل المسرحي منه إلى السينما،

فالكادر البصري يلتزم بهما فقط ولا يعنى كثيراً بحضور الآخرين،

الذي يبدو كخلفية هامشية ليس لها أي دور توظيفي في العمل بشكل عام. وقد بالغ مخرجه في التفجيع المونودرامي الذي يوقعه عنوة على بطليه. الفيلم لن يكون له قدرة على المنافسة، أو تحقيق أي شيء يذكر من جوائز كبيرة أو صغيرة. تشارك في بطولة الفيلم ايزابيل هوبير وباسكال غريغوري.

* «كل شيء مضاء»

من ضمن العروض المقدمة في فاعلية «آفاق» فيلم المخرج الأميركي ليف شريبر تحت عنوان «كل شيء مضاء» الفيلم المرشح بقوة لنيل جائزة هذه الفعالية التي تمنحها جمعية اتحاد المخرجين في ايطاليا والفيلم من مستوى جيد عن حكاية كررتها السينما في العقدين الاخيرين كثيراً، حول المجازر النازية بحق اليهود، وما اصطلح عليه «المحرقة» التي راح ضحيتها أكثر من 6 ملايين يهودي كانوا يعيشون في القارة الأوروبية.

الشخصية الرئيسية في الفيلم هو شاب هاجر مع أهله في الأشهر الأولى لبداية الحرب العالمية الثانية من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وهو شغوف بجمع كل شيء من الماضي أي شيء مهما غلا ثمنه أو قل حجمه يضعه في علبة ويعلقه على الحائط، فتطلب منه جدته بأن يعود إلى بولندا مكان وقوع أول مجزرة ألمانية نازية بحق اليهود، للبحث عن تذكارات من بعض افراد عائلته فيساعده هناك من ظل حياً من شعبه وينجح في مهمته.

الفيلم من مستوى جيد فنياً وتقنياً ولو كان يقدم فكرة تكررت كثيراً. مهما يكن من أمر ليست سوى ايام قليلة من ايام المهرجان، حيث سيعلن مساء يوم السبت المقبل عن نتائج المسابقات مع عدم توقع أي مفاجآت تذكر. وان وقعت أي منها سيكون الامر مشوباً بصحة الشائعات حول الضغوط التي تتعرض لها لجنة التحكيم.

البندقية ـ حسين قطايا