من المؤسف بالفعل أنه وفي الوقت الذي يتحدث المسؤولون في مجلس التعاون الخليجي عن أهمية قيام القطاع الخليجي بدور أكبر في مجالات التعاون والتكامل الاقتصاديين بين دولهم، يقف في مقابلهم المسؤولون في هذا القطاع والغرف التجارية الخليجية للمطالبة باعطائهم دورا أكبر في اتخاذ القرارات الاقتصادية المشتركة، حيث يبدو الأمر وكأن الجانبين يقفان على طرفي نقيض.
لقد ظل القطاع الحكومي بدول المجلس الخليجي يلعب دورا رياديا في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن عدم الاستقرار في أسواق النفط والتذبذب المستمر في الأسعار وتزايد أعباء الانفاق، دفع معظم دول المجلس إلى وضع الخطط والبرامج الرامية إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص في بناء اقتصادها الوطني، وتعزيز مسيرتها التنموية.
لذلك، فان إعادة هيكلة القطاع الخاص الخليجي أصبح أمرا حتميا في ظل العولمة الاقتصادية لكي يستطيع القيام بدوره في مسيرة التنمية الاقتصادية، ومن ثم القيام بدور أساسي وفاعل في تعزيز التواصل بين أبناء دول المجلس. وما نود أن نشدد عليه هنا أنه كلما اتسع الدور الاقتصادي والتنموي للقطاع الخاص الخليجي، كلما أصبح دوره في تعزيز التواصل بين أبناء دول المجلس أكثر فاعلية وأكبر اتساعا.
فحجر الزاوية في نهوض القطاع الخاص بدوره كاملا في تعزيز هذا التواصل تتمثل وبشكل مركز في موضوع المواطنة الاقتصادية. وكلما أتسع دور القطاع الخاص في تعزيز المواطنة الاقتصادية الخليجية كلما عزز من أواصر التواصل بين أبناء دول المجلس. ويمكننا أن نسوق هنا العديد من الأمثلة التي تبرز هذه العلاقة.
فعلى سبيل المثال، أن القطاع الخاص ومن خلال توجهه نحو الاندماج بين المؤسسات والشركات على المستوى المحلي لكل دولة من دول المجلس، وعلى مستوى دول المجلس عامة، والعمل على تحويل الشركات العائلية بدول المجلس إلى شركات عامة مساهمة او مقفلة، يستطيع أن يقوى تشابك المصالح الاقتصادية بين رجال الأعمال والمواطنين بدول المجلس.
كما أن مشاركة القطاع الخاص والغرف التجارية الخليجية في أعمال اللجان الوزارية ذات العلاقة بالشؤون الاقتصادية المعنية في مجلس التعاون، وتطوير الخدمات التي تقدمها في ضوء الاحتياجات المتجددة للقطاع الخاص الخليجي سوف يسهم في خلق شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص من شأنها أن تنعكس إيجابيا على تلبية احتياجات المواطنين بدول المجلس بصورة أسرع وأكبر.
كذلك عند الحديث عن التغيرات التقنية المتسارعة في ظل العولمة الاقتصادية، وما يتطلبه ذلك من قيام دول المجلس بتبني استراتيجية جديدة لتنمية القوى البشرية الخليجية، تقوم على تطوير التعليم المبدع المعتمد على تجديد المهارات والمعرفة الفنية، وتحقق الموازنة بين مخرجات التعليم والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الخليجي.
ان تنفيذ هذه الاستراتيجية يتطلب إعطاء دور اكبر للقطاع الخاص للمشاركة في وضع وتنفيذ البرامج التدريبية التأهيلية للموارد البشرية المواطنة في دول المجلس. وهذه بدوره سوف يضع القطاع الخاص على مقربة من احتياجات الأجيال الشابة المتخرجة حديثا، سواء من حيث تطوير برامجهم الدراسية والأكاديمية او من خلال توفير فرص عمل أكبر لهم مستقبلا.
وفي نفس الإطار، فإن التسريع بفتح أسواق العمل الخليجية أمام القوى العاملة الوطنية، من خلال اتخاذ التشريعات والخطوات المناسبة، سوف يمكن القطاع الخاص الخليجي من لعب دور أكبر في توظيف العمالة الوطنية من مختلف البلدان الخليجية. وهذا من شأنه تعزيز المواطنة الخليجية والتواصل الاجتماعي والاقتصادي بين أبناء دول المجلس.
ان أهم تحد يواجه دول المجلس هو تفعيل وتسريع التكامل الاقتصادي. وهذا التحدي يتطلب تعزيز الشراكة الاقتصادية على مستوى الأفراد بتكوين تحالفات استراتيجية وقيام شركات مشتركة ودمج بعض المؤسسات والشركات القائمة حاليا لخلق شركات عملاقة لإنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة القوية في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
كما أن توسيع دائرة التكامل الاقتصادي الخليجي يتطلب قيام شراكة استراتيجية تعكس مصالح القطاع الخاص في كافة دول المجلس وذلك لمواجهة تحديات العولمة والتصدي لها، والوقوف بصلابة في وجه منافسة الشركات العملاقة متعددة الجنسية. ان تنفيذ هذه الشراكة يتطلب بدوره إنشاء سوق خليجية مشتركة يلعب فيها القطاع الخاص دوراً محورياً،
والعمل على عقد اتفاقيات ثنائية وجماعية بين رجال الأعمال في دول مجلس التعاون وإنشاء مراكز لهم بهدف التنسيق والتعاون وتوسيع دائرة العمل المشترك. كذلك، إنشاء مراكز لتنمية وترويج الصادرات بغية تنشيط التجارة الخارجية، وتشجيع القطاع الخاص لرفع مستوى جودة السلع والخدمات من خلال اختيار أفضل التقنيات المتوفرة عالميا وتقليل التكلفة وتخفيض الأسعار لضمان المنافسة في الأسواق المحلية واختراق الأسواق الخارجية.
وهذه الخطوات سوف يكون لها جميعها مردود إيجابي على المواطنين الخليجيين سواء من حيث توفير فرص أكبر للعمالة أو توفير منتجات أعلى جودة وأقل تكلفة. ان الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية لدول المجلس تعتبر من الوثائق المهمة التي أقرها المجلس الأعلى على المستوى الاقتصادي منذ صدور الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس منذ عام 1981، ويبقى ان تتخذ خطوات تنفيذية لهذه الوثيقة ومنها خلق قاعدة معلومات صناعية خليجية عريضة توفر المعلومة الدقيقة للمستثمرين الحاليين والمحتملين.
وهذا من شأنه مساعدتهم في اتخاذ قرار الاستثمار على أسس علمية وبما يحقق النجاح لمشروعاتهم. كذلك تبسيط الإجراءات وتيسير المعاملات بما يساعد على تشجيع المستثمرين على الاستثمار في الصناعة مع توفير بيانات شاملة عن فرص الاستثمار المتاحة في دول المنطقة بما يتيح المجال لاقامة مشروعات صناعية خليجية مشتركة برؤوس أموال ضخمة قادرة على توفير السلعة الجيدة بالسعر المنافس. علاوة على التسريع في برامج التخصيص لشركات القطاع العام.
وهذه الإجراءات بدورها تعني زيادة استثمارات القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وتوفير المزيد من الفرص والمنتجات الوطنية للمواطنين. كما يجب أن لا ننسى دور القطاع الخاص في تعزيز التواصل بين أبناء دول المجلس من خلال رعايته وإدارته للعشرات من المؤسسات والبرامج والأنشطة السياحية والطبية والتعليمية والتدريبية والثقافية والفنية والقيام بالمهرجانات والمنتديات والمؤتمرات في كل هذه الحقول والقطاعات.