وضع إعصار كاترينا خطاً فاصلاً بين منحنيين سعريين للذهب، فقبل الإعصار وعلى وجه التحديد في يومي 30 و31 من الشهر الماضي، كان سعر الذهب يتهاوى تحت وطأة عمليات البيع الواسعة النطاق من جانب صناديق الاستثمار، وسجل هبوطاً في هذين اليومين فقط مقداره 10 دولارات للأونصة، وبعد الإعصار، طرأ تغير جزري في المنحنى السعري للذهب، حيث جنى خلال يومي 1 و 2 سبتمبر الجاري مكاسب سعرية قيمتها 15 دولارا للأونصة.
وواكب الصعود الصاروخي في أسعار الذهب توقعات بأن يصعد سعره الى 500 دولار للأونصة خلال الأشهر الستة المقبلة. وذلك في ظل تكهنات بتعرض سعر الدولار للمزيد من التراجع والضعف تحت وطأة المضاعفات السلبية التي خلفها إعصار كاترينا على الاقتصاد الأميركي بشكل خاص والعالمي بشكل عام.
فقبل أن يضرب إعصار كاترينا سواحل خليج المكسيك، كانت أسعار الذهب تتلقى ضربات من قبل المضاربين وصناديق الاستثمار الذين زاد إقبالهم على عمليات البيع والتصفية لمراكزهم كنتيجة للتكهنات بأن إعصار كاترينا لن يخلف إضراراً ضخمة، فضلاً عن تردد شائعات في السوق عن قيام احد صناديق الاستثمار الأميركية ببيع عقود ذهب آجلة بحجم يبلغ 3 ملايين أونصة. وعليه، شهد سعر الذهب تهاويا في سعره، وهبط بأكثر من 10 دولارات للأونصة خلال يومي 30 و31 أغسطس الماضي.
* «كاترينا » ينقذ الذهب من التراجع
و كان إعصار كاترينا بمثابة المنقذ للمعدن الأصفر من حالة التراجع التي شهدها سعره، حيث خالف حجم الاضرار التوقعات السابقة والتي قادت الى تراجع سعره، وعليه، سرعان ما تعافى سعر الذهب، وسجل انتعاشا بجنيه مكاسب سعرية، تعززها توقعات بوجود مقومات أساسية في السوق تدفع السعر نحو الارتفاع، وتتعلق أساساً بزيادة الضغوط على الدولار بسبب حجم الخسائر الضخمة التي خلفها الإعصار والتي ألقت ظلالا من الشكوك حول قدرة الاقتصاد الأميركي على تحقيق معدلات نمو قوية،
وحول مدى استعداد البنك الاحتياطي الأميركي مواصلة سياساته الخاصة برفع أسعار الفائدة، ومن شأن هذه العوامل أن تسهم في إحداث المزيد من التراجع في قيمة الدولار، وبالتالي، تقديم الدعم للذهب الذي يتحرك سعره على منحني معاكس لتحرك سعر الدولار . ففي 1 سبتمبر أغلق عقد الذهب لشهر ديسمبر في بورصة نيويورك التجارية بزيادة 40,8 دولارات للأونصة أي بنسبة 2 % ليصل الى 50,446 دولارا للأونصة،
وفي 2 سبتمبر، صعد سعر الذهب بقوة معتدلة، حيث واصل مساره الصعودي ليجني مكاسب سعرية قيمتها 11 دولارا للأونصة. وعبر عن هذا التقييم عدد من المحللين، من بينهم توماس بوستيد المحلل في مؤسسة «ريفكو» والذي أرجع ازدهار سعر الذهب الى عاملين، يتمثل أولهما في حالة النشاط التي دبت في عمليات شراء الذهب من قبل صناديق الاستثمار والتحوط من المخاطر والتي شهدت انتعاشاً في أعقاب اللقاء بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي آلان غرينيسبان،
وما رافقه من تكهنات تتوقع بأن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي لن يقوم برفع الفائدة في اجتماعه خلال الشهر الجاري، وهو الأمر الذي سيؤدي الى تقليل جاذبية الدولار في أعين المستثمرين، مما يفضي الى المزيد من الضعف في سعر صرفه. أما العامل الثاني: فيتمثل في إعصار كاترينا الذي خلف ضررا ضخما في ولاية نيو أورليانز وأسفر عن مصرع مئات الأشخاص، فضلا عن انتشار أعمال الفوضى والجريمة والسلب،
وفي ظل ظروف كهذه، لم يكن مستغربا أن يلجأ الناس الى الاحتماء بالذهب، وعليه، قفزت أسعار الذهب للبيع الفوري الى أعلى مستوياتها في أسبوعين لتبلغ 25,445 دولارا للأونصة، مقابل 90,433 دولاراً للأونصة في اليوم السابق عليه. وخلص بوستيد الى التأكيد على اعتقاده بأن سوق الذهب صار مهيئا للمزيد من الصعود،
وذلك بعدما اجتاز المعدن الأصفر مستويات المقاومة الفنية. وعلقت المذكرة التحليلية لمؤسسة «إيه في إكس» المنشورة في 1 سبتمبر على تحرك سعر الذهب نحو مستويات عالية بثبات وقوة، وردت أسباب هذا الصعود الى الضعف الحالي للدولار وتصاعد العنف في العراق وأسعار الطاقة المرتفعة.
* التكهنات تعزز آفاق الذهب
وبشكل عام، تدعم التكهنات التي تسود السوق والقائلة بأن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي قد يتوقف عن رفع أسعار الفائدة بهدف المساعدة في إصلاح الإضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية وإصلاح الدمار الذي تسبب فيه إعصار كاترينا، صعود سعر الذهب، بالنظر الى أنه من شأن توقف بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي عن رفع الفائدة، أن يؤدي الى المزيد من ضعف الدولار ،
وعلى حد قول جيمس مور المحلل في مؤسسة «باليون ديسك كوم » بلندن ان أسعار المعادن قد حذت حذو الذهب متشجعة بالتكهنات حول استمرار وقوع الدولار تحت طائلة الضغوط التي تدفع بسعره نحو التراجع، ومن بينها بروز احتمالات قوية بوقف رفع الفائدة الأميركية.
ويرصد المحللون قوة أخرى معززة لسعر الذهب، وهي ارتفاع أسعار النفط، وبلغت أسعار الوقود مستويات قياسية، وهو الأمر الذي سيفضي الى مضاعفات سلبية تضر بالمستهلك الأميركي، وبالاقتصاد الأميركي. حيث سجل سعر النفط مستويات عالية طوال الوقت في أعقاب إعصار كاترينا،
وأعرب بول ووكر الرئيس التنفيذي لمؤسسة « جي إف إم إس » للاستشارات في مجال المعادن عن اعتقاده بأن السؤال الذي يجب أن يطرحه المرء هو ما إذا كان بلوغ سعر النفط مستوي 70 دولاراً سيشكل ضربة قاصمة للأصول الأميركية ومن بينها الدولار وما إذا كان ذلك سيمهد الأرضية لمرحلة يشحذ فيها الذهب المزيد من القوى ليسجل ارتفاعات قياسية .
ولكن على الجانب المقابل، يرى بعض المحللين من بينهم ويليام آدمز أن انعكاسات إعصار كاترينا ربما تكون أوسع مدى ونطاقا من التقديرات الحالية والتي تؤدي الى المزيد من ضعف الدولار، وهو وضع يكسب ظاهريا المعادن ومن بينها الذهب المزيد من القوة، ولكن الصدمة النفطية يمكن أن تسهم في تباطؤ الاقتصاد الأميركي، وهو ما سيؤثر بدون شك على أفق نمو الطلب العالمي والذي بدوره سيشكل عاملا ضاغطا على الطلب على المعادن بما يدفع أسعارها الى التراجع.
* صعود الذهب الى 500 دولار للأونصة
ووسط التوقعات الإيجابية التي تسود سوق الذهب، قدرت مؤسسة «جي إف إم إس» للاستشارات في مجال المعادن على لسان بول ووكر مديرها التنفيذي أن سعر الذهب قد يصعد الى 500 دولار للأونصة في غضون الأشهر الست المقبلة مع قيام المستثمرين ببيع الأصول الأميركية، وأضاف موضحا أن الولايات المتحدة تواجه متاعب حقيقية وان الدولار الضعيف سوف يكون القوة المحركة والدافعة لسعر الذهب نحو سلك مسار الصعود حيث قفزت أسعار سبائك الذهب بنسبة 43 % خلال السنوات الثلاثة الماضية،
وتابع بقوله أنه من المتوقع أن يتراجع إنتاج الذهب في جنوب إفريقيا خلال العام الحالي بسبب زيادة تكلفة الإنتاج، والآثار السلبية لزيادة قوة عملة جنوب افريقيا (الراند) والتي إدت الى إغلاق عدد من مناجم الذهب، وبالتالي، فأن السوق العالمي للذهب يتجه نحو فقدان 50طنا من الإنتاج خلال العام الحالي وهو ما يؤدي الى نقص الكميات المعروضة من الذهب.
(م.ع)