أكد خبراء وعاملون في قطاع التأمين أن الحاجة باتت ملحة لإنشاء مجلس خاص أو جمعية لوسطاء التأمين في ظل ممارسات غير قانونية يقوم بها بعض العاملين في هذه المهنة التي باتت «مهنة من لا مهنة له». وأشاروا إلى ان سوق الدولة يعاني أصلا من تخمة كبيرة في عدد الوسطاء الذين يصل عددهم إلى 200 وسيط وهو رقم يزيد عن حاجة السوق بعشرة أضعاف معظمهم يفتقر إلى المهنية العالية والخبرة في العمل.
كما ان البعض يلجأ إلى ممارسات توصف بأنها غير قانونية ناهيك عن عدم أخلاقيتها فهم يعملون وفق قوانينهم الخاصة ولا يخضعون لأي ضوابط خصوصاً عند الحديث عن وسطاء الشنطة أو «وسيط فري لانسر » كما يصفهم البعض. رغم أن قطاع التأمين في الدولة يمر بفترة نمو متسارعة على جميع المستويات
ومنها تلك الأرباح الكبيرة التي حققتها وتحققها معظم شركات التأمين خلال النصف الأول من هذا العام خصوصا تلك المدرجة في السوق المالي بفضل محافظها الاستثمارية الضخمة ونشاطها التأميني إلا ان مشكلات قطاع التأمين تتشعب في ظل تلك الممارسات التي يقوم بها وسطاء التأمين.
* آخر قرار وزاري
وكان آخر قرار وزاري قد صدر في فبراير من عام 2000 لتنظيم مهنة وسطاء التأمين في الدولة والذي نص على عدم جواز مزاولة الوسيط لعمله ما لم يكن لديه عقد أو اتفاق «وساطة في التأمين » يتضمن الشروط المتفق عليها بينه وبين شركات التأمين التي يتعامل معها والمقيدة في سجل شركات التأمين. كما اشتمل القرار على جملة من التعليمات التي حددت ضوابط ومعايير لتنظيم هذه المهنة التي افرزت وسطاء «فري لانسر» لا يتقيدون بقانون محدد ويمارس تشكيلة من الاعمال من بينها وساطة التأمين.
وتستعد جمعية الإمارات للتأمين إلى تقديم سلسلة من المقترحات لتطوير عمل وسطاء التأمين وتنظيم ممارسة المهنة في قطاع يشهد نمواً متسارعاً وهو مقبل على جملة من التطورات الاقتصادية المحلية والإقليمية والعالمية ومنها الاتفاقيات التجارية الثنائية إضافة إلى استحقاقات منظمة التجارة العالمية.
وكان الشيخ فيصل بن خالد القاسمي رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للتأمين قد كشف مؤخرا عن أن الجمعية بصدد تقديم مقترحات لوزارة الاقتصاد لتنظيم مهنة وممارسة وسطاء التأمين في الدولة. وأشار إلى ان ما يؤثر سلباً على سوق التأمين في الدولة هو العدد الهائل من الوسطاء المحليين والذين بلغ عددهم حوالي 200 وسيط محلي، ولذلك فإن جمعية الإمارات للتأمين بصدد تقديم مقترحات لوزارة الاقتصاد لتنظيم هذه المهنة وممارستها والارتقاء بمعايير العمل فيها.
* مزيداً من الضوابط
ويطالب عبد المطلب مصطفى مدير عام شركة عمان للتأمين بوضع مزيد من الضوابط التشريعية والمالية للارتقاء بمهنة وسيط التأمين التي باتت بالفعل «مهنة من لا مهنة له» وسط ممارسات عديدة خاطئة يقوم بها بعض الوسطاء ونقول البعض لأن هناك وسطاء محترفين يؤدون عملهم وفق أعلى المعايير وهؤلاء يختلفون تماما عن وسطاء «الشنطة » أو وسيط فري لانسر الذين هم في الحقيقة مندوبو مبيعات لا أكثر ومن الخطأ ان نسميهم وسطاء تأمين.
ويؤكد مصطفى ان بعض شركات التأمين تلحق ضررا كبيرا في مصداقيتها عند التعامل مع هؤلاء الوسطاء غير المسجلين وذلك في سعي الشركة نحو مزيد من السيولة أو الأقساط في سوق يشهد منافسة حادة. وتبرز مشاكل لا حصر لها كما ان العميل نسه عليه التأكد من ان الوسيط مسجل قانونيا في سجلات الوزارة.
وقال ان الوزارة وضعت تعليمات وقوانين واضحة لتنظيم مهنة وسطاء التأمين وتعزيز معايير العمل فيها وبالتالي حصر حقوق جميع الأطراف ومن بينها حقوق المؤمن له وهم العملاء الذين عليهم واجب الحذر في التعامل مع الوسطاء موضحا ان الضوابط التي تكفل تنظيم هذه المهنة تتجاوز الاشتراطات المالية إلى اعتبارات الترخيص والخبرات حتى نضمن وجود وسطاء تأمين على درجة عالية من الاحتراف والمهنية بحيث يسهمون في تحقيق قيمة مضافة لخدمة التأمين فهم أساس العلاقة بين شركة التأمين والعملاء ولا يقتصر عملهم فقط «كمندوب المبيعات ».
وأضاف: «علينا التمييز بين الوسيط المحترف الذي يمارس عمله بامانة ومهنية عالية ويمتلك سجلا جيدا في العمل وبين غيره من وسطاء الشنطة أو «فري لانسر » عند الترخيص لوسيط التأمين. وحول ممارسة الوسيط مهنة الاستشاري للعميل قال مدير عام شركة عمان للتأمين ان مثل هذه الممارسة خاطئة قانونا وهناك تضارب في المصالح والترخيص يجب ان يكون لأحدهما تجنبا للتلاعب والاستغلال الذي قد يظهر خصوصا اذا تبين ان الوسيط يتقاضى من كلا الطرفين شركة التأمين والعميل نفسه.
* تأجير الرخص
ومن جهته يؤكد عمر حسن الأمين مدير شركة المشرق العربي للتأمين انه من الصعوبة بمكان وضع تصنيف خاص أو تطبيقه بالنسبة لوسطاء التأمين رغم ان الحاجة باتت ملحة لوضع الضوابط الخاصة لهذه المهنة التي أصبحت «مهنة من لا مهنة له» كما يقول حتى ان بعض الوسطاء يقومون بتأجير رخصهم إلى أشخاص آخرين وهي ممارسة اقل ما يقال فيها بأنها غير أخلاقية فضلاً عن مخالفتها الصريحة للقانون.
ودعا الأمين إلى جزء كبير من مشاكل قطاع التأمين في الدولة يعود أساسا إلى ذلك العدد الكبير لوسطاء المتعاملين والذي يتجاوز 200 وسيط وهو رقم كبير جدا ويزيد بنحو عشرة أضعاف عن حاجة السوق الفعلية. وفيما يتعلق بوضع ضوابط خاصة لمهنة وسطاء التأمين قال الأمين ان أهم ضابط يتمثل في رفع سقف المتطلبات المالية التي يشترطها القانون لعمل وسيط التأمين
وهي لا تتجاوز الآن 300 ألف درهم ووثيقة تأمين حول المسؤولية المهنية ب 5. 1 مليون درهم وهذه المتطلبات بمجملها لا تغطي قسط تأمين بقيمة 10 آلاف درهم مشيرا إلى ان وسيط التأمين مطالب برأسمال معين حسب نوع التأمين الذي يعمل فيه سواء كان تأمين السيارات أو التأمين البحري أو التأمين على الممتلكات وغيرها وذلك لتقليل نسبة المخاطر في العمل.
ودعا إلى وضع شروط مالية خاصة لوسطاء التأمين ومنها مبلغ 15 مليون درهم للوثيقة حول تأمين المسؤولية المهنية بدلا من 5. 1 مليون حاليا ووديعة مصرفية تتراوح قيمتها بين 500 ألف إلى مليون درهم عن كل فرع من فروع التأمين الذي يرغب الوسيط في ممارسته مشيرا إلى ان مثل هذه المقترحات ستسهم في تعزيز ضوابط العمل في مهنة الوسطاء فهم بحكم عملهم يتعاملون بمليارات الدراهم ومن الضروري بمكان اشتراط مثل هذه القيود المالية عليهم.
* تنظيم المهنة
وقال مدير عام المشرق العربي للتأمين ان تنظيم مهنة وسطاء التأمين كان مثار بحث في جمعية الإمارات للتأمين وقدمت خلاله العديد من الاقتراحات لرفعها إلى وزارة الاقتصاد والتخطيط وفي حال اقرار مثل هذه المقترحات فإنها ستسهم في تطوير هذه المهنة وبالتالي تطوير قطاع التأمين ككل
كما ان مجموعة عمل التأمين التي انبثقت عن غرفة تجارة وصناعة دبي على استعداد للمشاركة في هذه الجهود اذا طلبت منها جمعية التأمين ذلك. وأضاف ان التطورات الاقتصادية المتلاحقة التي يمر بها اقتصاد الدولة والنمو المتسارع لهذا الاقتصاد يدفع باتجاه تطوير معايير هذه المهنة وإعادة النظر بأوضاع وسطاء التأمين بما ينسجم مع النشاط الاقتصادي لدولة الإمارات وتشعبه.
وأشار إلى ان بعض وسطاء التأمين يمارسون اعمال استشاريي تأمين برغم ان وسيط التأمين والاستشاري رخصتان منفصلتان والبعض يملك هذه الرخصة وقد يتقاضى عمولة من كلا الطرفين وهما العميل وشركة التأمين رغم أن الامانة المهنية تتطلب من الوسيط ألا يمارس عمله كاستشاري مما يلحق اضطرارا بمصداقية الوسيط نفسه وحياديته كما ان اخلاقيات المهنة تمنع ذلك وهي أعمال تصل إلى حد تجريمه في العديد من دول العالم مثل الولايات المتحدة واوروبا.
وحول ظاهرة وسيط الشنطة أو «فري لانسر» اكد عمر الأمين انها ظاهرة خطيرة في سوق التأمين وهناك شركات تأمين تتحمل المسؤولية في هذا الامر ذلك انها تقبل التعامل مع هؤلاء الوسطاء والقانون واضح وصريح في هذه القضية وهناك عقوبات منصوص عليها في القانون بمعاقبة الشركات التي تتعامل مع وسطاء غير مسجلين فالأخطار التي يسببونها كبيرة ومن الصعب تتبعهم وملاحقتهم كما ان العملاء وهم حملة الوثائق مطالبون بالحذر تجاه التعامل مع وسطاء «الشنطة » وعليهم معرفة أوضاعهم القانونية.
وليست قضية «برج الأمل » التي وقعت خلال العام الماضي ببعيدة عن هذه الممارسات حيث راح ضحيتها عدد كبير من حملة الوثائق خصوصا في تأمين السيارات وتبين لهم ان صاحب الشركة ليس مسجلا كوسيط تأمين وقام بالتوسط في عدد كبير من الوثائق التي تجاوزت عدة ملايين من الدراهم،
ولم يقم هذا الشخص «صاحب الشركة المذكورة بتسديد الأقساط لشركات التأمين الأمر الذي تسبب بضياع حقوقهم حين رفضت شركات التأمين سداد مطالباتهم إلا بعد تدخل الجهات المختصة ممثلة بوزارة الاقتصاد وتحمل هؤلاء العملاء الكثير من المشقة.
* مجلس خاص
وفيما يتعلق بالحاجة إلى إنشاء جمعية أو مجلس خاص لوسطاء التأمين المسجلين قال عمر الأمين انها خطوة بناءة بشرط ان تكون تحت مظلة وزارة الاقتصاد والتخطيط وليس ضمن جمعية الإمارات للتأمين فهناك تقاطع في مصالح كلا الطرفين وفي معظم دول العالم هناك جمعيات خاصة بشركات التأمين وأخرى للوسطاء للمساعدة في تنظيم شؤونهم وتعزيز معايير المهنة.
وأضاف ان وزارة الاقتصاد وضعت متطلبات محددة لترخيص الوسطاء ومنها شرط الخبرة وشهادات الزمالة وغيرها عند تقديم طلب التسجيل كوسيط تأمين لكن المشكلة تبرز في ان بعض الوسطاء لا يعمل كوسيط بل ويقوم بتأجير رخصته ودوره يتمثل فقط في التوقيع عند تأجير الرخصة.
وحول العمولات التي يتقاضاها وسطاء التأمين أكد الأمين ان هذه القضية تتم وفق الاتفاق بين شركة التأمين والوسيط نفسه وطبقا لنوع التأمين وحسب نسبة الخسائر في كل قطاع ومدى ربحيته مشيرا إلى ان بعض أنواع التأمين والتي يتم التأمين عليها اختيارا لدى شركات إعادة التأمين تكون نسبة العمولة المدفوعة من قبل معيد التأمين قليلة
وبالتالي تتأثر نسبة العمولة التي تدفعها شركة التأمين للوسيط ويمكن القول ان نسبة العمولة المدفوعة لوسطاء التأمين في سوق الدولة تعد من أعلى النسب في العالم وتمثل احيانا ضعف العمولة المدفوعة في أوروبا مثالا. واكد ان وسطاء التأمين ينالون نصيب الأسد من عمولة إعادة التأمين المدفوعة للشركات كما انهم لا يتحملون أو يساهمون في سداد المطالبات وبالتالي يكون دخل الغالبية منهم من عمليات الوثائق المبرمة أعلى بكثير من دخل شركات التأمين نفسها.
كما ان بعض وسطاء التأمين يلجأ إلى طلب عدم ذكر مبلغ التأمين في الوثيقة ثم يصدر اشعار مدين للعميل بمبلغ أعلى ومن هنا فإن واجب شركات التأمين التي تصدر وثائق التأمين التي لا يذكر فيها قسط التأمين التوقف عن هذه الممارسات المخالفة للقانون وهي عملية احتيال وسرقة واضحة يقوم بها من لا ذمة له.
* تصنيف الوسطاء
وفي هذا الصدد يؤكد جورج الأشقر مدير عام شركة الضمان اللبنانية للتأمين انه يؤيد وجود تصنيف لوسطاء التأمين يعمل على تعزيز معايير هذه المهنة والارتقاء بها إلى مستويات عالمية وبالتالي تجنيبها الكثير من المشاكل والقضايا التي يشهدها القطاع بين حين وآخر. ويضيف الأشقر ان الحاجة باتت ماسة لإيجاد آليات فاعلة لوقف جميع وسطاء التأمين غير المرخصين أو «وسطاء الشنطة» الذين يمارسون أعمالا اقل ما توصف بأنها بعيدة عن اخلاقيات العمل .
مشيرا انه وللأسف فان عدداً من شركات التأمين ما زالت تتعامل مع هؤلاء لعدة اسباب منها حاجة هذه الشركات إلى السيولة أو وفق سياسة الاكتتابات التي تعمل بها رغم وجود الكثير من التشريعات التي وضعتها وزارة الاقتصاد والتخطيط لتنظيم هذه المهنة وتجنيبها الكثير من الإشكالات وبالتالي فان جزءاً من المشكلة تتحمله بعض شركات التأمين التي تتعامل مع «وسطاء الشنطة » ضاربة عرض الحائط بالقوانين والتعليمات السارية.
ويؤكد مدير عام شركة الضمان اللبنانية انه وطبقا لتعليمات وأنظمة الوزارة فأنه يحظر على شركات التأمين التعامل مع شركات الوساطة غير المرخصة والتي لا تحمل شهادات تثبت قانونيتها.وحول أهمية وجود مجلس للوسطاء المسجلين أوضح الأشقر انه مثل هذا المجلس يشكل آلية من آليات تنظيم العمل كما ان جمعية الإمارات للتأمين يمكنها ان تشملهم بعضويتها كطريقة أخرى لتعزيز معايير التنظيم في هذه المهنة.
وأشار إلى وجود العديد من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها بعض وسطاء التأمين ومنها قيامهم بأعمال استشارية لعميل وبنفس الوقت كوسيط تأمين وهم بذلك يتقاضون مبالغ مالية من الطرفين وهذا خطأ كبير ومخالفة صريحة للقوانين العامة الصادرة بهذا الخصوص ذلك ان المرخص كاستشاري فعلي يقوم بتحصيل أتعابه من المؤمن ولا يجوز قانونا ان تدفع له شركة التأمين أي مبلغ وبالتالي لا يجوز ان يدفع له كل الطرفين فهو يأخذ من العميل فقط.
وفيما يتعلق بالرسوم التي يتقاضاها وسيط التأمين قال الأشقر إن هذا الأمر يتم الاتفاق عليه بين شركة التأمين والوسيط نفسه وفق آليات معروفة كل حسب نوع التأمين رغم ان هذه النقطة هي الأخرى ينفذ من خلالها وسيط التأمين ويقوم بعضهم بتحصيل نسبة مئوية تختلف عن تلك التي اتفق عليها مع شركة التأمين.
* حجم السوق
وطبقا لإحصاءات وبيانات غير رسمية فان حجم سوق التأمين في الدولة يتجاوز حاليا 8 مليارات درهم حيث تعمل في السوق 50 شركة تأمين مسجلة حتى العام 2005 وهي تسهم بنحو واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة في حين ان هناك 16 شركة مدرجة في اسواق المال.
وتتركز 90 بالمئة من شركات التأمين في إمارات أبوظبي ودبي والشارقة. ويمتلك المواطنون 56 % من شركات التأمين و 2. 16 % للأجانب و 7. 6 % للعرب والبقية ملكية مشتركة. وتستأثر اقسام التأمين على السيارات والتأمينات العامة بحصة الأسد في حين يشكل التأمين على الحياة ما نسبته 26 % من حجم أقساط التأمين.
تحقيق :علي الصمادي
