أجريت صباح وبعد ظهر أمس ثلاث حلقات نقاش في اليوم الأول لندوة نحو ترشيد مسيرة البنوك الإسلامية، حيث تم نقاش ثلاثة مواضيع أساسية وهي البنك الإسلامي في فكر الآباء المؤسسين وعرض تجارب عملية للبنوك الإسلامية وتقويم العلاقات بين البنك الإسلامي للتنمية والبنوك الإسلامية والبنوك التقليدية.
ففي الحلقة النقاشية الأولى تحت عنوان البنك الإسلامي في فكر الآباء المؤسسين التي ترأسها الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس رابطة الجامعات الإسلامية، تحدث الشيخ الدكتور محمد علي التسخيري الذي قدم لمحات من تاريخ تجربة المصارف الإسلامية مع التركيز على التجربتين الصدرية والإيرانية وبدأ الحديث عن موقف الإسلام من البنوك الربوية ـ كما يبدو ـ مع بداية القرن العشرين بعد تأسيس عدد من البنوك الاجنبية في مصر وربما كان علماء الأزهر السباقين في هذا المجال.
ولكن الذي يبدو ان دراسات تقديم البديل بشكل تخصصي بدأت في شبه القارة الهندية في الأربعينات من القرن المذكور، حيث بدأ كتاب متخصصون يهاجمون عنصر الائتمان وخلق الودائع الذي تقوم به البنوك الربوية ويدعون إلى المشاركة في الأرباح والخسائر ذ1َّ ومنهم الأستاذ قريشي، والأستاذ نعيم صديقي والأستاذ محمود احمد والأستاذ المودودي والأستاذ محمد عزيز والأستاذ إرشاد احمد.
وأضاف: لعلي لا أجانب الواقع إذا ذكرت ان الحاجة الاجتماعية والتغيرات السياسية المتمثلة في قيام دولة باكستان الإسلامية في أواخر الاربعينات شكلت جواً مناسباً لقيام تلك الدراسات الرائدة رغم كونها ناقصة من حيث الطرح الجامع، وابتلاء بعضها بعدم الدقة في فهم بعض العقود كعقد المضاربة، وهو ما يشير اليه الدكتور نجاة الله صديقي. الذي يأسف أيضاً لعدم قيام الدكتور عبدالهادي غنمه بنشر كتابه الكامل الذي وعد به،
بعد ان ركز في دراسة له عام 1986م على عملية إصدار الأسهم العادية للتمويل طويل الأجل والصناديق المشتركة للتمويل قصير الأجل، وهي خطة لقيت قبولاً عاماً بتطويرها بعد ذلك.والملاحظ ان الكتاب بعد مرحلة الاربعينات دخلوا في نقاش قوي حول (المضاربة) وهل تصلح ان تكون محوراً لقيام نظام مصرفي إسلامي متحرك عصري.
* المصرفية الإسلامية في فكر الآباء
أعقب ذلك ورقة الدكتور جهاد صبحي القطيط من قسم الاقتصاد كلية التجارة ـ جامعة الأزهر التي كانت بعنوان المصرفية الإسلامية في فكر الآباء وقال فيها: شهد العالم خلال القرن الماضى صحوة إسلامية شاملة على الحد الذي أصبحت فيه حتمية الحل الإسلامي لكل معضلات الإنسانية المستعصية، قضية من القضايا التي يتفق عليها جميع العلماء والمفكرين المسلمين.
وقد أمكن بفضل اللَّه وتوفيقه ثم جهاد علماء ودعاة مخلصين التأكيد العلمي والعملي لقضية التطبيق الإسلامي وصلاحيته وقدرته على تقديم الحل السليم للمشاكل المستعصية، ومن أهمها الحل الإسلامي للمشاكل الاقتصادية وفى مقدمتها تحرير اقتصاد الشعوب الإسلامية من الربا.
كما تطرق إلى المفاهيم الأولى للمصارف الإسلامية قائلا: لقد حاول الرعيل الأول من علماء وفقهاء الفكر الاقتصادي الإسلامي إيجاد البديل الإسلامي للبنوك الربوية، وبذلت العديد من الجهود في هذا الشأن وظهرت تسميات مختلفة لهذا البديل منها: بنك بلا فوائد. البنك اللاربوي. البنك الإسلامي. بيت التمويل الإسلامي. دار المال الإسلامي.
ولقد وجه إلى التسميات السابقة بعض الملاحظات ولاسيما لفظ «بنك» لأنها كلمة ليست لها أصل في اللغة العربية، ولقد استقر الرأي على تفضيل كلمة »مصرف إسلامي« وتأسيساً على ذلك التزم معظم مؤسسي المصارف الإسلامية بذلك الاسم.وقرأ بعض الأفكار الأولى للمصرفية الحديثة: تأسيساً على حرمة الربا،
وعلى حقيقة أن الفائدة هي عين الربا، وإيماناً باستحالة أن يكون فيما حرمه اللَّه سبحانه وتعالى شيء لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، قامت المصرفية الإسلامية. وتمثلت البداية في الدعوة إلى التحرر الاقتصادي تدعيماً للاستقلال السياسي، بالعودة إلى الهوية، وتطبيق شرع اللَّه والالتزام بأحكامه في مجال المال والمعاملات. مرت الأفكار الأولى للمصرفية بعدة مراحل.
* البنك الإسلامي في فكر الآباء المؤسسين له
وقدم بعدها محمد احمد عز الدين ورقة حول البنك الإسلامي في فكر الآباء المؤسسين له «أهم الأفكار والنماذج حول تقديم البديل للبنوك التقليدية» من وجهة نظر إسلامية، مبينا أنه رغم أن جذور الدعوة إلى الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في مجال المال والمعاملات في العصر الحديث قد ظهرت منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد إقبال وابن باديس ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا والمودودي وسيد قطب، حيث بينوا أن أكثر ما يعانيه الفرد المسلم هو ذلك التناقض بين عبادته ومعاملاته وأكدوا على حرمة الربا.
ورغم ان هذه الدراسات قد قدمت تمهيدا فكريا لإمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال المعاملات إلا أنه يمكن القول أن الجهود الفكرية منذ أن بدأت البنوك التقليدية نشاطها في البلاد الإسلامية وخلال قرن من الزمان لم تتعد التأكيد على حرمة الربا والاختلاف أحيانا على حكم التعامل مع البنوك التقليدية وظل العديد من الفتاوى والمؤتمرات والكتب والمقالات تدور في هذه الدائرة دون أن تقدم حلا بديلا.
* التعاون فيما بين البنوك الإسلامية والتقليدية
وفي جلسة النقاش الثالثة قدم الدكتور أحمد سالم محمد من وزارة المالية ـ جمهورية مصر العربية، ورقة التعاون فيما بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية قائلا: بمتابعة الوضع على مستوى المجتمعات يلاحظ وجود شرائح من المجتمع تتمتع بالفوائض وبالمدخرات،
وهناك الشركات والمنظمون ورجال الأعمال الذين يحتاجون لهذه المدخرات لتنمية الإنتاج أو لأغراض الاستثمار ـ وقد أسفر التطور الاقتصادي عن تحول البنوك التقليدية والإسلامية إلى مؤسسات اقتصادية تقدم الخدمات لقطاع الأعمال، شاملا مراجعة دراسات الجدوى اللازمة لسلامة قرارات الاستثمار والإنتاج، وتوفير التمويل اللازم للاستثمار أو لتمويل عمليات الإنتاج والتسويق، وتوفير ما يلزم من ضمانات وعملات لتسوية المعاملات مع الدول المختلفة.
وطبقا للأصول المصرفية لا تقوم البنوك بالإقراض أو منح الائتمان إلا بعد التحقق من سلامة دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لأوجه الاستثمار، ومن الجدارة الائتمانية لعملائها ـ حتى أصبح التحقق من سلامة دراسات الجدوى ومن قدرة المشروع على الوفاء بخدمة قروضه أهم وأجدى من الضمانات العينية بالنسبة لتأمين استرداد تكاليف التمويل ـ
وبذلك أصبح البنك التقليدي أو البنك الإسلامي في الاقتصاد المعاصر وسيطاً اقتصادياً أو مضارباً يوكله المودعون في استثمار أموالهم في قطاع الأعمال والمشاركة في التنمية الاقتصادية بعد التحقق من جدوى المشروعات الممولة وقدرتها على الوفاء بأعباء الأموال المستثمرة شاملا العائد المتفق عليه بالتراضي مع المقترضين (في ظل المنافسة القائمة فيما بين البنوك المختلفة).
ومن ناحية أخرى تحجيماً لمخاطر الاستثمار لأطراف المعاملات تراعى البنوك ضمن مصروفاتها تجنيب القدر المناسب من المخصصات لمواجهة احتمالات تعثر المقترضين في أنشطتهم طبقا للأصول المحاسبية والقواعد التي تقررها البنوك المركزية بالنسبة للرقابة على كفاية المخصصات.
وركز د. محمد عبد الحكيم زعير المراقب الشرعي، وأمين هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي في ورقته على واقع العلاقة بين البنوك الإسلامية والتقليدية، قائلا: قد يبدو للبعض أنه لا يجوز للبنوك الإسلامية أن تتعامل بحال مع البنوك التقليدية التي تتعامل بالفائدة،
وقد لا يتصور البعض مطلقا وجود هذا التعامل، وهنا نتساءل: هل يجوز للفرد المسلم أن يتعامل مع غير المسلم كتابياً، كان أم وثنياً، ولكن في حدود ما أحل الله وبحيث لا يخالف شرع الله، وهل تتعامل الدول الإسلامية مع غيرها من الدول غير الإسلامية؟ وهل تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم مع غير المسلمين بالبيع والشراء والإجارة وغيرها أم لا؟
ألم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهونة عند يهودي؟ فما المانع إذن من أن تتعامل البنوك الإسلامية مع غيرها من البنوك التقليدية في المعاملات التي ليست فيها مخالفات لأحكام الشريعة الإسلامية، وعلى أن يكون الحكم والالتزام بالأحكام والمبادئ الشرعية في العقود والمعاملات،
وإن مزيدا من التعاون والتنسيق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية لن يضر التجربة شيئاً بل سيزيدها صلابة ويتعرف غير المسلمين، وكذلك المسلمون الذين يتعاملون بالربا على فكر ومبادئ البنوك الإسلامية عن قرب، ويقفون على حقيقة وإعجاز المنهج الرباني في المعاملات عن طريق التعامل المباشر. وتوجد مجالات كثيرة للتعاون بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية دون التعامل الربوي.
دبي ـ «البيان»