حولت عملية الاعتقالات لقادة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي نفذتها لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري السوق المالية والنقدية في بيروت إلى ما يشبه أيام العطلة حيث التداولات في أدنى مستوياتها نتيجة انعدام العرض والطلب بسبب أجواء الحذر التي سادت البلاد منذ صباح الثلاثاء.

وبدأ الحذر مع سفر مجموعة من المسؤولين السياسيين والقيادات التي ذكر أنها تقع ضمن لائحة المهددين بالاغتيالات من وزراء ونواب إلى باريس دفعة واحدة عشية تنفيذ مداهمات منازل القادة المشتبه بهم، الأمر الذي زاد من حال الحذر والترقب في الأسواق المالية والتجارية.

ودفعت هذه الأجواء السلطات المالية إلى التريث في تنظيم إصدار سندات اليورو بوند بقيمة 500 مليون دولار لتأمين تمويل بعض المستحقات حتى نهاية العام والمقدرة بحوالي 700 مليون دولار وهي استحقاقات أساسية سواء بالنسبة لتمديد آجالها عن طريق حامليها أو استبدالها بإصدارات جديدة وبفوائد قد تكون مختلفة أي أكثر ارتفاعا نتيجة التداعيات السياسية والأمنية الحاصلة.

وبات واضحاً أن التطورات الأخيرة عطلت جلسة مجلس الوزراء وزادت من تأخير عمليات التعيينات الإدارية والأمنية بفعل اتساع الهوة بين أهل السلطة وتحديدا بين فريقي رئيس الجمهورية إميل لحود ورئيس الحكومة فواد السنيورة حيث حوصر الأول بقرارات توقيف قادة الأجهزة الأمنية التي كانت تابعة له.

هذه الأمور مجتمعة ترجمت بشكل بارز وواضح في السوق المالية حيث التراجع القياسي لتداولات البورصة لجهة حجم وقيمة التداولات، وهو أمر انعكس على كل الأسهم خصوصا سهم سوليدير الذي كان الطلب عليه هذا الأسبوع لا يقارن مع الأسابيع الماضية. أما حركة سوق القطع فقد ترجمت خلال اليوم الأول للاعتقالات بتسجيل بعض الطلب البسيط على الدولار وارتفاع أسعار التداول من 5. 1503 ليرات إلى حدود 1507 و1508 ليرات

ثم ما لبث ان عاد خلال الساعات الأخيرة التداول إلى 1503 ليرات وهو السعر الذي أعلن مصرف لبنان أنه يتدخل شاريا على مستوياته.وقالت مصادر مصرفية ان مصرف لبنان تدخل بائعا لكمية ضئيلة(حوالي 5 ملايين دولار) خلال يوم الثلاثاء قبل أن تعود السوق إلى الحذر الكلي طوال الأسبوع من تسجيل أي حالات عرض أو طلب مما جعل المصرف المركزي متفرجا وكذلك المصارف التي كانت تضطر أحيانا لعرض الدولار الفائض لديها عن النسبة المسموح بها من حجم الودائع.

أما سعر فائدة الانتربنك من يوم ليوم على الليرة اللبنانية فقد ارتفعت من 5,3 في المئة إلى 4 في المئة اعتبارا من يوم الثلاثاء وقد استمرت طوال أيام التداولات التي كانت شبه جامدة بما يشبه ايام التعطيل على حد قول مرجع مصرفي كبير.ويأتي هذا التراجع في الوقت الذي تعمل فيه وزارة المالية على تحضير مشروع قانون موازنة العام 2005 لإقراره على سبيل التسوية باعتبار أن العام 2005 لايزال من دون موازنة عامة

وأن الإنفاق يتم على أساس القاعدة الاثني عشرية وبات لزاما على الحكومة تقديم موازنة ولو من باب الاحتساب المحدد للنفقات والإيرادات وتحديد نسبة العجز مع الإشارة هنا إلى أن النفقات ارتفعت عن المقدر لها ما يزيد على 1400 مليار ليرة نتيجة عجز الكهرباء بسبب ارتفاع أسعار المحروقات إضافة إلى النفقات الخاصة بالاستهلاكات والضمان والمقاولين والمستشفيات التي زادت بشكل ملحوظ. إلى ذلك،

فإن العائدات الضريبية وغير الضريبية تراجعت بسبب تراجع الاستهلاك من جهة وتراجع العائدات من رسوم البنزين نتيجة سياسة الدعم وتثبيت سعر البنزين مما أفقد الخزينة القسم الأكبر من إيراداتها. وقد أكد الوزير ازعور أنه أنجز الموازنة وسيحيلها قريبا إلى مجلس الوزراء بعدما تم احتساب النفقات الإضافية.

والموضوع الأهم بالنسبة للقطاع المصرفي في هذه هو التسويات للديون السابقة المشكوك بتحصيلها إضافة إلى موضوع ضرورة تسييل العقارات المصرفية المأخوذة لقاء ضمانات أو استيفاء لديون ويقدر عدد هذه العقارات بحوالي الألف عقار للمصارف إضافة إلى حوالي 800 عقار لدى مصرف لبنان الذي يسعى أيضا إلى تسييل هذه العقارات المأخوذة لقاء ديون وتسهيلات للمصارف المتعثرة سابقا وآخرها كان بنك المدينة وشقيقه الاعتماد المتحد

حيث تم وضع اليد على ما يزيد على 480 عقارا للمساهمين والمدينين لتغطية الودائع. فعلى صعيد العقارات المتملكة من المصارف استنادا للمادة 153 فهي تبلغ في نهاية يوليو من العام 2005 ما قيمته 2131 مليار ليرة أي حوالي المليار و420 مليون دولار. وقد كانت العقارات في نهاية العام 2004 حوالي 2126 مليار ليرة أي ما يوازي حوالي المليار و417 مليون دولار، وفي نهاية العام 2003 حوالي 2101 مليار ليرة أي ما يوازي حوالي المليار و400 مليون دولار.

اللافت في الأمر أن نمو العقارات المأخوذة لقاء تسويات مع المدينين أي استناداً للمادة 154 بلغت حتى نهاية يوليو 2005 حوالى 790 مليار ليرة أي ما يوازي 526 مليون دولار مما يرفع إجمالي قيمة العقارات المملوكة من القطاع المصرفي إلى حوالي 1946 مليون دولار مع الإشارة إلى أن المصارف ملزمة بإنجاز حوالي 20 في المئة من التسويات قبل نهاية العام 2005،

ومن ثم ملزمة بتسوية الديون المشكوك بتحصيلها بنسبة 50 في المئة قبل منتصف العام 2006، بعدما تم تمديد مهلة التعميم الخاص بالتسوية إلى نهاية العام 2006 بدلا من نهاية العام الحالي بسبب الظروف الاقتصادية العامة وعجز المؤسسات عن الإيفاء والمصارف عن إتمام التسويات.

أما بالنسبة للعقارات فيؤكد حاكم المصرف المركزي أن قيمة هذه العقارات تقدر بحوالي 700 مليون دولار وهو يقوم بتسوية أوضاعها وبيعها وفقا للقانون، وهذه العقارات مأخوذة من المصارف التي عانت صعوبات ولقاء توفير السيولة من قبل مصرف لبنان للمصارف التي تم تملكها أو وضع اليد على ممتلكاتها بسبب التعثر والتي قام المصرف المركزي بتأمين السيولة لها لدفع ودائع المودعين.

بمعنى آخر أن قطاع المصارف ومصرف لبنان يملكان عقارات قيمتها حوالى 6. 2 مليار دولار وهي عقارات يمكن من خلال تسييلها أن تؤمن فرصاً أكبر للتجار والقطاعات الإنتاجية للتسليف ولتحريك العجلة الاقتصادية. على صعيد حركة بورصة بيروت فقد كانت هي الأكثر تأثرا بالتطورات الأمنية والسياسية، وقد ظهر التراجع في التداولات اليومية منذ اليوم الأول للاعتقالات وحتى قبل ذلك.

إلا أن سهم سوليدير بقي مدافعا عن أسعاره عند حدود 12 دولارا برغم ضعف التداولات في حين سجل سهم بنك بيبلوس بعض التحسن نتيجة ارتفاع الطلب عليه وبعدما كان تراجع مع بداية الأسبوع. ويكفي التوقف عند التداولات لبعض الأيام المترافقة مع التوقيفات لقادة الأجهزة الأمنية للاستدلال على الجمود الذي أصاب الأسواق والأسهم بشكل عام.

فقد بلغ حجم التداولات يوم الاثنين ما مجموعه 58 ألفا و794 سهما قيمتها حوالى 8. 511 ألف دولار وقد اختصرت التداولات فقط على سهمي سوليدير بفئتيه وسهم بنك بيبلوس العادي وسط تحسن طفيف لسهم سوليدير وتراجع جزئي لسهم بيبلوس بنسبة واحد في المئة.

ولم يكن يوم الثلاثاء أفضل من سابقه بكثير حيث بلغ حجم التداولات حوالي 156. 785 دولارات لحوالى 51 الفاً و835 سهماً وسبب التحسن هو تسجيل طلب على شهادات إيداع بنك لبنان والمهجر بما قيمته 215 ألف دولار لحوالى 500 سهم، إضافة إلى الطلب على سوليدير بحوالي 515 ألف دولار لحوالى 43 ألف سهم تقريبا.

مع ذلك، فقد تراجع سهم سوليدير بفئتيه بمعدل 75. 2 و87. 1 في المئة، وتراجع شهادات الإيداع لبنك بلوم بحوالي النصف في المئة. وكان يوم الأربعاء مثل سابقيه حيث بلغت التداولات حوالي 1. 54 ألف سهم بقيمة 3. 635 ألف دولار وكان سهم سوليدير يحقق الطلب الأكبر برغم ضعفه ليحافظ على سعره فوق هامش 12 دولارا.

بيروت ـ «البيان»