تستمر العروض في «مهرجان البندقية السينمائي الدولي» في دورته الثانية والستين، داخل المسابقة الرسمية وخارجها وتخوض الأفلام الأميركية منافسة حامية مع الأفلام الآسيوية التي تقف صناعتها نداً قوياً في مواجهة استوديوهات هوليوود العريقة. فعرض أمس فيلم المخرج والممثل الأميركي تيري جيلام «الأخوان غريم».
من بطولة الممثل الشهير مات دامون وميث ليدغر ومونيكا بيلوتشي في قصة الشقيقين الأسطورية التي تم تداولها في أوروبا في مرحلة نابليون عن جامعي فولكلور يتحريان حكايات اللاتي اختفين في الغابة بشكل غامض، فتبدأ سلسلة من المغامرات مليئة بالسحر والشعوذة ضمن أداء رائع للممثلين دامون وليدغر، وبيلوتشي وسيناريو متقن للكاتب إيرين كروغر،
وموسيقى الإيطالي ماريو مارينللي التي أضفت على الفيلم مناخاً مطلوباً ساعد المخرج جيلام على تقديم عمل رائع للسينما سيبقى محفوراً في ذاكرتها وتاريخها وسيكون له أيضاً شأن في المنافسة على جائزة الأسد الذهبي. فمخرجه أكد أنه وضع في هذا الفيلم كل خبراته السابقة، التي بدأها منذ العام 1971 ككاتب سيناريو في فيلم «والآن من أجل شيء مختلف»، وعلى التوالي مثل في تسعة أفلام بعضها من إخراجه، ليصبح واحداً من أهم مخرجي هوليوود الذين يعملون على إنتاج تحف سينمائية.
* دي أوليفيرا و«المرآة المسحورة»
يقدم المخرج البرتغالي مانويل دي أوليفيرا المولود عام 1908 في مدينة أوبرتو البرتغال فيلمه «المرآة المسحورة» ضمن منافسات المهرجان، وبكل ثقة يرى أنه يستحق الجائزة. ويعد دي أوليفيرا من عمالقة الفن السابع في أوروبا الذين عملوا على تكريس الفيلم الأوروبي في مواجهة إنتاجات هوليوود، فعاكسها ولم يتعاون مع شركاتها الإنتاجية، وأصرّ على تقديم سينما لها نكهة أوروبية خاصة، واقترب عن «اليسار»، وانتقدهم لمغالاتهم بتأييد الأنظمة الشمولية.
أفكاره واضحة وعميقة وشفافة دائماً، يحرك كاميرته بين شعاب البعد الإنساني للوجود. وقد ضرب مدير المهرجان ضربة معلم عندما دعاه إلى مهرجان البندقية ليكون فيلمه ضمن المسابقة الرسمية تحت عنوان «المرآة المسحورة» من إنتاج هذا العام، كآخر عمل يقوم به بعد أن بلغ التسعينات من العمر. فيلمه الجديدة لن تستطيع لجنة التحكيم المرور عليه مروراً سريعاً، أو أن تتجاوزه ببساطة، فقد وضع أوليفيرا في مرآته المسحورة مرآة المسرح «البريشتي»، الفرد يقابل ذاته على خشبة الحياة، والصورة النهائية البرّانية والجوانية.
في سيناريو أعده بنفسه يلزمه جلد الشباب، فهو مذهل بقدرته في هذا العمر، فلا يزال قادراً على إدارة ممثليه الذين اختارهم من فرنسا واسبانيا مثل الممثل الفرنسي المعروف ميشال بيكولي والاسبانية الحسناء ميراسا باراديز صاحبة الـ 25 فيلماً في تاريخها. وقد أبدت لجنة التحكيم حماسة لافتة لهذا الفيلم خلال عرضه أمس.
* رومانس آند سيجاريتس (رومانسية وسجائر)
«رومانسية وسجائر» فيلم أميركي آخر في عداد المسابقة الرسمية للمخرج جون تورتورو الإيطالي الأصل، ويتناول تورتورو في هذا الفيلم حياة رجل عليه أن يختار بين العيش مع زوجته أو عشيقته في مدينة نيويورك. يعد تورتورو من الممثلين البارعين، ومن أشهر أعماله العام 1980 «ريفنغ بوول»، وشاهدنا له هذا العام «فيير اكس» نيكولا ريفن، في هذا الشريط الذي يعد تجربته الإخراجية الثالثة بعد فيلميه «ماك» و«يومينيتا.
كتبت الصحف الإيطالية عن «رومانس آند سيجاريتس» بعد عرضه أمس أن لا حظوظ لمخرجه بنيل جائزة، لأن منافسيه أقوياء، ولو كان فيلم تورتورو جيداً، فلذلك لن يكون «رومانس آند سيجاريتس» من مفاجآت المهرجان هذا العام، ما دفع المخرج اليوم أن يتوتر قليلاً في مؤتمره الصحافي،
فقال: «إن تقديرات الصحافة الإيطالية حول نتائج المهرجان تسيء إلى فعالياته وأهميته، إذ إن إطلاق الشائعات قد يؤدي إلى أن تبيع النسخ بنسخات أكثر، لكنها في النهاية تفقد مصداقيتها وعلاقتها بالقارئ والمشاهد معاً». وأضاف أنه لن يتأثر بهذه الشائعات، ويبقى حتى اليوم الأخير مشاركاً في كل نشاطات مهرجان البندقية».
* مسابقة الأفلام القصيرة
تبرز المخرجة الفلسطينية علا طبري في فيلمها «الشتات» ضمن مسابقة الأفلام القصيرة التي تضم 12 فيلماً، عرض منها حتى الآن نصفها افتتحها المخرج الإيطالي سالفاتوري شويسي في فيلم «لا تراما دي أميلتو» (مدته عشرون دقيقة) في إخراجه الثاني، وهو يقدم قصة مقتبسة عن مناخات المسرح الشكسبيري، وتحديداً مسرحية «هاملت»، في أسلوب معالجة يستخدم مفردات بصرية بسيطة وممتعة،
في حوارات قليلة وتصوير شديد الإيحاء ومؤثر. وعرض أيضاً فيلم المخرج ساندرو دوسيو بعنوان «بيرث داي» الذي يتناول قصة امرأة تعشق ذاتها، وتتصرف كقطة مستعدة للإثارة، والمجون في تقسيمات للصورة، تبدو فيها امرأة منفصمة الشخصية. ومدة الشريط 22 دقيقة، ومستواه تحت الوسط.
ووسط تلك العروض، عرض الفيلم الممتاز للمخرج الأميركي فنسنت انفيرو بعنوان «خمس دقائق مستر ويلز» حول حكاية رجل ينجح في تحقيق طموحاته العملية، ويفقد حياته الشخصية، فتتخلى عنه زوجته بسبب سمنته ويبتعد عن أهله وأصدقائه محاولاً إيجاد نفسه مرة أخرى، فيلتقي بامرأة تقنعه بأنه لم يخسر شيئاً كان موجوداً. ومدة الفيلم 30 دقيقة.
الفيلم الرابع ضمن مسابقة الأفلام القصيرة إيطالي أيضاً وهو للمخرج دومينيك تامبسكو بعنوان «سيد حطام السفينة» في ثلاثين دقيقة عن حياة قبطان هجر البحر بسبب تحطم سفينته وغرقها، من دون أن يستطيع ان يفعل لها شيئاً. مدة الفيلم 30 دقيقة وهو من مستوى متوسط.
الفيلم الخامس للمخرج البلجيكي نسيم آموشي المغربي الأصل تحت عنوان «بضعة فتاة للطيور» عن معاناة أسرة مهاجرة، مكونة من أم وابنتها. مدة الفيلم 28 دقيقة ويعد من أفضل الأفلام في إطار هذه المسابقة. الفيلم السادس «الشتات» للمخرجة الفلسطينية علا طبري التي ولدت في مدينة الناصرة في الجليل سنة 1970،
وتعيش في باريس منذ 1998، أنتجت وأخرجت أربعة أفلام أولها «خلقنا وعلقنا» تلاه «فلسطيني» و«الحلم العربي» و«الشتات» المعروض في مهرجان البندقية، والذي يبدو انه من أقوى الأفلام في إطار «الأفلام القصيرة»، إذ تسربت بعض المعلومات عن لجنة التحكيم أمس، تفيد بان هذا الشريط ستكون حظوظه قوية في نيل جائزة الأفلام القصيرة. يذكر ان «الشتات» هو الفيلم العربي الوحيد ضمن مسابقات المهرجان.
البندقية ـ حسين قطايا
