وسط إجراءات أمنية مشددة وحضور أكثر من ألف صحافي يمثلون وسائل إعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة من مختلف أنحاء العالم، وحشد من المهتمين والسينمائيين، انطلقت مساء أول من أمس فعاليات الدورة الثانية والسيتن لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، الذي يطلق عليه أيضاً مهرجان «لاموسترا»، وتستمر فعالياته لغاية العاشر من الشهر الجاري في جزيرة «الليدو» في مدينة البندقية الإيطالية، التي تفتخر بأنها كانت في الطليعة والأكثر عراقة في إطلاق أول مهرجان سينمائي عالمي في العام 1932.
يومها كان الفن السابع لا يزال يافعاً، فأوجدت له هذه المدينة التي تعود إلى مئات السنين مساحة وفضاء ولو على صفحة ماء البحر الذي يخترق كل شوارعها ذات الأبنية التاريخية، المحفوظة بعناية منذ قرون. هنا، في البندقية، حيث عبق التاريخ الكلاسيكي إلى جانب الحداثة، يلتقيان معاً في رحابة «الليدو»، ضمن تنظيم جيد وإدارة مميزة للسينمائي ماركو موللر، بعد خبرة طويلة تجلت في إدارته مهرجان «لوكارنو» السينمائي.
بلغ عدد الدول المشاركة في مهرجان هذا العام 18 دولة، بعدد إجمالي للأفلام الطويلة والقصيرة تجاوز الستين فيلماً بقليل، منها 19 فيلماً داخل المسابقة الرسمية، وثلثها في هامش قسم فعالية «آفاق» و13 فيلماً ضمن مسابقة فئة الأفلام القصيرة، وتسعة أفلام ضمن فعالية ينظمها الاتحاد السينمائي الإيطالي للمخرجين، منذ ثلاث سنوات على التوالي، إضافة إلى قسم خاص لمهرجان هذا العام تحت عنوان «أسرار تاريخ السينما الآسيوية» من إنتاج مدير المهرجان ماركو موللر، الذي تناسى للسنة الثانية السينما العربية،
بحجة أن الأفلام القليلة التي وصلته من تونس والجزائر ومصر والمغرب كانت متأخرة، وهذا عذر لا يمكن الاقتناع به، ويترك في قلب الإنسان العربي حسرة، لتجاهل الغرب الحضور العربي في السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة عموماً. ففي ظل كم ونوع لأفلام من أنحاء البسيطة كلها تغيب السينما العربية، باستثناء فيلمين فلسطينيين، يشكلان حضوراً، ربما يسد رمقاً نحبذه، ولا يلغي الاستهجان والتعجب.
وسيعرض «الشتات» من إخراج علاء صبري، ومدته 16 دقيقة، ضمن مسابقة الأفلام القصيرة، بينما يقدم «الانتظار» من إخراج سعيد مشهراوي ضمن هوامش فعاليات المهرجان في حضور خجول، لا يتحمل مسؤوليته ماركو موللر بقدر ما يتحمله العرب أنفسهم، وخاصة المؤسسات الرسمية، التي لا تعير شأناً للفن وأهميته في إيصال قضايانا إلى العالم بوسيلة راقية، وفي لغة يفهمها كل سكان الأرض ويتابعها الجميع عامة، بما يفضي إلى تواصل ضروري ومطلوب مع الآخر.
* «السيوف السبعة» في الافتتاح
فيلم الافتتاح لهذه الدورة، من خارج المسابقة الرسمية هو «السيوف السبعة»، للمخرج الصيني تسوي هارك ويقدم حكاية أسطورية متناقلة على المستوى الشعبي، وملحمة عن الفنون العسكرية تقع أحداثها خلال حكم أسرة تشينغ (1644 ـ 1911) في الصين. وتحمل أحداث الفيلم معها شيفرة متصلة بالعالم الواقعي والخيالي بصورة مركبة، تكشف مجاهل النفس البشرية. وقد صفق الحضور طويلاً لهذا الشريط بعد مشاهدته هنا في إيطاليا.
وحاز هذا الفيلم على جائزة أفضل فيلم في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في كندا الشهر الماضي. وقد عرض هذا الفيلم مباشرة في يوم الافتتاح بعد تكريم المخرج الياباني هاياو ميازاكي بمنحه جائزة الأسد الذهبي عن مجمل أعماله، وتلاه عرض وثائقي خاص تم تصويره بأدوات سينمائية عن أسرار وتاريخ السينما الآسيوية، وخصوصاً الانتاجات اليابانية والصينية والكورية. كما منحت الممثلة الإيطالية ستيفاني ساندريللي جائزة الأسد الذهبي تقديراً لمسيرتها الفنية ولمجمل أعمالها.
* أفلام المسابقة الرسمية
لم يلق أول أفلام المسابقة الرسمية «ليل العرس الثاني» للمخرج الإيطالي بربي أفيتي حماسة لدى النقاد، مع أن أفيتي برز ككاتب سيناريو وكمخرج منذ العام 1976 في أفلام مثل «أفضل رجل» في جزأيه الأول والثاني، وشارك في مهرجانات عدة منها: «كان»، و«البندقية»، ولم يحصد أي جائزة تستحق الذكر، لكن مدير المهرجان لم يجد بداً من إشراكه في المسابقة الرسمية ربما لأن المخرج إيطالي، والمهرجان يقام في بلده إيطاليا، كما همس أحد أعضاء لجنة التحكيم لـ «البيان» وطلب عدم ذكر اسمه.
وتضم منافسات المسابقة الرسمية فيلمين برتغاليين أحدهما للمخضرم جيو باثليو بعنوان «أوفتليست». وفيلم من النمسا للمخرج جيلا فوجر بعنوان «وفاة الرجل العامل». ومن فرنسا «فير لو سود» (باتجاه الجنوب) من إخراج لورنت كانتت» وتدور أحداثه حول المرأة البيضاء وعلاقتها بالرجل الأسود في مستعمرات أفريقيا. ويحضر من فرنسا أيضاً فيلم «غابريللا» من إخراج باتريس شايرد، في قصة رومانسية. وقد نظم عرض خاص للفيلم في ليلة الافتتاح اقتصر حضوره على الإعلاميين.
ومن الولايات المتحدة يحضر الممثل الشهير جورج كلوني، بصفته مخرجاً وممثلاً في آن معاً حيث يقدم فيلماً يتناول قصة مثيرة من مرحلة تعود لخمسينيات القرن الماضي أثناء انتشار الفكر «المكارثي» الذي كال الاتهامات لأهل الصحافة والفن بأنهم ينتمون إلى «الشيوعية». الفيلم من بطولة كوران بيغروفيك وجورج كلوني، الذي أثبت جداره في تصوير شريطه بالأبيض والأسود في مناخات سينوغرافية دقيقة ومتقنة.
ويطمح كلوني بالطبع لانتزاع «الأسد الذهبي» لأحسن فيلم أو «الفضي» على الأقل لأفضل إخراج، وهو مرشح حقيقي لحصد إحدى الجائزتين.وتقدم المخرجة الإيطالية كريستينا كونيكيني فيلمها الجديد «لا تخبر»، من إنتاج انجليزي إيطالي مشترك، وإلى جانبها مواطنها روبرتو فرانز. ويتناول الفيلم حياة أحد الموسيقيين.ومن إيطاليا أيضاً فيلم للمخرج ابل فيرارا بعنوان «ماري» ناطق بالانجليزية، ويعرض للمرة الأولى يوم غدٍ.
ويأتي الفرنسي فيليب كاريل المهرج صاحب الحساسية الخاصة، وفي جعبته فيلم رقيق وعميق بعنوان «عشاق مقيمون»، من بطولة شقيقه لويس كاريل والممثلة الناشئة كلوديت هاسمي.ولا تغيب السينما الروسية عن المسابقة الرسمية فتنافس بقوة على الجوائز الرئيسية مع المخرج الشاب ألكس جيرمان، الذي يتحدث فيلمه عن العلاقات الإنسانية في ظل تقلبات المجتمع الروسي بين الاشتراكية والنظام الاقتصادي المفتوح.
ويلقى جورج كلوني منافسة حقيقية على جائزة الأسد الفضي من المخرج الانجليزي تيري جيرمان، الذي يقدم فيلما ملحميا تحت عنوان «الاخوة غريم» تدور أحداثه في المجتمع الارستقراطي وهو من بطولة الممثل الاميركي مات دامون. وتتشابه مناخات هذا الفيلم مع شريط ستانلي كوان الصيني بعنوان «الجميع يندمون» في حكاية غرامية تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي في الصين الامبراطورية المنقسمة والمعرضة للاحتلال والضياع.
ويقدم المخرج آنج لي الصيني الأصل والكندي الجنسية، فيلما بعنوان «الانكسار خلف الجبال» عن حياة الهنود الحمر وتعرضهم للإبادة خلال الهجرات الواسعة إلى أميركا الشمالية.ومن أميركا أيضاً فيلم «الإثبات» للمخرج جون مادن في قصة غرامية رومانسية من بطولة غوينيبث بالترو وانطوني هوبكينز وجاكي غلينهال.
ويتناول فيلم «ذا كونستنت غاردنر» للانجليزي فرناندو ميريليس، حكاية القارة الأفريقية من القرن العشرين وانهيار الاستعمار الأوروبي لها، إضافة إلى حروبها الأهلية التي لا تنتهي إلا بمآس وكوارث.ومن ضمن المتنافسين يعتبر المخرج مانويل دي أولفيرا البرتغالي من أكثر المرشحين حظاً لنيل جائزة أفضل فيلم عن رائعته «المرأة المسحورة». ويترقب النقاد والحضور عرض الفيلم للمرة الأولى اليوم.
ويعود المخرج الأميركي الإيطالي الأصل جون تورتورو إلى بلده الأصلي و«البندقية»، في فيلم بعنوان «رومانسي وسيجارة» ويعتبر من المنافسين بقوة على الجائزة.ويتطرق المخرج البولندي كريستوف سانوزي في فيلمه «شخص غير مرغوب فيه» إلى حياة رجل عجوز يتمسك بصداقته وعلاقته مع الآخر، لكنه لا يحصد سوى الريح». وسيتم عرض الفيلم في آخر أيام المهرجان.
البندقية ـ حسين قطايا
