تركز السؤال الكبير الذي ترددت أصداؤه خلال ربيع 2004 حول ما إذا كان سعر أربعين دولاراً للبرميل، سيعطل الاقتصاد، وما لبث أن انتقل السؤال إلى الخمسين دولاراً، أما الآن وبعد الصعود الحاد في سعر النفط إلى 70 دولاراً للبرميل، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو مدى تأثيره على النمو.
وكانت التنبؤات الاقتصادية الوردية بنيت عموماً على استقرار أسعار البترول عند 39 دولاراً نهاية عام 2005 استناداً إلى دراسة بزنس أوتالوك للاقتصاد خلال شهر ديسمبر، وقد ربطت دراسة تتابعية في شهر يونيو سعر النفط عند 48 دولاراً نهاية العام. ثمة قرائن متزايدة مفادها أن أسعار الطاقة العالمية ستمثل حيزاً كبيراً من الاستراتيجية الاقتصادية.
فإذا ما استقر سعر البرميل عند 65 دولاراً خلال الفترة المتبقية من العام فإن معدل سعره الوسطي خلال عام 2005، سيكون 59 دولاراً ولا شك أن صعود الصين والهند، وارتفاع حاجاتهما النفطية، هو أحد العوامل الرئيسية. فخلال السنوات الأربع الماضية ارتفعت حصة الصين من الطلب النفطي العالمي من 3. 6 في المئة إلى 8 في المئة، أي بنحو مليوني برميل في اليوم وهو ما يساوي في معدله إنتاج العراق بكامله.
إن السرعة الفائقة التي ارتفعت فيها أسعار النفط إلى هذه الدرجة. تضاف إلى المخاوف فقد ارتفع سعر النفط المعدل تضخمياً أكثر من الضعف في غضون أقل من عامين وكانت المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك عام 1980 عندما قفز سعر نفط ويست تكساس الفوري الخام من 44 إلى 88 دولاراً قياساً إلى القوة الشرائية للدولار عام 2005
وعلاوة على ذلك فإن السعر الوسطي للبنزين العادي الخالي من الرصاص قفز من 32 سنتاً في أقل من ثلاثة أسابيع، إلى 61. 2 دولار للجالون في 22 أغسطس ويعتبر هذا أسرع ارتفاع لثلاثة أسابيع منذ بدأت إدارة معلومات الطاقة متابعتها الأسبوعية في تسعينات القرن الماضي.
إن القضية الحيوية بالنسبة للنصف الثاني هي كيفية تأقلم المستهلكين، والقطاعات التجارية وسياسة الاحتياطي الفيدرالي، مع هذا التحول السريع والدائم في الثوابت الأساسية، في الوقت الذي أصبح فيه الاقتصاد عرضة لأية صدمة أكثر مما كان عليه عام 2004، وان ردود الأفعال تلك سوف تقرر ما إذا كان الاقتصاد قادراً على الخلاص من ارتفاع النفط الأخير، كما سبق له أن فعل خلال الربيعين الماضيين.
لابد من الأخذ في الحسبان أن صدمة النفط من شأنها إيقاع أبلغ الأضرار في الاقتصاد بطريقتين، فهي من ناحية قد تؤدي إلى تقليص الإنفاق بتوجيه المستهلكين والقطاعات التجارية لدخولهم وأرباحهم لتصب في خانة فواتير الطاقة المرتفعة، والنأي بأنفسهم عن القيام بمشتريات جديدة،
أو أن الكلفة المضافة، قد تثير تضخماً أسرع مؤدية إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الفائدة وإضفاء تعقيدات شائكة على مهمة مجلس النقد الاحتياطي في إدارة دفة الاقتصاد، ويلاحظ أن غالبية السوق تركز الآن على الخيار الأول، فيما يجري تجاهل مخاطر التضخم على وجه الإجمال.
إن أي تحليل لابد من أن يبدأ بالمستهلكين الذين ينفقون 50 دولاراً عند كل تعبئة لخزاناتهم، فقد بات العبء على الأسر ذات الدخل المنخفض، حيث تستهلك الضروريات حصة الأسد من دخولها. وقد أظهرت تقارير أغسطس المتراخية، من جانب قطاع التجزئة، وجود بعض التوتر في أوساط الأسر المعيشية خلال موسم التسوُّق السابق للعودة إلى المدارس.
وكان المستهلكون، قبيل الفترة الصيفية هذه، قد أقلموا أنفسهم بصورة لا بأس بها تجاه أسعار الوقود الباهظة، إذ كانت قفزات الأسعار خلال ربيعي عام 2004 و2005 تسببت في حدوث تباطؤ آني في خطا الإنفاق، والأنماط الشرائية، فضلاً عن أن قراءات ثقة المستهلكين سوف تضعف في الشهور المقبلة.
ولكن، رغم الصحوات التي أعقبت انخفاضات بسيطة سابقة، والتي كانت مصحوبة بحيوية بالغة، فإن الصحوة الحالية يمكن أن تكون أكثر تحفظاً. سيما إذا احتفظت أسعار النفط بمستوياتها العالية. وهذا راجع إلى أن الحاجات الأساسية للمستهلكين ستكون أقل قوة بكثير عمّا كانت عليه بداية 2005، وخلال 2004،
سيما أن أسعار الفائدة المنخفضة وحوافز اقتطاع الفائدة عام 2003 وتحسين أسواق العمل، ونمو الدخل القومي والثروة القياسية كلها مجتمعة وفّرت في السابق للأسر المعيشية السبل الكفيلة بتجاوز فواتير الطاقة المرتفعة. يُذكر أن الإنفاق الاستهلاكي المعدّل تجاه التضخم، نما بمعدل 4 في المئة خلال العام الفائت. ولولا ارتفاع أسعار النفط والغاز، لكان الإنفاق حقق نمواً بنسبة 5%.
الآن، وبمواجهة الأسر المعيشية لرياح معاكسة، فإن الاقتطاع الضريبي أضحى ضرباً من الماضي، وأن العجز الفيدرالي المتضائل للسنة المالية 2005، يعني أن التحويلات لم تعد حافزاً للنمو علاوة على ذلك، فإن المجلس الاحتياطي الفيدرالي، سيواصل رفع سعر الفائدة، وكان معدل هدف التحويلات الفيدرالي للمجلس الاحتياطي -5. 1% ساهم العام الماضي في التخفيف من ويلات أسعار النفط التي وصلت إلى 50 دولاراً للبرميل.
أما الآن، وبوصول سعر البرميل إلى 65 دولاراً، فإن معدل التحويلات 5. 3%، ومن المتوقع أن يزداد ارتفاعاً. وبالرغم من عدم حدوث ذلك حتى الآن، فإن الفوائد طويلة الأجل، بما في ذلك فوائد الرهن العقاري، سوف ترتفع أيضاً، وهذا يعني أن أسعار المساكن والعقارات، لن تساهم كثيراً في دعم الإنفاق الاستهلاكي والثروات.
وعلى الرغم من أن المستهلكين، أصابهم الضنك بفعل أسعار الغاز، فإن كثيراً منهم لم يغير من خطط سفره. وقد قدرت جمعية السيارات الأميركية بأن عدد المسافرين 50 ميلاً أو أكثر، خلال عطلة عيد العمال، سوف يزيد بنسبة 9,0 في المئة عن العام الماضي. كما يتوقع زيادة عدد المسافرين بالسيارات زيادة قليلة. لعل السبب في عدم تخلي المسافرين عن خططهم، هو أن ثروات المستهلكين وميلهم للرفاهية، أكثر ارتباطاً بأسواق العمل من أي شيء آخر.
صحيح أن الأسر أنفقت خلال شهر يونيو، نحو 58 مليار دولار وأكثر على الطاقة، مما أنفقته في عام سابق.إلاّ أن دخولهم من الأجور والرواتب ارتفعت قرابة 400 مليار دولار. إن أهمية سوق العمل، تبرز الفكرة القائلة بأن رد فعل القطاعات التجارية، تجاه الارتفاع الحالي في أسعار الطاقة، يمكن أن يكون حيوياً تجاه التوقعات المستقبلية كما هو الحال لدى المستهلكين،
حيث إن أية جولة أخرى من الحذر من جانب القطاع التجاري، قد لا تغني فقط كبح الإنفاق الرأسمالي، أو ضغط الهوامش الربحية، أو النمو الإنتاجي، فأي تردد جديد قد يؤثر على الوظائف والدخول، فارضاً ضغوط الطاقة على الميزانيات المعيشية الأسرية. وقد ساهمت أسواق العمل التي أظهرت قوة خلال شهر أغسطس، في توفير تقدم قوي آخر، وما دامت الشركات قادرة على المجاراة، فإن أي تراجع من قبل المستهلكين خلال النصف الثاني سيكون قصير الأمد.
ومن المثير، ان نفقات الطاقة المرتفعة، تعتبر الآن عائقاً للنمو أكثر منها ضغوطاً على التضخيم، حيث إن المنافسة جعلت الشركات تجد صعوبة في تخطيها، علاوة على ذلك، تمكنت الشركات من امتصاص فواتير الوقود المضافة، بأثر سلبي بسيط على أرباحها، وقد يعكس بعض ذلك، نجاحها في تجاوز النفقات العالية خصوصاً في القطاع الخدمي. لكن الأكثر ترجيحاً، هو أن الطلب القوي، عزز الإيرادات الإجمالية بالنسبة لمعظم الشركات، في حين ساعد التقدم القوي في الإنتاج الشركات على ضبط نفقاتها.
ان مكمن الخطر، في احتمال انهيار التحكم السعري للسنوات الأخيرة مما يسمح للتضخم بالتوسع، وقد راحت أسواق العمل، بالفعل، في التضيق، والذي قد يؤدي إلى تحفيز نمو الأجور، في وقت قد لا تكون فيه المرابح الإنتاجية قوية كما كانت في السابق ولو ان الشركات حققت نجاحاً اكبر في تجاوز نفقات الطاقة المرتفعة.
فان السؤال الرئيسي الذي يتجه نحو عام 2006، لن يكون عما اذا كان سعر 65 دولاراً للبرميل سيشل الاقتصاد. بل في الكيفية التي سيتمكن فيها مجلس النقد الاحتياطي، والشركات، التغلب على التحول المهم الصاعد في التضخم.
ترجمة: وائل الخطيب
