القرار الذي اتخذه «رويال بانك أوف سكوتلاند» في ترؤسه لتحالف يتطلع إلى الاستحواذ على حصة مقدارها 10% من «بانك أوف تشاينا»، يمثل تحدياً جديداً للسير فريد غودوين، الرئيس التنفيذي لثاني أكبر البنوك في المملكة المتحدة.. لقد بنى السير فريد شهرته الواسعة، بتحويله رويال بانك أوف سكوتلاند، الكائن في أدنبره، والذي كان منذ سنوات ست، لا يرتقي إلى المرتبة 300 ضمن البنوك العالمية، إلى سادس أكبر بنك من حيث الرسملة السوقية.
لقد قفز بانك أوف سكوتلاند إلى فئة اللاعبين الكبار منذ خمس سنوات، عبر استحواذه على منافسه اللندني «نات ويست» بمبلغ 22 مليار جنيه، والذي كان يعادل ثلاثة أمثال حجم صاحب العطاء.وقد اتسمت ثلاث سنوات من عملية الاندماج، باقتطاع 18 ألف وظيفة، وإدرار أرباح تراكمية بلغت 5. 5 مليارات جنيه، بحيث اطلقت عليه مجلة «فوربيس» رجل أعمال العام 2002، لما أسمته الاستحواذ «الخارق في استراتيجيته».
لكن كيف لبراعات السير فريد الاستحواذية والتوفيرية، أن تنسحب على عالم البنوك الصيني المسربل بالغموض، والذي هزته سلسلة من فضائح الفساد الداخلي؟ وما الذي يمكن لزملائه الجدد أن ينتظروه، عند تسلمه ـ كما هو متوقع ـ للمقعد الذي سيعرضه التحالف في مجلس إدارة أكبر البنوك الصينية؟
نشأ فريد في بيئة متواضعة، لكن ليست معدمة، في بيسلي. وهي بلدة صغيرة اشتهرت يوما بأنسجتها، تقع على بعد أميال قلائل من غلاسكو. وبعد دراسته للقانون في جامعة غلاسكو، أصبح محاسباً في «توشيه روس» ثم شريكا وهو لما يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره،
وما لبث أن صار ضابط العمليات الأول في التصفية العالمية لبنك الاعتماد والتجارة الدولي، وهو البنك الشرق أوسطي الذي انهار منذ عشر سنوات، بعد أن ناء تحت وطأة الديون التي بلغت 13 مليار دولار في عام 1995، ستوظفه ناشونال بانك أوف استراليا، في منصب نائب الرئيس التنفيذي، في كلايسديل، فرعه الاسكتلندي وما إن هو إلا عام، حتى أصبح رئيسه التنفيذي. وفي العام الذي تلاه أصبح مسؤولا عن يوركشير. فرعه في انجلترا.
وقد أنعم عليه العام الماضي برتبة فارس تقديراً لخدماته البنكية، وأوكلت إليه رئاسة فريق المهام الخاصة الحكومية، التي أنيطت به مهمة التحقيق في أعمال الاتحادات الائتمانية، وبرنامج «نيوديل» لخفض البطالة عند الشباب. اتسمت الأجواء، داخل رويال بانك أوف سكوتلاند، بالحساسية، خلال المحادثات مع «بانك أوف تشاينا» مخافة ان يعلق في أذهان المستثمرين،
بأن دافعه هو خلق بنك دولي، لا تحقيق الربح لمساهميه، وبالفعل وكما أشار أحد المحللين، في وقت مبكر من هذا الشهر، إلى أن المستثمرين ظنوا بالسير «فريد» الظنون، وحسبوه أكثر حرصاً على الحجم منه إلى القيمة. ومن شأن ذلك تفسير المعاناة التي تكبدها البنك في قوله هذا الأسبوع، إنه لن يزيد من حصته الخمسة في المئة في بانك أوف تشاينا.
والذي سيدفع نظيرها 6. 1 مليار دولار. أضف إلى حيازته على ضمانات وحمايات غير مسبوقة، من جانب بكين لتحصين استثماراته من أي ترد مفاجئ في تمويلات دائن الدولة، والذي من المتوقع تخصيصه العام المقبل. وكان مساهمو رويال بانك أوف سكوتلاند، مارسوا في خلواتهم الخاصة، الضغوط تجاه عدم الإغراق في شراء حصص عالية أو إصدار مزيد من الأسهم،
وقد شعر هؤلاء بالارتياح، لدى إظهار فريد لحساسيته الشخصية تجاه مخاوفهم، ومن الأوجه التي يمكن لرويال بانك أوف سكوتلاند المساهمة فيها بصورة فعالة، مساعدة بانك أوف تشاينا، في بسط سيطرته على فروعه المحلية البالغة 300. 11 المنتشرة في التراب الصيني.
وكغيره من البنوك الصينية، فإن كل فرع من فروع البنك الصيني، يدار بإدارة ذاتية بوصفه كياناً مستقلاً من الناحية الفعلية وقد بذلت الإدارة المركزية المستحيل للسيطرة على محيطها والتصدي لظاهرة استشراء الفساد.وكانت قدرة البنك على استغلال اقتصاديات التوسيع الحجمي، التي وفرتها صفقة نات ويست، تعود إلى تسعينات القرن الماضي، عندما أقدم البنك على إعادة هيكلة عمليات الأفراد البنكية،
وذلك عن طريق مركزة العمليات التي كانت تنفذها في السابق الفروع المنفصلة، وقد لجأ البنك منذ خمس سنوات إلى إنشاء قسم «تصنيعي» يشار إليه في الغالب «بغرفة المحركات» والذي يعمل بمنزلة العمود الفقري للمجموعة، موفراً تقنية المعلومات ومعالجة البيانات، والخدمات الهاتفية، والدعم العقاري والشرائي للأقسام التي تتعامل بصورة مباشرة مع العملاء.
ومن نافلة القول إن عمليات رويال بانك أوف سكوتلاند، في مجالي التنظيم الحسن، ومركزية الإدارة، في استحواذاته الأخرى، اجتذب اهتمام بانك أوف تشاينا. فالبنك الصيني تحدوه الرغبة الأكيدة في استيراد المعرفة والخبرة في هذين المجالين، فضلاً عن بنيته التحتية في مجال تقنية المعلومات، وتقنيات التسجيل الائتماني والمنتجات ويشار إلى أن بنك الصين، استثمر قرابة 150 مليون دولار في شبكة البطاقات الائتمانية، ويمتلك بنية تحتية قوية في شبكة فروعه، وعلاقات العملاء.
غير أنه ونظراً لنقص خبرته في إدارة المنتجات والمخاطر، فإنه لم يصدر سوى عدد قليل من البطاقات.وفيما يخص رويال بانك أوف سكوتلاند، فإن المسيرة لن تكون أحادية الجانب، فحسبما أشار السير فريد إلى أنه جرى الحديث باستفاضة عن نقل التكنولوجيا إلى البنك الصيني، دون إغفال نقل المعرفة من البنك الصيني حول ممارسته الفعلية للعمل داخل الصين.
ومن جانبه، يرغب البنك الاسكتلندي في إقامة مشاريع مشتركة خاصة ببطاقات الائتمان وإدارة الثروات، والتي قد تكون المرة الأولى التي تتخذ فيها الأخيرة موطئ قدم في الصين، في ضوء وجود عدد كبير من الصينيين النافذين، المتعطشين للمنتجات الاستثمارية.ومن جانبه يأمل السير فريد في إطلاق المشاريع فورياً، ويقول إن هناك عدة أوجه للتعاون التي تستطيع البنوك وترغب في مباشرتها.
ويمكن أن يكون حقل التمويل التجاري الأول، لانتفاء الحاجة لمشروع مشترك، والذي يعتبر غير متاح من الناحية الفنية في الصين، ومن الراجح أن يكون بنك بس، في خضم أول مشروع مشترك من هذا القبيل بعد حصوله على الموافقة من جانب المنظمين الصينيين، وقال السير فريد إن نجاح بس، سيكون مبشراً لمن سيقتفون خطاه.
إلا أن فريد استطرد قائلاً إنه لو أعيق الطريق إلى تلك المشاريع المشتركة من قبل المنظمين الصينيين، فإن ذلك لن يعرقل طموحاته الآسيوية مضيفاً حتى لو لم يتحقق أمان في القيام بمشاريع مشتركة، فإن هناك أشكالاً أخرى للتعاون التي نستطيع من خلالها القيام بأعمال مشتركة، وجني المنافع الاقتصادية.
ترجمة: وائل إبراهيم الخطيب