رسم تقرير حول التجارة والتنمية أصدره مجلس التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة «الاونكتاد» صورة قاتمة للاقتصاد العالمي خلال 2005، وقال إن الدلائل تشير إلي أن عام 2005 سوف يشهد تباطؤاً في النمو في البلدان المتقدمة تصاحبه آثار متباينة على البلدان النامية. وربط التقرير بين ارتفاع أسعار النفط ومعدلات النمو، وعزا التباطؤ الذي شهده نمو الإنتاج العالمي في عام 2005 إلى تباطؤ الاقتصادات المتقدمة الرئيسية وبعض الاقتصادات الناشئة في أميركا اللاتينية وشرق آسيا.

ورأى أن الضعف المؤقت الذي شاب اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية لم يعوضه اداء نمو اقوى في منطقة اليورو واليابان حيث كلاهما مازالا يفتقران إلى الحيوية اللازمة لإصلاح الاختلالات الداخلية وللمساهمة في تقويم الاختلال في التجارة العالمية. وشدد التقرير على أن أهم بواعث القلق بشأن التوقعات الاقتصادية العالمية تكمن في ارتفاع اسعار النفط التي تضاعفت منذ منتصف عام 2002 حتى وصلت إلى 70 دولاراً خلال الأيام القليلة الماضية.

وعلى الرغم من أن التقرير رأى أن الهزة في النشاط الاقتصادي والتضخم في البلدان المتقدمة بسبب ارتفاع أسعار النفط بالقدر الذي خلفه الأثر الذي شوهد خلال السبعينات من القرن الماضي لم تحدث بعد لسببين اولهما ان البلدان المتقدمة أصبحت اقل اعتمادا على النفط من ذى قبل لان استعمال الطاقة صار أكثر كفاءة وفى الوقت ذاته صارت حصة الخدمات من ناتجها القومي الإجمالي اكبر على حساب الصناعة التي تستهلك قدرا اكبر من من الطاقة،

أما السبب الثاني من وجهة نظر التقرير فيتمثل في أن ارتفاع أسعار النفط ليس نتيجة صدمة كبيرة في العرض وانما هو نتيجة لزيادة تدريجية في الطلب، إلا أنه يقول إن الطفرة التي شهدتها الأسعار في الآونة الأخيرة أثرت بشدة على اقتصادات البلدان النامية المستوردة للنفط وخاصة على البلدان التي ادى فيها التصنيع إلي اعتماد اكبر على الواردات من النفط مثلما يحدث في الصين وتايلاند والبرازيل والهند وبالتالى فان الضغوط التضخمية الناجمة عن استمرار ارتفاع أسعار النفط تعرض للخطر استدامة عملية النمو في البلدان النامية بشكل رئيسي.

ويشير التقرير إلى انه ليس مصدرو النفط وحدهم المستفيدين بل استفادت أيضا كثير من البلدان النامية المصدرة لسلع أساسية غير النفط من زيادة الطلب على صادراتها وارتفاع أسعارها فمنذ العام 2002 صار اشتداد الطلب من بلدان شرق وجنوب آسيا لاسيما الصين والهند العامل الرئيسي في ارتفاع أسعار السلع وفى أسواق السلع الأساسية الأولية.

وقد أسهمت قيود العرض الجديدة بدورها في رد فعل الأسعار القوى ومن المرجح في هذا الإطار ان يبقى الطلب الآسيوى مرتفعا على السلع الأساسية الأولية خصوصا النفط والمعادن كالنحاس وركائز الحديد والنيكل بالإضافة إلي المطاط الطبيعي وحبوب الصويا مما سيرفع إيرادات مصدري هذه المنتجات غير ان اي تطورات اخرى في أسواق السلع الأساسية الأولية.

ومضى التقرير يقول إنه وبالنظر إلى اتجاهات الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة فان هناك اموراً مبشرة تستحق التوقف على هذا الصعيد تأتى في مقدمتها معدلات النمو في البلدان النامية لعام 2004 والتي كانت سريعة وأوسع نطاقا مما كانت عليه في السنوات السابقة فمن ناحية تواصل ارتفاع معدل دخل الفرد ارتفاعا شديدا في الصين والهند وهما البلدان اللذان يعيش فيهما العدد الأكبر من السكان في فقر مدقع، في حين تماثلت أميركا اللاتينية من أزمتها الاقتصادية الخانقة وعادت إلى نمو أسرع اذكته زيادة الصادرات.

اما القارة الإفريقية فقد حققت ثانية معدل نمو جاوز الأربعة ونصف بالمئة في عام 2004 في الوقت نفسه الذي يتوقع ان تحقق العديد من البلدان الافريقية نموا قويا نسبيا على المدى القصير بفضل استمرار الطلب الشديد على عدد من سلعها الأساسية. أما الظاهرة غير المريحة فيما يخص القارة الافريقية وحسب التقرير فهى تتمثل في كون معدلات النمو التي تقارب الخمسة بالمئة في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء غير كافية لتحقيق الأهداف الانمائية للالفية.

ويرى تقرير الاونكتاد ان الدور المتعاظم للهند والصين والذي رسخ مكانة جنوب شرق آسيا كقطب نمو جديد في الاقتصاد العالمي قد ادى ايضا إلي وجود اشكال جديدة من الترابط العالمي من بينها توقعات اكثر اشراقا لصالح مصدري السلع الأساسية وزيادة المبادلات التجارية بين البلدان النامية وزيادة صادرات رأس المال من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة وقد صحب هذا كله اشتداد حدة المنافسة في الأسواق العالمية على انوع معينة من المصنوعات .

وفى حين يشير التقرير إلى ان الاختلالات الشديدة في الحساب الجاري العالمي تمثل اكبر خطر على نمو الاقتصاد العالمي على المدى القصير حيث واصل العجز التجاري الأميركي تفاقمه رغم خفض قيمة الدولار منذ فبراير 2002 وذلك ازاء جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين تقريبا وحيث كانت الزيادة الاوضح في التجارة مع أوروبا الغربية والصين الا ان الميزان التجاري الصيني شهد فائضا ليس مع الولايات المتحدة فقط وانما مع عدد من البلدان المتقدمة الاخرى

ولكن رغم ذلك شهدت واردات الصين من هذه البلدان ارتفاعا سريعا. ويرى التقرير ان اتباع منهج اقتصادي كلى متسق على الصعيد الدولى سيعزز بشكل كبير فرص البلدان الاشد فقرا في ترسيخ تحسن اداء النمو الذي حققته مؤخرا وسيكون على هذا المنهج ان يشمل البلدان النامية الرئيسية وان يرمى إلى تفادي إجراء تكييفات ذات طبيعة انكماشية على الاختلالات العالمية.

وركز التقرير على جنوب وشرق آسيا والهند والصين خاصة باعتبارهما قطبي النمو الجديد واشارته إلى شدة اعتماد هذه الاقتصادات على الواردات من السلع الأولية في نمو انتاجها الصناعي لاسيما المحروقات والمواد الخام الصناعية وبسبب الارتباطات الناجمة عن ذلك مع بلدان نامية اخرى.

وذكر التقرير ان التغييرات في اداء نمو تلك الاقتصادات سيكون لها انعكاسات شديدة من حيث عائدات التجارة والتصدير للبلدان النامية الاخرى وهو الأمر الذي يثير مسألة استدامة وتيرة نمو هاتين القوتين الاقتصاديتين على المدى المتوسط والبعيد خاصة مع الوضع في الاعتبار ان النمو السريع وتحسن مستويات المعيشة في الهند والصين صاحبهما زيادة كبيرة في حصص آسيا من صادرات العالم ومن استهلاك المواد الخام.

ويرى التقرير طلبا صينيا متزايدا على النفط مع الطفرة التنموية الحالية ويتوقع زيادة طلبها على الأغذية وحدوث تغيير كبير في تركيبتها الغذائية وبما يرجح معه ان تنتهي مرحلة اكتفائها الذاتي من معظم انواع الاغذية الرئيسية. وعلى النقيض من الرؤية التي خرج بها تقرير «الاونكتاد» قال هاروهيكو كورودا رئيس البنك الآسيوي للتنمية إن النمو الاقتصادي في آسيا باستثناء اليابان يرتفع بشكل مثير للدهشة على الرغم من ارتفاع أسعار النفط.

وأوضح «من المثير للدهشة أن دول اسيا النامية تحقق معدلات نمو كبيرة. تقديراتنا لعام 2005 لن تتغير بصفة عامة». وأضاف أن من المتوقع أن يستقر النمو في عام 2006 عند مستوى 5,6 بالمئة.وقال «الاقتصاد الصيني لا يبدي أي بوادر على تباطؤ النمو. ولا تبدي الهند كذلك أي بوادر على التباطؤ بل وربما يتسارع النمو».

وتابع كورودا أن المرونة التي اتسمت بها الاقتصادات الآسيوية في مواجهة ارتفاع أسعار النفط تدعمت بنمو قوي للغاية في الولايات المتحدة وبوادر انتعاش في اليابان فضلاً عن بوادر ايجابية كذلك من منطقة اليورو. لكن اسعار النفط التي بلغت مستوى قياسياً اوصلها نحو 71 دولاراً للبرميل هذا الأسبوع قد تضعف النمو العام المقبل.

وقال كورودا «في هذه المرحلة هناك حالة من عدم التيقن بشأن النمو في عام 2006 وعام 2007 بسبب النفط».وتابع «الاحتمال ضعيف للغاية ان يتراجع سعر النفط إلى مستوى 40 دولاراً للبرميل. وهذا يؤثر سلباً بشدة على آفاق النمو في آسيا».ومضى يقول ان دعم اسعار النفط في اندونيسيا يجب أن يخفض لتحسين الوضع المالي للبلاد.

(وكالات)