أكد عبد القادر الكاملي، رئيس مركز دراسات الاقتصاد الرقمي «مدار» ومدير قسم الأبحاث في المركز أن دولة الإمارات العربية المتحدة التي احتلت المرتبة الأولى في تطبيق اقتصاد المعرفة وتوظيف التقنية الرقمية على مستوى المنطقة ما زالت تخطو خطوات كبيرة باتجاه التحول كلية إلى اقتصاد المعرفة.
وأشار إلى أن مدينة دبي الكبرى التي ستكون مكتملة العناصر بحلول العام 2014 ستمثل أنموذجا لعهد اقتصاد المعرفة بفضل البنية الرقمية الضخمة التي ستوفر للمقيمين والسياح ورجال الأعمال كل ما يحتاجونه من عوامل التقدم والخدمات المتفوقة. وأشار إلى أن المستثمر الأجنبي يبحث عن بيئة مستقرة اقتصادياً ينمو فيها الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات جيدة ومستدامة، واقتصاد ديناميكي، ويد عاملة متعلمة وماهرة، ونظام محفز للابتكار، وبيئة قانونية تشجع على الاستثمار، وبنية تحتية متقدمة للاتصالات.
مشيرا إلى أن اقتصاد المعرفة يوفر كل ما سبق، ويلعب بالتالي دوراً جاذباً للاستثمارات الأجنبية.وأوضح الكاملي أن مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) يعمل حالياً مع مجموعة من المؤسسات الأكاديمية والشركات الكبيرة على تأسيس جمعية غير ربحية لاقتصاد المعرفة في البلدان العربية، وتوقع الإعلان عنها أوائل العام المقبل.
ونوه إلى أن الانتقال نحو اقتصاد المعرفة مسألة مطروحة بوضوح في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وانه مطروح على مستوى أدنى في كل من الأردن وقطر، وبلدان عربية أخرى. وأن دولة الإمارات تحتل وفق تصنيف البنك الدولي، المرتبة الأولى بين البلدان العربية، من حيث مستوى الجاهزية للانتقال نحو اقتصاد المعرفة.
ـ ما تعريف اقتصاد المعرفة؟
ـ اقتصاد المعرفة، هو الاقتصاد الذي يستخدم المعارف، بفعالية عالية، في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويتضمن ذلك إنتاج المعارف محلياً، ونقل المعارف العالمية، وتكييفها واستخدامها لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
ـ ما التطبيقات المباشرة لهذا المفهوم وكيف يؤثر على الأداء الاقتصادي للدولة؟
ـ تقول النظريات الاقتصادية الكلاسيكية بما في ذلك المحدّثة منها، أن الإنتاج يرتكز على عاملين أساسيين، هما: رأس المال والعمل، وتعتبر المعرفة والإنتاجية والتعليم والأفكار، عوامل خارجية مساعدة على الإنتاج. أما النظريات الاقتصادية الحديثة، فتعتبر المعرفة بمثابة العامل الثالث الأساسي المؤثر في العملية الإنتاجية. وينجم عن ذلك أن المعرفة تلعب دوراً مباشراً في الإنتاج، فترفع الإنتاجية، ومستوى النمو الاقتصادي، والعائد على الاستثمار.
ـ كيف استطاعت دبي توظيف التقنية الرقمية في مشروع نهضتها الاقتصادية؟
ـ يتم توظيف الموارد والتقنية، وخاصة حلول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دبي وفق رؤية استراتيجية تهدف إلى خلق بيئة متطورة للضيافة والأعمال والمصممة بشكل خاص لتعزيز المشاريع القائمة على المعرفة، وخدمة السياح والمستثمرين في قطاع العقارات.
ومع مواصلة دبي جهودها الحثيثة لتنويع القاعدة الاقتصادية والتركيز على قطاع الخدمات والصناعات الخفيفة بعد النجاح الذي حققته في ترسيخ مكانتها كمركز للتجارة وإعادة التصدير، باتت صناعة الضيافة، في مفهومها الواسع القطاع الأكثر جاذبية للاستثمارات».
وقد تركت أحداث 11 سبتمبر تأثيرات سلبية على حركة سفر العرب واستثماراتهم العقارية وإيداعاتهم النقدية في أميركا الشمالية وإلى حد ما في أوروبا. وتمت إعادة توجيه بعض هذه الموارد الضخمة إلى العالم العربي. ودبي على وجه التحديد مؤهلة للاستفادة من هذه الفرصة لتصبح وجهة بديلة للسياح ومشتري العقارات الفخمة إلى جانب رجال الأعمال من العالم العربي.
أما فيما يخص السياح والمتقاعدين القادمين من دول متقدمة، فقد أثبتت دبي أنها الوجهة الترفيهية الأكثر أمناً والتي توفر القدر الأكبر من الراحة في المنطقة. وتتميز دبي بإطلاق مجموعة من المشاريع الطموحة تعتمد بشكل رئيسي على التقنيات الحديثة مثل تطوير أضخم جزر اصطناعية في العالم وأعلى الأبنية إضافة إلى مشروع دبي لاند وأول فندق فخم تحت الماء في العالم، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى قيد التنفيذ والتي ستشكل جوهر النهضة الاقتصادية الحديثة في دبي.
ـ هل يمكن تصنيف هذا المفهوم بأنه محاولة لتثقيف وأنسنة للاقتصاد الرأسمالي أو الحر؟
ـ الأمر لا يتعلق بأنسنة الاقتصاد الرأسمالي، بل بتوفير نمو مستدام للاقتصاد من خلال استثمار المعرفة في الإنتاج بلا انقطاع. وكنتيجة، تزيد أهمية العمل العقلي والمعرفة التي ينتجها، ما يحول العلماء والخبراء والمفكرين، إلى شركاء لأصحاب رؤوس الأموال، ويحسّن بالتالي من أوضاعهم المعيشية. ويؤدي النمو المستدام للناتج المحلي، في اقتصاد المعرفة، إلى تحسين مستوى دخل الفرد العادي، لكن مستوى التحسن يختلف باختلاف بنية النظام الرأسمالي لكل بلد، وطرق توزيع الثروة القومية فيها.
ـ ما سر الربط بين اقتصاد المعرفة ووسائل الاتصال الحديثة كالانترنت والفجوة الرقمية وغيرها؟
ـ يقوم اقتصاد المعرفة، وفق دراسات البنك الدولي، على أربعة أركان، هي: التعليم والتدريب: يتطلب اقتصاد المعرفة سكاناً متعلمين ومهرة، بإمكانهم إنتاج المعرفة، والتشارك فيها، واستخدامها
ـ بنية معلوماتية تحتية: يتطلب اقتصاد المعرفة توفر بنية معلوماتية تحتية ديناميكية، كالإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة والحواسيب، وذلك لتسهيل التواصل الفعال، ونشر ومعالجة المعلومات؟
ـ حوافز اقتصادية ونظام مؤسساتي: يتطلب اقتصاد المعرفة توفر بيئة اقتصادية وتشريعية تسمح بتدفق المعرفة بحرية، وتدعم الاستثمار في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات، وتشجع الاستثمار المخاطر بوصفه نشاطاً محورياً في اقتصاد المعرفة.
ـ نظم الابتكار: يتطلب اقتصاد المعرفة توفر شبكة تفاعلية تربط مراكز البحوث والجهات الاستشارية والجامعات والشركات التجارية ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تتمكن معاً من امتصاص المخزون المعرفي العالمي المتراكم، وتمثله وتكييفة وفقاً للاحتياجات المحلية، ومن ثم إنتاج معرفة جديدة.
تشير الأركان المذكورة إلى أن توفر نظم الاتصالات الحديثة يعد أمراً أساسياً في اقتصاد المعرفة، لكنه لا يكفي بمفرده. ومن هنا نجد أن الفجوة الرقمية، سواء داخل البلد الواحد، أو بين بلد ما والبلدان المتقدمة، تعيق عملية الانتقال نحو اقتصاد المعرفة.
ـ هل يساهم اقتصاد المعرفة في تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر؟
ـ ما الذي تبحث عنه الاستثمارات الأجنبية؟ عائداً جيداً على الاستثمار، وهذا يتطلب بيئة مستقرة اقتصادياً ينمو فيها الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات جيدة ومستدامة، اقتصاد ديناميكي، يد عاملة متعلمة وماهرة، نظام محفز للابتكار، بيئة قانونية تشجع على الاستثمار، وبنية تحتية متقدمة للاتصالات. اقتصاد المعرفة يوفر كل ما سبق، ويلعب بالتالي دوراً جاذباً للاستثمارات الأجنبية.
ـ ما الدور الذي تلعبه مراكز الدراسات والأبحاث في نشر هذا المفهوم؟
ـ الانتقال نحو اقتصاد المعرفة، هو هدف أساسي لجميع البلدان المتقدمة، كونه يوفر تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، وهذا ما كشفت عنه وشجعته الأوساط الأكاديمية ومراكز البحوث في تلك البلدان. دور الأوساط الأكاديمية ومراكز البحوث في البلدان العربية في التصدي لهذا الموضوع، لا يزال محدوداً، ولذلك قرر مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) التخصص في مجال اقتصاد المعرفة، بهدف مساعدة البلدان العربية في رسم استراتيجيات الانتقال نحو اقتصاد المعرفة.
ويصدر مركزنا سلسلة دراسات حول اقتصاد المعرفة في البلدان العربية، وسبق أن أصدر ثلاثة أجزاء منها حول اقتصاد المعرفة في دبي، وسوف نصدر خلال هذا العام جزأين جديدين من هذه السلسلة، الأول عن الإمارات العربية المتحدة والثاني عن المملكة العربية السعودية.
ـ ما هي الدولة العربية المبادرة إلى تبني هذا الطرح؟
ـ الانتقال نحو اقتصاد المعرفة مسألة مطروحة بوضوح في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وتطرح على مستوى أدنى في كل من الأردن وقطر، وبلدان عربية أخرى. وتحتل دولة الإمارات وفق تصنيف البنك الدولي، المرتبة الأولى بين البلدان العربية، من حيث مستوى الجاهزية للانتقال نحو اقتصاد المعرفة.
ـ لماذا تأخرت بقية الدول العربية؟
ـ لم تتمكن معظم البلدان العربية، حتى الآن، من بناء بنية تحتية متطورة لتقنية المعلومات والاتصالات، ولا تزال نسب انتشار استخدام الحاسوب والانترنت، ضعيفة جداً فيها. وتشترك جميع البلدان العربية، في انخفاض مستوى النظام التعليمي، والضعف الشديد في الإنفاق على البحث والتطوير، وكلها من الأمور التي تعيق الانتقال نحو اقتصاد المعرفة.
ـ لماذا لا يتم إنشاء هيئة أو نقابة على المستوى العربي لدعم هذا الأمر؟
ـ يعمل مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) حالياً، مع مجموعة من المؤسسات الأكاديمية والشركات الكبيرة على تأسيس جمعية غير ربحية، لاقتصاد المعرفة في البلدان العربية، من المتوقع إشهارها أوائل العام المقبل.
ـ هل نحن الآن على وشك التخلص من نظريات الاقتصاد الكلاسيكي التي سيطرت خلال قرنين وتبني المعرفة الإنتاجية والتعليم والرأسمال الفكري ضمن نظرية النمو الجديدة التي ترتكز على العمل والمعرفة بصورة محورية في النظام الاقتصادي الحالي؟
ـ هذا صحيح، فمعظم المخططين الاقتصاديين في البلدان المتقدمة، يتبنون اليوم نظرية اقتصاد المعرفة، التي حلت مكان النظرية الكلاسيكية. وبدأت هذه الموجة تمتد إلى البلدان النامية، لكن وللأسف، فإن معظم البلدان النامية تواجه صعوبات كبيرة في تطبيق هذه النظرية الجديدة، ما يتطلب إرادة سياسية قوية، مدعومة بجهود محلية مكثفة ومساعدات خارجية، للتغلب على هذه الصعوبات.
ـ التكنولوجيا والمعرفة عاملان أساسيان في الإنتاج اليوم، فهل تحول الاقتصاد إلى عملية إنتاج ذهني أكثر منه عضلي؟
ـ تتزايد الأعمال الذهنية يوماً بعد يوم على حساب الأعمال اليدوية، وربما يأتي يوم غير بعيد تقوم فيه الآلات بمعظم الأعمال اليدوية، فيما يتفرغ الإنسان للأعمال الذهنية، فتنشأ ديمقراطية جديدة على غرار ديمقراطية أثينا القديمة، باستثناء أن العبيد فيها ستكون الآلات وليس بني البشر.
ـ من أين تنبع ديناميكية اقتصاد المعرفة وقدرته على التأثير في مختلف نواحي المجتمع المدني؟
ـ لا ينتهي التعلم في اقتصاد المعرفة، بالتخرج من الجامعات، بل هو عملية تستمر مدى الحياة، وقد أعاد مفكرو اقتصاد المعرفة تعريف الأمية، إذا لم تعد برأيهم تتعلق بجهل القراءة والكتابة، بل أصبحت تتعلق بضعف القدرة على التعلم المستدام، فالأمي في اقتصاد المعرفة، هو الشخص غير القادر على التعلم المستمر طوال حياته.
حوار: محمد بيضا

