يقول محللون إن واضعي السياسة الأوروبيين العائدين إلى مباشرة أعمالهم في أعقاب الإجازة الصيفية لن يجدوا ما يسرهم. فخلال الجدل الذي احتدم قبيل الاستفتاء في شهر يونيو صب المصوتون في كل من فرنسا، وهولندا جام سخطهم على أداء أوروبا الاقتصادي، مما أبرز الحاجة الماسة لنمو من شأنه استعادة شرعية الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، فإن البيانات الراسخة أخيراً تشير إلى أن النمو في الاتحاد الأوروبي، لم يتجاوز حتى قبيل الارتفاع الأخير في أسعار النفط الواحد في المئة.
ولن يكون للسياستين المالية والنقدية القدرة على إصلاح ما فسد، فالعجز الكلي في موازنة منطقة اليورو يصل إلى 3 في المئة، والبنك المركزي الأوروبي الآن في حالة توجس من الجولة الثانية من توالي ارتفاعات أسعار النفط على التضخم. وقد أجمع الجميع، أكثر من أي وقت سبق، على أن النمو لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الإصلاحات الهيكلية. وثمة اتفاق واسع بأن استراتيجية لشبونة المتبناة منذ خمس سنوات، لم تحقق الدفع المنشود في عجلة الإصلاح.
وتؤكد المؤشرات أن الإصلاح الاقتصادي في أوروبا لم يتسارع ولم يشهد تنسيقاً منذ عام 2000. والواقع أن رومان دوفال ويورغن ايلمفسكي، من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وجدا في ورقة أخيرة أن النمو تباطأ خلال فترة الألفينات، خصوصاً في منطقة اليورو. أضف إلى أن استراتيجية لشبونة المعدلة والمتبناة ربيع هذا العام من المجلس الأوروبي لتنسيق الإصلاحات لن يتسنى لها تحقيق المزيد، فقد جرى تضييق هامش الأهداف وتبسيط الإجراءات، إلا أن الاستراتيجية تواصل افتقارها للحوافز.
والواقع أن المتلكئين أزالوا أحد الحواجز القليلة المتبقية، إذ بات بإمكان دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء أن تقدر كل دولة على حدة، إصلاح ذاتها، إلا أن إطار الاتحاد الأوروبي لم يعد ذا أهمية، إذ أن أجندة 2010 للمستشار الألماني غيرهارد شرودر، لم تنظر البتة إلى استراتيجية الاتحاد الأوروبي. هل ثمة أهمية لذلك؟ السؤال متباين بالنسبة للاتحاد الأوروبي ككل ولمنطقة اليورو.
ولنناقش حالة البلدان داخل دائرة الاتحاد الأوروبي، ولنفترض على سبيل المثال، ان البلد الفلاني، يتدارس إدخال إصلاحات تخفض البطالة الهيكلية، وتزيد الانتاجية، في حين لا يحرك البلد الآخر ساكناً، غير ان إصلاح ذلك البلد، يؤثر على البلد الآخر، عن طريق الأقنية التجارية، لكن دون الاخلال بمكاسب البلد الأول، فالانخفاض الدائم للبطالة، أو زيادة الإنتاجية هما فائدتان، بحد ذاتهما، مهما كانت النتائج على البلد الجار،
كما ان البلد الثاني يمكن ان يتأثر، حيث يلاحظ الناخبون آثار الإصلاحات البادية وراء حدوده المجاورة، ويتخذون قراراتهم بناء على ذلك، غير ان مخاطر اقتفاء الجيران لخطب بعضهم بعضاً لا ثبط حافزاً الإصلاح، والواقع ان الأسباب المنطقية لتنسيق الاصلاحات داخل الاتحاد الأوروبي ضعيفة، وليس من غضاضة في استنبات سياسة تعلم مع نشر مؤشرات مقارنة، وجداول موحدة، إلا ان النتائج المتوخاة لا تكاد تذكر.
فماذا عن منطقة اليورو؟ دعونا نفترض مرة أخرى أن اصلاحات البلد الأول والبلد الثاني لا تتفق، فالبطالة الهيكلية المنخفضة، والإنتاجية الأعلى تترجمان الى معدل أقل من التضخم ـ على الأقل مؤقتا في البلد الأول وبالتالي تخفض معدل التضخم النسبي في منطقة اليورو، وهذا بدوره يترجم إلى أسعار فائدة أدنى، وبالتالي فإن سياسة الاقتصاد الكلي في البلد الثاني، تعدل وفقاً لسياسة جاره، غير ان التضخم النسبي وأسعار الفائدة،
يظلان أعلى مما لو أن البلدين أجريا الاصلاحات، أو ان البلد الأول كانت له سياسته النقدية الذاتية. فيما يخص حكومة البلد الثاني، هناك مكاسب جمة، أما بالنسبة لحكومة البلد الثاني فإن منافع الإصلاح ضاعت. إن الاختلاف بالنسبة لحالة الاتحاد الأوروبي، يأتي من حقيقة أن بلدان منطقة اليورو، تشترك في سعر فائدة حددها البنك المركزي الأوروبي، فيما يتعلق بمعدل التضخم النسبي،
وهذا يخلق نوعاً من الاعتماد التبادلي، الذي يمتد الى ما وراء العالم النقدي، والسياسات المالية وتؤثر في السياسات الهيكلية أيضاً. وهذا الاعتماد التبادلي أو الترابطي بهم خصوصاً للإجراءات المكلفة على المدى القريب، لأن سعر الفائدة المخفض، يمكن أن يساعد في إبراز آثارها المعاكسة، وتحسين توازنها الإجمالي. وهذا هو الحال بالنسبة لكثير من الإصلاحات.
وقد تعمل إصلاحات سوق العمل على زيادة البطالة قبل أن تخفضها، فيما لو أحدثت نوعاً من القلق، وقادت الشركات لتسريح العمال بوتيرة أسرع من خلق وظائف جديدة. كما أن إصلاح سوق الإنتاج يمكن أن يوهن النمو لأن أصحاب الوظائف يتأثرون بسرعة بفقدان الأجور، ولهذا السبب، فإن الإصلاحات تكون أكثر سهولة يصحبها توسع نقدي (لموازنة الآثار السلبية للإصلاح على الطلب الكلي)، وحوافز مالية (والتي تساعد أيضاً في تعويض الخاسرين).
وهذه الإستراتيجية يمكن اتباعها خارج منطقة اليورو، وليس في داخلها، إلا إذا تم تنسيق الإصلاحات. إن المحصلة ذات شقين، أولاً أن حالة سياسة الإصلاح المنسقة ضعيفة بالنسبة للاتحاد الأوروبي ككل، ولكنها أقوى بالنسبة لمنطقة اليورو، ثانياً إن الإصلاح في منطقة اليورو سوف يفيد من اعتماده على الدعم الاقتصادي الكلي. وكان الاتحاد الأوروبي أخذ تلك المتطلبات في حساباته، في معاهدة إصلاح الاستقرار والنمو الربيع الماضي.
وبات الآن في حكم المقبول أن إصلاحات تعزيز النمو، يمكن أن تشكل دافعاً للابتعاد المؤقت من هدف «القرب من التوازن» الذي تلتزم به الدول الأعضاء. أو إرجاء التحول نحوه. ورغم أن هذا الشرط لا يعطي هامشاً كبيراً للمناورة بالنسبة للبلدان الغارقة في بحور العجز فإنه يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح.
ثمة أشياء كثيرة لابد من تحقيقها. بداية لابد من تبني الإطار الدستوري. فوزراء مالية منطقة اليورو الذين يلتقون ضمن مجموعة اليورو لا يضعون أجندة الإصلاح. ورؤساء الحكومات المسؤولين عن تلك الأجندة لا يلتقون في اطار منطقة اليورو، ولا وزراء العمل او الاقتصاد، وان اجتماع رؤساء الحكومات كفيل بتذكيرهم بمسؤولياتهم لاستدامة المنطقة النقدية التي أوجدوها، ويسمح لهم بمناقشة اجنداتهم الاصلاحية،
ومواجهة تبعات ذلك الترابط. اما التغييرات الأخرى فتخص البنك المركزي الأوروبي، فهذا البنك كثيراً ما يتشدق، دون ان يلزم نفسه بشيء، مذكرا بالمثل القائل، اسمع جعجعة ولا ارى طحنا. وأولى واجبات البنك، ان يحدد بوضوح لا لبس فيه، بأنه وبدون الاخلال بالاستقرار السعري، فانه سوف يدعم الاصلاحات الكفيلة بخفض البطالة البنيوية أو يضع منطقة اليورو في سكة نمو أعلى.
ترجمة: وائل ابراهيم الخطيب
