شهدت فعاليات اليوم الثاني لمهرجان البندقية السينمائي الدولي اهتماماً واسعاً من الأوساط الثقافية والفنية العالمية في تناقل أخبار المهرجان وعروضه المتنوعة، التي شاركت فيها 18 دولة في حضور طاغ للأفلام الأميركية «13 فيلماً»، أنتجت في هوليوود وسواها، وأبرزها فيلم «عمتم مساء وحظاً سعيداً» من إخراج وتمثيل جورج كلوني، الذي خص «البيان» بحوار قصير، لم يخف خلاله طموحه الكبير في انتزاع جائزة «الأسد الذهبي» كأرفع جائزة يقدمها مهرجان البندقية.
وأعلن كلوني أثناء حديثه عن إعجابه الكبير بحداثة مدينة دبي، التي حضر إليها منذ أشهر قليلة لتصوير 30 بالمئة من مشاهد آخر أفلامه.استهلت عروض اليوم الأول بفيلم «الانتظار» للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، حول حياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الأردن وسوريا ولبنان، وعلاقتهم مع «الداخل» المحتل ومنعهم من التواصل مع أهلهم.
ميزة هذا الشريط أنه ليس تقليدياً، فلم يطرح مؤلفه ومخرجه الأمر من زاوية سياسية أو عاطفية، بل مزج بين أسلوبين في تنفيذ شريطه، معتمداً على التسجيلية في إدارة حركة الكاميرا وتركها تؤلف سيناريو الفيلم وحواريات الشريط، انطلاقاً من قصة مخرج فلسطيني، درس الفن السينمائي في أوروبا،
ويعود إلى غزة، فيكلفه «المسرح الفلسطيني الوطني» المزمع بناؤه بدعم من «الدول المانحة بإيجاد ممثلين فلسطينيين، فتقع مفارقات عدة تبدو في ظاهرها كوميدية بينما تنضح بذلك الألم الهائل لحياة الإنسان المشرد وحلمه بالعودة والتواصل مع أخيه المقيم تحت الاحتلال، فالجندي الفلسطيني الذي عاد تحت جناح «اتفاقيات أوسلو»، يفتقد عائلته التي تركها خلفه في مخيمات الشتات،
مثل جميع الفلسطينيين الذين يعيشون حالة انتظار دائمة منذ أكثر من نصف قرن، في موقف مركب بين تراجيدية المسرحية المشهورة «انتظار غودو»، ودرامية قصة تشيخوف «قاووش رقم 6»، فالمخرج مشهراوي قدم رؤى متعددة للإنسان الفلسطيني وهواجسه ورؤاه ومآسية، ضمن تنوع الخبر في فضاء من الانتظار لا ينتهي، ولعل المشاهد الأولى حملت رمزية في الفيلم شفافة ورقيقة، حين يحافظ المخرج العائد إلى وطنه المغتصب،
على حجر في حقيبته، صار عنواناً للفلسطيني في نضاله ضد همجية الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يشهد التاريخ مثلاً له.وقال مشهراوي في تصريحات أمام الإعلاميين: «يراودنا نحن الفلسطينيين شعور بأننا لا نقرر مصيرنا، وأحياناً يبرز أمل التوصل إلى حل ثم يندثر ويبدأ مجدداً انتظارنا، فالانتظار جزء لا يتجزأ من حياتنا.
وأضاف: «إنني شخصياً أمضي الكثير من الوقت في الانتظار على سبيل المثال، اضطررت مرة أن أبقى طوال شهرين في غزة، حيث فرض حظر للتجول، لكن لا يمكن للإنسان أن يبقى حزيناً طوال شهرين، فهو يضحك أحياناً ويمزح ويحاول أن يمضي الوقت بأفضل طريقة ممكنة».
وتطال مسألة اللاجئين مشهراوي في الصميم إذ يقول: «إنني لاجئ في السنوات الثلاث الأخيرة لم أتمكن من العودة إلى منزلي في رام الله «الضفة الغربية». حاولت مراراً ذلك عبر الأردن أو غزة لكن محاولاتي فشلت. وقمت بتصوير هذا الفيلم طوال الفترة التي كنت انتظر فيها العودة إلى منزلي». وقال إن عدد اللاجئين الفلسطينيين يقدر حالياً بأربعة ملايين.
وأضاف: «المخرج السينمائي الفلسطيني يعكس الواقع السياسي لما نصوره في أفلامنا «الاحتلال والحواجز على الطرقات». لكننا في الواقع لا نحاول تحقيق أهداف سياسية، نحاول بكل بساطة أن نروي قصتنا ونكشف نمط حياتنا». وخلص إلي القول إن السينما والفن يشكلان وسيلة جيدة للتواصل وسرد القصص ورؤية واقع الآخرين.
وعرض فيلم مشهراوي الذي انتج بالتعاون مع تلفزيون «ارتي» الفرنسي الألماني في مهرجان البندقية في إطار فئة «جورناتي ديلي اوتوري» والذي سيتنافس مع أفلام أخرى في مهرجان تورونتو «كندا».لكن الفيلم أعجب النقاد والجمهور على حد سواء الذين ضحكوا، وأدمعت أعينهم ووقفوا وصفقوا طويلاً، للفيلم الذي يستحق صاحبه كل التقدير على إنتاج شريط بهذا القدر من البساطة والعمق.
ومن الأفلام المعروضة ضمن المسابقة الرسمية «بروكن باك مونتي» للمخرج الكندي آنج لي الذي قدم حكاية مثيرة تجري أحداثها في أميركا الشمالية، في منتصف القرن الماضي، بين رعاة البقر، وفي منطقة محددة تدعى بروكن باك مونتي، حيث يلتقي الإنسان بالطبيعة الخلابة والخراف والخيول والحيوانات البرية،
لكن المخرج لي لم يترك الأمور تجري على «براءتها» فيقحم رؤى متوترة، خفية، أرادها أن تظهر على أنها جزء من الطبيعة، وهي خلاف ذلك فيضع ما يسمى في السينما «البولار»، أي التوتر، لكنه يستخدمه بشكل خفي ينبع من تصوراته بمعنى أنه أقحم رؤيته الشخصية في قصة طويلة وغير مبررة في إطالتها لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة، أضجرت النقاد والجمهور على حد سواء،
فالعلاقة «الشاذة» بين رجلين يعملان في تلك الجبال وحدهما، لا تلبث أن تتحول إلى ما يشبه الضغط المتواصل الذي يقزز ويفرض اتجاهاً آحادياً، لم يعرف آنج لي كيف يخرج منه، فأدار «كاميرته» ولم يعرف متى يوقفها، فإلى جانب الاستعراضية للمناظر الطبيعية الخلابة التي فرغت من محتواها مع أن تقنياتها وفنياتها ممتازة، ضاعت قصة الفيلم في الدوائر المملة عبر تكرار الحوارات أو الأحداث.
وعلى الأرجح أن الفيلم لن ينال أية جائزة، إلا إذا حدثت «معجزة» ما، وإن وقعت ستوقع لجنة التحكيم في متاهة هي في غنى عنها. حظيت الأفلام الآسيوية في مهرجان البندقية هذا العام، باهتمام خاص، وتم اختيارها بعناية كبيرة خلال سنة كاملة من التحضيرات والمشاهدة والبحث. وتكاد تكون كل الأفلام التي عرضت أو التي ستعرض من النوعية الجيدة وما فوق.
فالأعمال المختارة والتي قدمت في إطار قسم «أسرار وتاريخ السينما الصينية»، أتاحت فرصة للتعرف على هذه السينما المجهولة التي تتضمن أفلاماً لها سحرها الخاص والجميل كما كل شيء هو في الصين عامة. هذا البلد الذي بلغ تعداد سكانه ما يقارب المليار ونصف المليار نسمة.
وقدمت إدارة المهرجان 15 فيلماً منتجة في مراحل زمنية مختلفة من القرن الماضي، بداية من ثلاثيناته وحتى نهايته واستهلت بفيلم للمخرج الصيني المغمور صان يو بعنوان «الشارع الكبير» صور في العام 1934 ويتحدث عن عصابة شوارع تتحرك متأثرة بالحراك، الاجتماعي والسياسي الصيني في ذلك الزمن ويتمتع هذا الشريط بالتعبيرية الجديدة، مع أن الفن السينمائي كان في بدايته، في ظل فقر الامكانات والتقنيات والفنيات. وأعجب الحضور بقدرة المخرج على استنباط توجهات في تلك الآونة.
وضمن القسم ذاته عرض الفيلم الصيني «شارع الملائكة» للمخرج يان موزهي بإنتاج يعود للعام 1937 عن حياة المرأة في الصين. ضمن المفاهيم الميثولوجية وبحثها عن نجاتها من استخدام المجتمع لها في استعباد «ذكوري» يتمتع به الشرق عموماً. وإلى جانب هذين الفيلمين يأتي شريط «الربيع في البلدة الصغيرة لمخرجه فيامو،
في قصة تدور حول المهاجر الصيني وعودته إلى بلدته واختياره أساليب المتعة المتصلة بإشكاليات حياته الاجتماعية، والخصوصية الثقافية للشعب الصيني. والفيلم مدته 99 دقيقة لم تبلغ المئة، لكن مخرجه بلغ مراده في تحقيق تحفة فنية، استطاعت إدارة المهرجان تزويدنا بها.
البندقية ـ حسين قطايا