طالت الخسائر المترتبة على إعصار كاترينا الدول المنتجة للنفط، وعلى الأخص دول أوبك، وبدأت أقاويل وأحاديث السوق تنفخ في مخاوف طوتها صفحات الماضي، وتتعلق بالقوة السياسية التي أصبحت تمتلكها الدول المنتجة للنفط بسبب حوزتها للدماء المحركة للاقتصاد العالمي.

وتثير هذه التحليلات المخاوف المسيطرة على الدول المستهلكة والخاصة باستخدام الدول المنتجة النفط كسلاح تحقق من ورائه أهدافاً سياسية، وعلى الرغم من إسراع منظمة «أوبك» إلى الإعلان عن أنها سوف تدرس اتخاذ خطوات جديدة لتهدئة الأسواق، وعلى الرغم من محاولتها طمأنة الأسواق بأنها تسعى للحفاظ على إمدادات كافية في الأسواق،

إلا أن عودة الحديث عن القوة السياسية التي صارت دول أوبك تمتلكها في مواجهة الدول المستهلكة، يجعل دول أوبك في وضع المتهم الذي يجب أن يثبت براءته على طول الخط، حتى لو كلفه ذلك، التضحية بمصالحه ليس بهدف سوى البرهنة على حسن النوايا.

أدى إعصار كاترينا إلى تصاعد سخونة حمى القلق والخوف حول مستقبل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وبالتالي الاقتصاد العالمي بأسره، وانبرت تحليلات إلى إحياء مخاوف أخرى تتعلق باستخدام النفط كسلاح سياسي من جانب الدول المنتجة للنفط، على اعتبار، وبحسب التقرير الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي،

أن الأسعار المرتفعة للطاقة قد تؤدي إلى إخماد آفاق النمو الاقتصادي العالمي وعليه، تعالت تحذيرات بعض المحللين من أن هناك اعتبارات تسود الآن أسواق النفط العالمية، تكسب الدول المنتجة قوة سياسية ضخمة ومؤثرة في مواجهة الدول الصناعية والمستهلكة، وتتمثل هذه الاعتبارات في التالي:

أولاً: يعاني السوق من حالة تشدد تجعل اندفاع الأسعار نحو المستويات القياسية العالية، إحدى بديهيات المقومات الأساسية للسوق، وذلك في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية والتي كانت تستخدم لتخفيف وطأة الأحداث الطارئة على أسواق النفط، وتزداد حدة المخاوف بشأن الإمداد، وقيام الدول المنتجة للنفط سواء خارج أوبك أو داخلها بإنتاج النفط بأقصى طاقة ممكنة لتلبية الطلب العالمي،

وهو ما يعني في الواقع العملي استمرار حالة التشدد في السوق لمدة قد تصل ـ حسبما أشارت بعض التحليلات ـ إلى عامين أو ثلاثة أعوام، كما سيستمر الصعود الصاروخي في الطلب الصيني على النفط، وبالتالي، صار من المحتمل، أن تشهد الأسعار قفزات عالية، في حالة حدوث أي توقف عن الإمداد حتى لو صغر حجمه.

ثانياً: قادت حالة التشدد الموضحة آنفا، إلى إعادة التفكير في فرضيات تتعلق بمرونة الطلب العالمي على النفط والتي اقتنعت الدول المنتجة للنفط بصحتها وسلامتها، فعندما انهارت أسعار النفط إلى حوالي 10 دولارات للبرميل، صارت الدول المنتجة للنفط على اقتناع راسخ بوجود علاقة عكسية بين أسعار النفط والطلب العالمي، بموجبها، يزداد الطلب العالمي على النفط، إذا ما انخفضت الأسعار،

والعكس صحيح، فضلا عن اقتناع الدول المنتجة بأن الأسعار المرتفعة للنفط ستحفز الدول الصناعية على مضاعفة جهودها في مجال استكشاف مصادر بديلة للطاقة، ولكن تعرضت مثل هذه الفرضيات في رأي بعض المحللين إلى الاهتزاز تحت وطأة بلوغ الأسعار مستوى 70 دولارا للبرميل، وفقدت الكثير من مضمونها، بحيث برزت على السطح مجددا الفرضيات القديمة التي تعزز مكانة النفط كسلاح سياسي في أيدي الدول المنتجة للنفط،

ومؤدى هذه الفرضيات الجديدة القديمة أن ارتفاع أسعار النفط لن يؤدي إلى تقليص الطلب العالمي، وأن مجرد التهديد بحجب كمية صغيرة من الإمدادات عن السوق، من شأنه أن يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، تحقق مكاسب مالية تعوض بل وتفوق كذلك الخسائر المالية الناجمة عن حجب الإمداد. وذلك من دون أدنى مخاطرة بخفض الطلب العالمي.

ثالثاً: وفي حالة إذا ما صار واضحاً أن أسعار الطاقة المرتفعة تعمل على إبطاء النمو العالمي فأنه من المحتمل أن يكون لدى الدول المتقدمة والأكثر اعتماداً على استيراد النفط القليل مما تفعله لتقييد الطلب ويجعلها أكثر استجابة لمطالب الدول المنتجة.حتى لو تعارضت هذه المطالب مع مصالحها.

رابعاً: دفعت المخاوف المتعلقة بالإمدادات أسعار النفط إلى مستويات لامست 70 دولاراً للبرميل، وهو ما يجعل الأسعار تقترب من أعلى مستوى تاريخي بلغته في الثمانينات، بعد حساب عامل التضخم، وأنه في ظل قيام دول العالم بدفع فاتورة يومية للنفط قيمتها5 مليارات دولار بحسب أسعاره الحالية، صار من الواضح أن البائعين والمشترين للذهب الأسود يتطلعون إلى جميع الوسائل التي من شأنها أن تعزز أوضاعهم المالية.

خامساً: يأتي قدر كبير من الطلب على الدولار من كونه العملة التي يتم على أساسها تسعير غالبية السلع وهو ما رفع مكانته ليكون بمثابة عملة الاحتياط الدولية، ولكن مع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط، فإنه قد ينظر إلى النفط في ذاته على أنه عملة احتياط،

ففي الشهر الماضي أصدر بنك الاحتياط الفيدرالي في سان فرانسيسكو تقريراً عن تنويع احتياطيات البنوك المركزية، وخلص إلى أن وضع الدولار في العالم يعاني من حالة تدهور، وقد أعلنت الصين بأنها سوف تقوم بإحلال جزء من احتياطياتها الأجنبية بالنفط عن طريق بناء احتياطي استراتيجي، ولم تفصح الصين عن كمية النفط التي تعتزم تخزينها.

سادساً: مع عائدات نفطية تبلغ 110 مليارات دولار شهرياً، تحصل دول منظمة أوبك منها على حوالي ثلث هذا المبلغ، فإن التساؤلات المطروحة تتعلق بالكيفية التي سوف يتم بها إنفاق هذه الأموال، ووفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية فإن الدول الأعضاء في منظمة أوبك وجهت 120 مليار دولار في أصول مقومة بالدولار تتوزع بالتساوي بين الأسهم وأوراق الخزانة الأميركية، وهو مؤشر يوضح حجم القوة التي باتت تتمتع بها الدول المنتجة في التأثير على الوضع المالي للدول المستهلكة.

* القوة السياسية لسلاح النفط

ويكمن الخطر ـ من وجهة نظر هذه التحليلات ـ في أن مثل هذه المتغيرات التي باتت تهيمن على أسواق النفط، تعطي الدول المنتجة للنفط القدرة على استخدام النفط كأداة في تسوية منازعاتها السياسية، كما تتيح للدول المنتجة استخدام سلاح حجب النفط عن زبائن معينين كأسلوب للعقاب وفرض الإرادة السياسية،

بل وكذلك، صار بإمكان الدول المنتجة للنفط أن تقوم بسحب بعض الإمدادات من السوق لتجني الأرباح والمكاسب من الارتفاع في الأسعار المترتب على خفض الإمدادات، وبهذا، تعززت القدرة التفاوضية والتجارية والدبلوماسية للدول المنتجة للنفط سواء كانت رئيسية أو هامشية.

وهو ما يعقد قدرة الدول الصناعية على فرض شروطها لتسوية منازعاتها السياسية مع هذه الدول. ويرى محللون أن القدرات الجديدة التي تتمتع بها الدول المنتجة للنفط صارت على محك الاستخدام الفعلي من قبل بعض الدول المنتجة، خصوصاً الدول التي تعتبر في نظر الإدارة الأميركية دول مارقة وهي على وجه التحديد إيران وفنزويلا.

* تهديدات شافيز

ويستشهد المحللون في التدليل على الاستخدام الفعلي للقوة السياسية الكامنة في النفط، بالتهديدات التي أطلقها هوغو شافيز رئيس فنزويلا بقطع الصادرات النفطية عن الولايات المتحدة التي تعتمد على النفط الفنزويلي في تلبية 14% من إجمالي وارداتها النفطية، وذلك في حالة استمرار الإدارة الأميركية في نهجها العدائي ضد حكومته،

ويشير محللون هنا إلى أنه على الرغم من الاندماج الحالي للقطاع النفطي الفنزويلي في الاقتصاد الأميركي، إلا أنه بمقدور هوغو شافيز الصمود في مواجهة الإضرار التي ستلحق باقتصاد فنزويلا من جراء قيامه بتنويع مقاصد تصدير النفط بعيداً عن الولايات المتحدة، بحكم أن التهديد في حد ذاته سيكون كافياً لدفع أسعار النفط نحو مستويات عالية.

* السجال الإيراني الغربي

وتعتبر إيران مثالاً مثيراً لشغف المحللين في سياق تدليلهم على مدى القوة التي باتت تتمتع بها الدول المنتجة للنفط، فمن وجهة نظرهم، أظهر الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمد نجادي عدم ثقته بالحكومات الغربية، وأبدى إصراراً على مواصلة إيران تطوير برنامجها النووي،

علاوة على انتماء معظم الوزراء في الحكومة الإيرانية الجديدة إلى الجناح المتشدد، بما في ذلك وزير النفط الإيراني الذي تنقل هذه التحليلات عنه قوله بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع بعض الدول النفطية مسؤول عن وضع أسعار منخفضة للطاقة بشكل اصطناعي.

ويرسم محللون سيناريو يوضح مواطن القوة التي تتمتع بها إيران نتيجة لكونها ثاني أكبر دولة منتجة للنفط، إذا ما تم إحالة ملف برنامجها النووي إلى مجلس الأمن، ويفترض هذا السيناريو أن وزير النفط الإيراني قد يهدد بحجب النفط بعيداً عن الدول التي تؤيد وتدعم الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا.

وانه بموجب هذا السيناريو قد يفرض الإمام آية الله علي خامنئي بعض الانضباط على استخدام النفط كسلاح، ولكن نوايا خامنئي ـ وفقاً لهذه التحليلات ـ غير واضحة، فهو ربما يكون أكثر اهتماماً بتحقيق أهداف سياسية وأمنية، من الاهتمام باستقرار السوق، وتخلص هذه التحليلات إلى أنه بمجرد تهديد إيران بحجب 200 ألف برميل يومياً عن الدول الصناعية التي تعتمد على النفط الإيراني،

فإن هذا في حد ذاته يشكل خطراً محتملاً على الإمداد النفطي. بل كذلك وعندما تعلن إيران أنها تمتلك خيارات، في حالة إذا ما اختارت إدارة بوش سياسة التصعيد، فإن مثل هذا القول يتمتع بقدر عالٍ من المصداقية، إذ إن خروج إيران منتصرة من هذه اللعبة، سيحفز الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم ضد المنشآت النووية الإيرانية،

وهو إجراء من شأنه أن يرسل أسعار النفط إلى مستويات صاروخية، وعليه، فإن ثقل الخيارات الإيرانية يكسب طهران القدرة على إدارة المفاوضات حول البرنامج النووي من مواقف قوية. ويرصد محللون على غرار توني إيستراكا أوجه الانعكاسات التي يمكن أن تحملها بورصة النفط الإيرانية المقترحة على الاقتصاد الأميركي والدولار، ففي مقال له بعنوان «هل تقتل بورصة النفط الإيرانية الدولار الأميركي»، ويجيب عن هذا السؤال بإبراز النقاط التالية:

أولاً: أن الحائزين لأصول غير دولاريه هم ضحايا الاختلافات في أسعار الصرف بين الدولار والعملات التي يقتنونها، وبالتالي، هم يتحملون رسوماً إضافية في تعاملاتهم التجارية على النفط، تتمثل في كلفة التحويل إلى عملة الدولار، بحيث يمكن اعتبار كلفة تحويل العملات المحلية إلى الدولار لتمويل المشتريات النفطية بمثابة ضريبة مستترة وخفية والتي يفرضها ويتمتع بها القطاع البنكي العالمي.

ثانياً: لقد أعلنت إيران أن البورصة الجديدة ستعمل في مارس 2006. وجاء التعبير الأول عن بورصة إيران للطاقة في خطة التنمية الخمسية الإيرانية 2000 / 2005. وفي يوليو الماضي أعلن حيدر حسنين الذي يرأس مجلس مديري بورصة الأسهم الإيرانية أن السلطات قد وافقت من حيث المبدأ على إقامة بورصة الطاقة الإيرانية حيث ستتم المتاجرة على النفط والبتروكيماويات ومنتجات الغاز.

ثالثاً: أنه بإمكان بورصة النفط الإيرانية الاعتماد على مجموعتين من الزبائن المحتملين، فمن جانب، بمقدور البورصة الإيرانية أن تغري المشترين الأوروبيين، إذا ما قامت بتسعير النفط بعملة اليورو، وهو ما يعفي المشترين الأوروبيين من دفع كلفة رسوم التحويل إلى الدولار،

ومن جانب آخر، بإمكان هذه البورصة تنفيذ صفقات المقايضة للدول المتعطشة للنفط كالصين والهند بأن تشتري هذه الدول النفط مقابل البضائع والمنتجات التي تقوم بإنتاجها. وتخلص هذه التحليلات إلى أنه بمقدور بورصة الطاقة الإيرانية المقترحة أن تهز عرش الدولار، وهو ما سيعطي لإيران ثقلاً في مواجه الدول الغربية.

ولكن يبدو أن إعصار «كاترينا» وما رافقه من مخاوف حول الإمداد، جعل المحللين يضعون جميع الدول المنتجة للنفط في سلة واحدة، كما لو كانوا يجسدون كياناً واحداً، ويعبرون عن سياسة واحدة تجاه القضايا العالمية والإقليمية، ولهذا من واقع تلك الأمثلة، خلصوا إلى استنتاج عام بأن الدول المنتجة للنفط صارت تشهر سلاح النفط في مواجهة الدول المستهلكة، ولعل ترويج مثل هذا التصور، يجعل دول أوبك في موقع من يحاول إثبات حسن النوايا، حتى من خلال تقديم تعهدات تفوق طاقاتها الإنتاجية.

كتب مجدي عبيد