في اليوم الثالث لمهرجان البندقية السينمائي في دورته الثانية والستين، بدأت تتضح صورة الأفلام المختارة ضمن المسابقة الرسمية، وما إذا كانت في ساحة المنافسات، وتبين أن بينها، ما يجب أن يقدم على هامش المهرجان، وليس ضمن المسابقة الرسمية. فهناك ستة عروض قدمت حتى الآن لم يبرز بينها سوى اثنين، أولهما «عمتم مساء وحظاً سعيدا» للمخرج والممثل جورج كلوني، وشريط المخرج الكوري بارك شان ووك، تحت عنوان «تعاطفاً مع المرأة المنتقمة» أو Sumpathy For Lady Vengeance .
يدور الفيلم الكوري حول قصة فتاة كورية كاثوليكية تتعرض للسجن، وهي العاملة في مصنع للحلويات الأوروبية، والمشتركة في التخطيط لسرقة مصرف في سيئول العاصمة الكورية، إضافة إلى ارتكابها جريمة، تعيد تمثيلها بعنف لا مثيل له، وتقوم بعدة سلوكيات متناقضة، فهي تؤدي صلاتها «كقديسة»، وتمارس البغاء، وتساعد الضعفاء في السجن.
وتبدو هذه الفتاة كملاك وشيطان في آن. فالخير والشر في هذا الشريط يقفان جنباً إلى جنب، كاجتماع الماء والنار في إطار واحد، وضمن أسلوب سردي يستخدمه المخرج شان ووك بين «الفلاش باك» والواقعية التعبيرية، فهو متأثر بأساليب التقنية للرواية الحداثية وإلى ما بعد الحداثة، فيجمع بين الأزمنة في زمن الفيلم، والذي يمتد على مدى 114 دقيقة في لغة بصرية تكاد لا تفوت ثانية واحدة.
إلا ووضعها المخرج في إطار رمزي قوي يدل على واقع اجتماعي، وعلى قصة حدثت أو كانت على وشك الحدوث، متمتعاً بأسلوب فريد يتشابه مع »أسلبة» مخرجين كبار مثل ستانلي كوبريك وفلليني، ومع روائيين من حجم غابرييل غارسيا ماركيز وميلان كونديرا، وسواهما ممن لا يعيرون شأناً لأسلوب الرواية التقليدي.
فهذا المخرج يقدم مفهوماً جديداً للسينما يتمتع أيضاً بشيء من المشهدية المسرحية بصناعة سينمغرافيا يعرف كيف يمنتجها ويحولها إلى حلقات متصلة، ولكن كل حلقة تصلح لأن تكون مستقلة بذاتها، وتؤدي وظيفتها لوحدها بالكامل. ويملك المخرج نظرة ثاقبة لمجتمعه، في تحولاته الكبيرة، حيث تفقد المرأة القاتلة والقديسة ابنتها الصغيرة التي تبنتها عائلة أجنبية والتي تقوم بزيارتها، وتقع تلك المفارقات الغريبة، التي تمثل على طول الفيلم في 112 دقيقة.
وهو من بطولة الممثلة الكورية لي يونغ، التي أذهلت الحضور بقدرتها على تأدية شخصية تحمل هذا القدر من التناقضات. كل هذا جعل الفيلم ينتمي إلى السينما الحديثة، ووضعه في ساحة المنافسة القوية للحصول على الجائزة الأولى في المهرجان، إن لم يكن أقوى الأفلام التسعة عشر داخل المسابقة الرسمية. وسيكون لنا عودة تفصيلية لهذا الشريط بعد إعلان نتائج المهرجان في العاشر من الشهر الجاري.
«الأولاد الهامشيون»
اشترك في صناعة فيلم All The Invisible Children ، كل من: مهدي شريف وأمير كستورتكا، وسبايك لي وكاتيا لوند، وجوردون سكوت، وريدلي سكوت، وسيتفنو فان ريسو، وجون ووي، لكل مخرج 12 دقيقة قدم خلالها قصة حول مجموعة أطفال بعضهم يعاني من الفقر والبعض الآخر حمل السلاح في أفريقيا ودخل الحرب الأهلية، وبعضهم قارن بين هؤلاء وأطفال يعيشون في حالة رخاء.
باختصار الفيلم يتحدث عن رجال المستقبل، الذين يعيشون في عالم الآن ضمن ظروف صعبة تصبغهم على هواها، في ظل غياب مؤسسات كالعائلة والمدرسة وسواها، فوحدها الماكينة الاقتصادية الكبرى تضعهم في أحشائها وتحولهم عن براءة الطفولة إلى ما يشبه حالة بشرية مصنعة من لحم ودم وقسوة وحزن،
وتدفع بهم إلى أن يكونوا أفراداً ينعزلون عن الآخر في تراكيبهم النفسية التي تتعقد، وتبدو أن لا خيار لها سوى الانسجام مع ما يفرض عليهم ويفوق حدود طاقاتهم، وفهمهم الفيلم عرض ضمن فعالية «آفاق»، وتميز فيه فقرة المخرج الصيني جون ووي.
«فن الحب الراقي»
عرض فيلم «كازانوفا»، ضمن العروض الحرة خارج إطار المنافسة، عن القصة الشهيرة لزير النساء «كازانوفا»، الذي عاش في مدينة «البندقية» خلال القرن الثامن عشر، والذي تلاحقه السلطات الدينية بتهمة الهرطقة لأنه يلاحق النساء، وينتحل شخصيات لبعض الكتاب الذين يدعون لتحرير المرأة،
فيتهم بالهرطقة، التهمة الكفيلة في المجتمعات الأوروبية آنذاك بأن توصل صاحبها إلى حبل المشنقة، الفيلم من إخراج أميركي لاسي هيلاستروم، الذي تواطأ مع كاتبي السيناريو جيفري هاتثر وكامبرلي سايمي، على صناعة شريط فانتازي وكوميدي. هذا الفيلم ممتع لعب بطولته هيث ليدغر وسينا ميلر وجيريمي آيرونز المخضرم، الذي أضفى على الفيلم نكهة كوميدية خاصة.
وإلى جانب هذا الشريط من خارج المسابقة أيضاً. يأتي شريط المخرج جون آرفين «ذا فاين آرت أوف لوف»، «فن الحب الراقي» الذي تدور أحداثه حول مدرسة تعليم رقص تقع فيها جرائم عدة، تتصل بشخصية مديرة المعهد «الداخلي» العانس التي تقيم علاقات محرمة مع تلميذاتها ومن ثم تتخلص منهن بالقتل.
موسيقي الفيلم الرائعة ألفها الموسيقي بول غاربوسكي، في مقطوعات ساحرة وآسرة، أتاحت للفيلم في مدته القصيرة (33 دقيقة) أن يمر خفيفاً، وكأنه يمشي على رؤوس أصابعه، تماما كما تفعل راقصات الباليه. كتب اليناريف البرتو ليتوادا وأوتيفيو جيما، ولعب أدوار البطولة جاكلين بيسيه وماري ناحي وناتالي تينا.
البندقية ـ حسين قطايا

