شهد عام 2004 عودة لحالة الاستقرار في الأسواق المالية وأسواق الائتمان مع تحسين بيئة المخاطر عالمياً، مما كان له أثر واضح في تقليص الخسائر التي تعرض لها مقدمو خدمات الضمان. وقد حققت عمليات الاكتتاب نمواً ملحوظاً مقارنة مع معدلاتها المنخفضة التي سادت في الأعوام القليلة الماضية وشهدت نشاطاً واضحاً في الأسواق الناهضة مثل الصين والبرازيل والمكسيك مستفيدة من ارتفاع معدل النمو العالمي وتنامي حركة التجارة الدولية وتحسن المناخ لأداء الأعمال .
مما زاد من الطلب على الضمان لتحييد المخاطر التجارية خاصة في عمليات ضمان ائتمان الصادرات. وقد تزايدت أهمية العمليات للمديين المتوسط والطويل، رغم ضآلة حجمها مقارنة مع عمليات المدى القصير، وتعززت آليات ونظم وأساليب إدارتها ومن ضمنها إدخال اعتبارات متعلقة بالبيئة والاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية ومحاربة الرشوة وتعزيز الشفافية وتعميق العمل بالمعايير المهنية العالية.
وقد تحسن خلال عام 2004 سوق ضمان المخاطر السياسية بشكل لم يشهده منذ فترة خاصة في النصف الأول من العام. وما زالت المخاطر السياسية المرتبطة بالتحويل تحتل جزءاً مهماً من هذا السوق، وتزايدت المخاطرة لجهة تقلبات أسعار الصرف في القطر المضيف للاستثمار. كما أن الاضطرابات السياسية والعنف ما زالا يشكلان خطراً رئيسياً مع تزايد الأنشطة المرتبطة بالإرهاب وكذلك حالات النزاعات الداخلية مما وسع من نطاق تغطية هذه المخاطرة.
وقد تزايد الطلب على ضمان المخاطر ضد الإرهاب الذي شمل مخاطر تدمير الأبنية وانقطاع العمل في المشروع أو تأخير البدء في التنفيذ وخاصة في الدول المناهضة في جنوب شرق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. ومع تزايد تحرير الاقتصادات وفتح الأسواق وقوة حركة التجارة والاستثمار أصبحت الأزمات أكثر قابلية للعدوى والانتشار
واختلفت نوعية المخاطر السياسية المغطاة فانبثق خطر جديد يدعى المصادرة غير المباشرة أو الزاحفة والذي ينبثق من تدخل الحكومة من خلال التلاعب بنظام الضرائب أو تغيير القوانين أو منع الدخول لقطاع ما أو اتخاذ إجراءات أخرى تترتب عليها نتائج مماثلة لما يترتب على مخاطر المصادرة أو التأميم.
كما تزايدت أهمية ضمان المخاطر السياسية في المناطق التي خرجت من نزاعات دامية طويلة ودمار كبير أحاق بها والتي تحتاج إلى جهود إعادة إعمار مكثفة مما يجعل عناصر الأمن والأمان والإسراع بإصلاح السياسات الاستثمارية وإرساء قواعد البيئة التشريعية القانونية وتحديد الفرص الاستثمارية الواعدة ذات أهمية كبيرة لجذب الاستثمار المحلي والخارجي.
وتبدأ خدمة ضمان المخاطر السياسية عادة في هذه المناطق التي تعرضت لنزاعات طويلة في قطاع المصارف والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز الثقة بجدية جهود (إعادة الإعمار) وتلعب هيئات الضمان الحكومية دوراً مهماً في قطاع ضمان المخاطر السياسية للمدى المتوسط والطويل مع أطراف دولية وإقليمية أخرى بينما تنشط هيئات الضمان الخاصة في عمليات الضمان للمدى القصير.
أما المخاطر التجارية فقد ارتفعت في عدد من الأسواق الأوروبية بتأثير انخفاض الإنفاق الاستهلاكي وتأثير ذلك على تجارة التجزئة مع ارتفاع أسعار النفط لمستوى تجاوز 50 دولاراً للبرميل وتأثير تفاقم عجز الموازنة الأميركية على أسعار الفائدة والأسواق المالية وتراجع سعر صرف الدولار بنسبة 25% مما قلل من القدرة الشرائية وأضعف قيمة الاحتياطيات الرسمية وخاصة لدى الدول الناهضة وأثر على حجم القروض المصرفية التجارية وزاد حالات تعثر السداد.
واستعاد سوق إعادة التأمين جزءاً كبيراً من نشاطه عام 2004 بعد أن شهد خلال الفترة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأزمة الأرجنتين نقصاً في القدرة الاستيعابية وتشدداً في شروط تجديد اتفاقيات إعادة التأمين، متأثراً بتحسن السوق الاكتتابية الأولية وعودة الثقة بتجديد اتفاقيات إعادة التأمين للمدى القصير (حتى ثلاث سنوات) وان لم يكن بالزخم نفسه قبل أعوام مضت مع استمرار سياسة الانتقائية في الدخول في العمليات
وفق الحالة ومدى حصافة الطرف المكتتب خاصة وان المخاطر تركزت في بعض الأسواق والقطاعات «قطاعي التجزئة والانشاءات» واستمر الحذر يشوب عمليات المدى المتوسط خلال العام. وتنامت مشاركة الهيئات الخاصة في عمليات ضمان ائتمان الصادرات للمدى القصير الى جانب الوكالات الحكومية، وكذلك زادت أهمية المصارف في الأنشطة التمويلية والإقراضية ومساهمتها في توفير احتياجات المستثمرين والمصدرين منفردة أو بالمشاركة مع تجمعات بنكية أخرى،
وقد تعزز التوجه لتكوين شراكات وتعاون على مستوى تبادل المعلومات الائتمانية والقطرية، وتحليل الاتجاهات والدخول في عمليات تمويل مشترك لتوزيع المخاطر في الأسواق عالية المخاطرة. وكذلك تنامي دور وسطاء التأمين في عمليات الإعادة والإفادة من الخبراء الخارجيين في توفير المشورة الخاصة بالجوانب الفنية أو التسويقية أو التفاصيل المتعلقة بالنقل والتوزيع وخلافه حسب طبيعة المشروع خاصة للعمليات الضخمة.
وشهد سوق الضمان اهتماماً متواصلاً بتطبيق معايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والشفافية والإدارة الرشيدة التي أصبحت معايير متكاملة تدخل في عملية تقويم صلاحية المشروع للضمان، وقد وضعت مؤسسة التمويل الدولية معايير بيئية واجتماعية للمشروعات في إطار ما يعرف بمبادئ الايكويتور عام 2003 كإطار مرجعي اختياري لاستخدام المؤسسات المالية في تقييم الآثار البيئية والاجتماعية للمشاريع التي تتجاوز كلفتها 50 مليون دولار،
وقد بلغ عدد المؤسسات التي استفادت من معايير الايكويتور حتى نهاية عام 2004 (27) مؤسسة مالية ومصرفية، وتعتبر الوكالة الدانماركية لضمان ائتمان الصادرات أول هيئة ضمان تطبق هذه المعايير منذ مايو 2004. ومع ذلك تلقى هذه المعايير اعتراضاً من قبل مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالقضايا البيئية،
وكان البنك الدولي قد وضع معايير بيئية واجتماعية متشددة للمشاريع التعدينية بعنوان مراجعات الصناعات الاستخراجية مما أثر على تمويل مشاريع النفط واستخراج الفحم، والزامها بأفضل الممارسات المرتبطة بهذه المعايير وكان تم أيضاً إصدار مبادئ الشفافية للصناعات الاستخراجية عام 2002، ويبين الإطار التالي أهم ما تنص عليه مباديء الايكويتور.
واعتبرت منطقة الشرق الاوسط الانشط في ضخامة المشاريع التي تتطلب تمويلاً استمراراً للنشاط الذي بدأ مطلع التسعينات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات وتكوين الشراكات الحكومية ـ الخاصة للدخول في مشاريع محطات توليد الكهرباء الخاصة،
وفي مجال تمويل وضمان التجارة مدعوماً بمتانة الوضع المالي والسيولة التي توفرها الإيرادات النفطية، وقد تضافرت جهود المؤسسات المالية التجارية العربية والإسلامية لتمويل مثل هذه المشاريع الضخمة باستخدام الأدوات المتاحة من سندات مشاريع وتمويل ائتمان صادرات وصكوك إسلامية،
وسيشهد قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به في دول الخليج العربي احتياجات تمويلية تقدر بنحو 34 مليار دولار خلال العامين المقبلين. كما تحتاج ليبيا الى نحو 30 مليار دولار لتمويل مشاريع في قطاعي النفط والغاز خلال السنوات الخمس المقبلة، وقد تم التوقيع على تمويل مشروع «قطر غاز 2» بقيمة 6. 7 مليارات دولار في نهاية العام.
ورغم ان عمليات الضمان في الدول العربية تتركز في المدى القصير الذي تحظى معظم الدول العربية فيه بسجل سداد جيد، فإن عمليات المدى المتوسط يتوقع لها الزيادة، وقد عاد بنك التصدير والاستيراد الأميركي الى نشاطه في ليبيا بعد رفع الحظر الاقتصادي عنها من قبل الولايات المتحدة الأميركية في نوفمبر 2004 مما أتاح استئناف وكالات أخرى من بريطانيا وألمانيا وايطاليا واليابان نشاطها في السوق الليبي.
أما بالنسبة للعراق فإن الاتفاق الذي تم من خلال اتفاقية إطارية وقعت مع 17 وكالة ضمان بقيمة 4. 2 مليار دولار لصالح بنك التجارة العراقي لتمويل عمليات ائتمان الصادرات من دولها للعراق لم ينفذ، كما كان يفترض له، إذ بعد إعلان نقل السلطة الى حكومة عراقية مؤقتة في يونيو 2004 قرر عدد من وكالات الضمان
ومنها وكالات من بريطانيا وسويسرا عدم مواصلة عملياتها في العراق وذلك بسبب تدهور الوضع الأمني، واختلاف القوانين بعد وقف العمل بالقوانين التي صدرت إبَّان حكم سلطة الائتلاف المؤقتة، إلا أن نجاح جهود إعادة جدولة ديون العراق الخارجية في إطار نادي باريس وخارجه قد يكون عنصراً إيجابياً في المستقبل.
وما زالت صناعة الضمان تواجه عدداً من المعوقات في الأسواق الناهضة بسبب عدم شفافية ووضوح القوانين التي تشهد تغيرات متلاحقة تؤثر في مجمل البيئة التشريعية والإجرائية وضعف وضع القطاع المصرفي في بعضها واستمرار حالات التأخير في السداد وطول مدة فض النزاعات التجارية وعدم وجود مكاتب مختصة بالمعلومات الائتمانية والدراسات القطاعية المتخصصة وكذلك نقص الهيئات الرقابية.
ويعتبر اتحاد بيرن ونادي براغ من أشهر المنظمات العالمية في مجال ضمان الاستثمار، ويتكوّن اتحاد بيرن الذي تأسس عام 1934 من 52 هيئة ضمان من 43 دولة وأطراف إقليمية ودولية ووفق أحدث البيانات المتوافرة بلغ حجم عمليات دول الاتحاد في نهاية 2003 حوالي 8. 650 مليار دولار منها 636 مليار دولار ضمان ائتمان صادرات و8. 14 مليار دولار عمليات ضمان استثمار. وبلغت قيمة التعويضات التي دفعت عام 2003 حوالي 16. 4 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة التعويضات المستردة 69. 8 مليارات دولار.
وقد شكلت عمليات ضمان ائتمان الصادرات للمدى القصير نحو 90% من إجمالي عمليات ضمان ائتمان الصادرات عام 2003.أما في ما يتعلق بنادي براغ الذي تأسس عام 1993 وتدخل في عضويته هيئات الضمان من الدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة تمهيداً لانضمامها إلى اتحاد بيرن فقد ارتفع عدد أعضائه إلى 30 هيئة، ويعقد النادي اجتماعات دورية مرتين سنوياً بهدف تبادل الخبرات وترقية الجانب الفني من العملية الاكتتابية.
وقد ارتفع حجم عمليات الضمان لأعضائه إلى 8 مليارات عام 2003 وبلغت قيمة الأقساط المكتتبة 50 مليون دولار (مقارنة مع 35 مليون دولار عام 2002) وفي الوقت ذاته انخفضت التعويضات التي دفعها أعضاء النادي إلى 27 مليون دولار من 43 مليون دولار للفترة ذاتها.
وتدخل في عضوية نادي براغ المؤسسة العربية لضمان الاستثمار والصندوق السعودي للتنمية والشركة المصرية لضمان الصادرات والشركة الأردنية لضمان القروض ووكالة ضمان ائتمان الصادرات العمانية والمؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات. وقد تنامى خلال الفترة الأخيرة بروز المخاطر السياسية المعروفة باسم المصادرة الزاحفة وأصبحت تشكل خطراً يحسب له حساب خاصة لما لها من آثار على مشاريع البنية التحتية.
جدير الذكر أنه لا يمكن وضع تعريف محدد للأفعال التي تمثل المصادرة الزاحفة بل يتطلب الأمر دراسة كل حالة على حدة، وباستقراء عدد من اتفاقيات الاستثمار وقرارات هيئات التحكيم الدولية يتضح أن أهم أشكال المصادرة غير المباشرة أو الزاحفة تتمثل في اتخاذ القطر المضيف للاستثمار إجراءات انتقائية لها نفس تأثير مصادرة ملكية المشروع من المستثمر وحرمانه من حقوقه،
كما تشمل أيضاً المخاطر المرتبطة بتعقيدات البيروقراطية والإجراءات المطولة التي تؤثر سلبا على حقوق أصحاب المشروع، وأخيراً المخاطر المرتبطة بتفشي الفساد الذي يقف عقبة أمام حقوق الملكية الخاصة ويؤدي إلى خسائر تتكبدها الشركات الأجنبية تستوجب التعويض من جهة الضمان إن تنبه لها الطرف المستثمر،
ومن هذه الإجراءات الزام الشركة الأجنبية أو المستثمر برفع الأجور فوق المعدلات المتفق عليها مما يجعل المشروع غير ذي جدوى لإتمامه، أو مصادرة الأرض التي عليها المشروع بدعوة أنها أرض مقدسة أو لها وضع خاص، أو بسبب المحسوبية التي تتمثل في إلغاء مورد طبيعي سبق أن منح للشركة الأجنبية لصالح أحد المقربين أو لمن دفع رشوة أضخم.
أو عدم احترام اتفاقية شراكة مسبقة «مشروع مشترك» سبق أن عقدت بين القطر المضيف والمستثمر الأجنبي، ولا يتسع المجال لذكر جميع أشكال المصادرة غير المباشرة أو الزاحفة، غير أن الفقه القانوني الحديث بدأ يتجه نحو وضع معايير محددة يمكن عن طريقها الاهتداء إلى وجود هذا النوع من المصادرة من عدمه في أي إجراء تتخذه السلطات نحو المستثمر أو الشركة الأجنبية.
