لم يكن الاقتصاد الأميركي في حاجة إلى مزيد من الضربات في ظل الصعوبات العديدة التي يواجهها منذ وصول الرئيس جورج بوش إلى الحكم منذ نحو خمس سنوات، فعجز الميزان التجاري بلغ مستويات قياسية ومازال يتضخم. وعجز الموازنة اقترب من مستوى 500 مليار دولار والحرب الأميركية في العراق تستنزف حوالي 5. 6 مليارات دولار شهريا. وأسعار النفط تتجه إلى أعلى دون أي مؤشر على اقترابها من مرحلة الاستقرار.

وكان الرئيس بوش يرد على خصومه ومعارضي سياساته الاقتصادية، في ظل كل هذه الأجواء غير المواتية بالحديث عن تحسن معدل نمو إجمالي الناتج المحلي خلال العامين الماضيين ووصوله إلى أعلى مستوى له بين الدول الصناعية الكبرى وتراجع معدل البطالة وتحسن ثقة المستثمرين والمستهلكين في الاقتصاد الأميركي. ولكن جاء الإعصار كاترينا الذي ضرب أربعا من ولايات الجنوب الأميركي على ساحل خليج المكسيك ليوجه ضربة مؤلمة للاقتصاد على أكثر من صعيد.

فمن ناحية تشير التقديرات إلى أن الخسائر المادية المباشرة لهذا الإعصار تتجاوز مستوى 25 مليار دولار. كما أن توقف جميع المنشآت النفطية على ساحل خليج المكسيك وداخل مياهه بسبب الإعصار دفعت أسعار النفط إلى تجاوز مستوى السبعين دولاراً. ولم تنخفض الأسعار إلا بعد قرار الرئيس بوش استخدام جزء من المخزون الاستراتيجي النفطي للولايات المتحدة لتعويض العجز الناجم عن توقف المنشآت النفطية في خليج المكسيك عن العمل.

وكان سوق النفط والوقود الأكثر والأسرع تأثراً بتداعيات الكارثة في ظل حقيقة وجود أكثر من 220 مليون سيارة في شوارع وطرقات الولايات المتحدة تستهلك حوالي نصف الإنتاج العالمي من الوقود تقريباً. وقد ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات لم تصل إليها من قبل فبلغ سعر الجالون ثلاثة دولارات بما يعادل 80 سنتاً للتر الواحد. كما تضاعفت أسعار البنزين والغاز وزيت التدفئة خلال العام الأخير تقريباً.

ويخشى المراقبون أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط والوقود في الولايات المتحدة إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي للأميركيين وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى انكماش معدل نمو الاقتصاد الأميركي خلال الربع الثالث من العام خاصة وأن الإنفاق الاستهلاكي يشكل نحو ثلثي إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد الأميركي.في الوقت نفسه فإن كارثة الإعصار كاترينا دمرت البنية الأساسية من خطوط مياه وكهرباء واتصالات في مساحات شاسعة من ولايات الجنوب وهو ما يحتاج إلى أموال كثيرة لإعادة بنائها.

وفي حين تقدر شركات التأمين الخسائر الناجمة عن الكارثة بما يتراوح بين 17 و25 مليار دولار فإن المحللين يقولون إن الخسائر الفعلية تتجاوز ضعف تقديرات شركات التأمين غالباً، يث تنحصر تقديرات شركات التأمين في الأضرار التي لحقت بالأصول المؤمن عليها في حين أن الغالبية العظمى من أصحاب المنازل والشركات الصغيرة لا يستطيعون تحمل نفقات التأمين على هذه الأصول ضد مخاطر الفيضانات والأعاصير.

وتشمل قائمة المتضررين من الإعصار الأخير مزارعي الغرب الأوسط الأميركي، الطيران وشركات الشحن ومستوردي ومصدري الصلب والمطاط وعدد لا يحصى من المنتجات.فجزء كبير من أنشطة هؤلاء كانت تتم عبر موانئ ساحل خليج المكسيك التي أغرقتها الفيضانات وأغلقت أبوابها. كما أن هذه الموانئ كانت منفذا لجزء كبير من صادرات القمح الأميركي.

واضطرت سلاسل متاجر التجزئة الكبرى مثل وول مارت إلى إغلاق عدد كبير من متاجرها في المناطق المنكوبة. وتوقف العديد من الشركات والمصانع عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي.وقد اعترف الرئيس بوش بأن تجاوز تداعيات هذه الكارثة وهي الأكبر في التاريخ الأميركي يحتاج إلى وقت.

(د.ب.أ)