أكد تقرير اقتصادي دولي أن الأسواق العربية للأوراق المالية أمامها شوط طويل قبل أن تصل إلى إمكاناتها كمورد لرأس المال للنمو الإقليمي والتنمية. واقترح التقرير الذي أعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الاسكوا» وتسلمته الجهات المختصة في الدولة عدداً من التوصيات لتطوير أسواق المال العربية أهمها اعتماد المعايير المحاسبية الدولية وضمان مساءلة المديرين أمام المساهمين عن الإعمال التجارية وربحية الشركات المدرجة.
وتوفير إفصاح مالي شفاف على أساس منتظم أساساً من المواقع الالكترونية للشركات.كما تضمنت تلك التوصيات خفض الاعتماد على التمويل المصرفي بزيادة اللجوء إلى التمويل بالأسهم وإلزام الشركات باستخدام ممارسات تدقيق سليمة بغية ضمان الشفافية وزيادة تنويع الصكوك المالية المتاحة في أسواق الأوراق المالية بالمنطقة والسعي إلى تنسيق قواعد وأنظمة الأسواق المالية وفقا للمعايير الدولية ومواصلة دعم تطوير المؤسسة العربية المشتركة للتسوية والمقاصة كآلية لتسيير التداول العابر للحدود.
وتضمنت التوصيات أيضا توحيد المصطلحات المالية وإعادة هيكلة القطاعات المالية الضعيفة قبل فتحها أمام المصارف الأجنبية ورأس المال الأجنبي بغية الحد من حالات التعثر المصرفية وكذلك تيسير المزيد من التداول الالكتروني المحلي واعتماد التداول الالكتروني العابر للحدود واحترام التزامات «الغاتس» وضمان الشفافية في النفاذ إلى التشريعات والأنظمة الحكومية المعنية بالشركات والمستثمرين الأجانب والمحليين.
وتؤكد هذه التوصيات ضرورة النهوض بالسياسات التي تعزز الاستقرار الاقتصادي الكلي وإيلاء اهتمام خاص لأسعار الفائدة وسوق القطاع الأجنبي.وكذلك زيادة استخدام الإدراج العام في الجهود الجارية لخصخصة الشركات المملوكة للدولة وتشجيع مشاركة النساء في أسواق المال كمنظمات للمشاريع ومستثمرات.
ووفقا للتقرير يمكن أن تلعب الأسواق العربية الناشئة للأوراق المالية دورا في توفير إمكانية وصول الشركات العربية إلى المال الإقليمي والدولي. ويمكن أن توفر الأسواق رأسمال اقل كلفة وأطول أجلا مما يتاح من خلال التمويل المصرفي، ومن ثم ضمان القدرة التنافسية الدولية للشركات العربية في عصر العولمة.
ويمكن أن توفر الأسهم التي يملكها المستثمرون الأجانب في الشركات المحلية المدرجة للتداول العام فوائد إضافية للمنطقة في شكل مهارات إدارة دولية وتكنولوجيا حديثة. وتفتقر الأسواق العربية للأوراق المالية، شأنها شأن الأسواق الناشئة الأخرى في شتى أرجاء العالم، إلى كثير من السمات المهمة التي تتسم بها الأسواق المتقدمة، بما في ذلك العمق والانفتاح وإمكانية المساءلة والشفافية والإجراءات المالية المناسبة وحماية المستثمرين وانخفاض تكاليف المعاملات.
ويضعف هذا فعالية الأسواق العربية للأوراق المالية بوصفها آلية جماعية لتعبئة رأس المال اللازم للنمو الإقليمي والتنمية. كما يخلق فراغا يؤدي إلى تحويل رأس المال العربي إلى خارج المنطقة. وتختلف العوامل التي تعوق تطوير الأسواق العربية للأوراق المالية من بلد إلى آخر. غير أن جميع هذه الأسواق تواجه تحديات مشتركة ينبغي التصدي لها قبل أن يمكن تحقيق تقدم حقيقي في إقامة روابط سوقية إقليمية. ويكتسي النهوض بتطوير وربط الأسواق العربية الناشئة للأوراق المالية أهمية في تيسير التدفقات الاستثمارية الإقليمية.
وقد أجريت إصلاحات مالية مهمة في البلدان الأعضاء في الاسكوا على مدى العقد الماضي. غير أن الأسواق العربية للأوراق المالية أمامها شوط طويل قبل أن تصل إلى تكامل إمكاناتها كمورد لرأس المال للنمو الإقليمي والتنمية. ومنذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، اتخذت معظم الحكومات في المنطقة خطوات لتمكين القطاع الخاص وتعزيز دور أسواق الأوراق المالية، إقراراً منها بأهميتها في إنجاز أهداف التنمية الوطنية.
وظهر الاهتمام الذي أبدته هذه البلدان بتطوير وإصلاح هياكلها المالية في الزيادة السريعة في عدد البورصات العربية. ويمكن أن يلعب القطاع العام دورا ايجابيا في تطوير وربط الأسواق الإقليمية للأوراق المالية بزيادة الشفافية وإنفاذ الأنظمة وضمان المعاملة العادلة للشركات والتصدي للفساد في الشركات وخفض نسبة الأسهم التي تملكها الحكومة وخصخصة الشركات المملوكة للحكومة من خلال الإدراج العام.
وينبغي أن تواصل الحكومات العربية إصدار قوانين حماية المستثمرين وإزالة القيود على الاستثمار الأجنبي. وبغية تحقيق التكامل بين الأسواق العربية للأوراق المالية، ينبغي أن تتواصل الجهود لتوحيد التشريعات المالية وتنسيق قواعد وأنظمة أسواق الأوراق المالية وضمان تطابق هياكلها المالية.
وفي الوقت الذي ينتقل فيه العالم صوب زيادة التكامل المالي، وبخاصة مع التوقيع على «الغاتس» لا تزال الأسواق العربية للأوراق المالية تفتقر إلى الروابط الإقليمية والدولية المهمة، مع قلة من الاستثناءات الملحوظة. وتطلب اتفاق الربط بين الكويت ولبنان ومصر إنشاء مؤسسات مقاصة وتسوية ومراكز إيداع للأوراق المالية، فضلا عن آليات لضمان سرعة إكمال نقل الملكية وضمان حقوق المساهمين، الوطنيين منهم أو الأجانب.
وحتى مع توافر القوانين والمؤسسات الضرورية، كان على البلدان الثلاثة أن تحقق حداً أدنى مع التنسيق التشريعي والتطابق. وتتطلب إقامة ربط أقوى بين أسواق الأوراق المالية من خلال الاندماج في منصة تداول وحيدة (وهو أعلى شكل من إشكال التكامل للربط) تنسيقا تنظيميا أكثر فعالية بين البلدان المترابطة وتمثل «يورنكست» الشبكة الإقليمية الوحيدة للأسواق المالية التي حققت هذا المستوى من التكامل.
وتشير الأدلة من أجزاء أخرى من العالم إلى أن بعض الأسواق المالية الإقليمية لا تتخذ طريق الاندماج، وقد شهد عقد التسعينات من القرن الماضي زيادة واسعة النطاق في إنشاء بورصات جديدة بالنظر إلى أن الأسواق المحلية للأوراق المالية توفر خدمات وسمات مناسبة لتلبية الحاجات المعينة للقطاع الخاص المحلي.
ومن الأرجح أن يتحقق الربط بين الأسواق العربية للأوراق المالية في سوق مالية إقليمية متكاملة من خلال جهود تيسير الإدراج المشترك للشركات والتداول الإلكتروني العابر للحدود وإتاحة إمكانية الوصول للمستثمرين الأجانب عن أن يكون من خلال إقامة منصة تداول عربية وحيدة.
وحسب التقرير يمكن أن يسهم القطاع الخاص في جهود تطوير وربط الأسواق الإقليمية للأوراق المالية من خلال ما يلي:
* حسن إدارة الشركات. ستكون الشركات التي تستعمل الممارسات المحاسبية الدولية السليمة في أفضل وضع لاجتذاب المستثمرين الاستراتيجيين على الأجل الطويل. ويعتمد نجاح سوق الأوراق المالية على الأصول الأساسية لصكوكها المالية المدرجة للتداول العام.
وتمثل الورقة المالية المكانة المالية للشركة وأداءها وإمكانات نموها والسيولة التي تتمتع بها وملاءتها وتوقعات المستثمرين لنموها المالي والتجاري، وعليه فان جاذبية الأوراق المالية للمستثمرين هي ناتج للمركز المالي للشركات المصدرة وتوقعات نجاحها.
وبدون إمكانية مساءلة مستوى الإدارة العليا في الشركة، لن تتوفر للمستثمرين الثقة للاستثمار في السوق. وفي منطقة تنزع فيها الروابط الأسرية إلى أن تعلو على مصلحة الشركة، فانه ينبغي لمديري الشركات بذل كل جهد ممكن لضمان أن تتخذ القرارات الإدارية لما فيه أفضل مصلحة للشركة والمساهمين.
* الشفافية: من القضايا الشائكة التي تواجه تطوير الأسواق العربية للأوراق المالية قضية قدرة واستعداد قطاع الشركات لتوفير إفصاح مالي شفاف على أساس منتظم. ولا غنى للمستثمرين عن معلومات مناسبة لاتخاذ قرارات استثمار سليمة، وإذا لم تكن المعلومات المالية الضرورية متاحة،
فان المستثمرين سيأخذون أموالهم إلى أماكن أخرى. ولا يقتصر الإفصاح على البيانات المالية المدققة، ولكنه ينبغي أن يشمل أي معلومات وتحليلات إضافية ذات صلة توفر في التقرير السنوي للشركة. ويوفر الإفصاح المالي للمستثمرين المحليين والأجانب على أكفأ نحو من خلال المواقع الالكترونية للشركات.
ـ الاتجاه إلى الإدراج للتداول العام يعوق العدد الكبير من الأعمال التجارية الأسرية الملكية في الاقتصادات العربية تطوير أسواق الأوراق المالية في المنطقة. ويمكن لهذه الأعمال التجارية أن تخفض اعتمادها التقليدي على التمويل المصرفي وان تحصل على التمويل بالأسهم المنخفض الكلفة في التوسع والتحديث لتلبية طلب الأسواق الإقليمية المتنامية وزيادة المنافسة الدولية.
وينبغي تشجيع الشركات الأسرية الملكية على التعرف على التمويل بالأسهم. ومن شأن الإدراج العام للأعمال التجارية العربية الأسرية الملكية الناجحة أن يحسن عمق أسواق الأوراق المالية. ويمكن للمستثمرين الإقليميين الاستفادة ماليا من المشاركة في هذه الشركات. وقد أدرج بعض الشركات الأسرية الملكية في المنطقة للتداول العام في بورصات المنطقة، ولكن يبقى الكثير في غير متناول المستثمرين العرب.
ـ التدقيق (المراجعة): قوانين الشركات هي حجر الزاوية لسوق الأوراق المالية. وقد عمدت معظم البلدان الأعضاء في الاسكوا إلى تنقيح قوانين الشركات بها لتشجيع إنشاء شركات مساهمة وطورت عمليات التدقيق والإشراف بما يتماشى مع المعايير الدولية. غير أن الافتقار إلى ممارسات التدقيق أو وجود أوجه عجز بها في بعض الأسواق العربية ونقص المعلومات المالية الدقيقة والاختلافات في اللوائح التنفيذية الناظمة للتدقيق تمثل جميعها عوامل تؤثر بصورة سلبية على أسواق الأوراق المالية.
ويمكن أن تسهم الحكومات والوكالات التنظيمية في جهود تطوير وربط أسواق الأوراق المالية في المنطقة من خلال ما يلي:
* تنويع الأصول
ـ اكتسب الكثير من المستثمرين العرب خبرة واسعة النطاق بالأسواق المالية المتقدمة التي تتمتع بتغطية أوسع من حيث أنواع وخصائص الصكوك المتاحة للمستثمرين. ولا غنى عن التنويع ورفع مستوى الجودة بصورة مماثلة في الأسواق العربية للأوراق المالية لجذب هؤلاء المستثمرين الدوليين، ومواجهة الطلب المحلي المتنامي على الأسواق المالية الأوسع التي توفر نخبة اكبر من الصكوك المالية.
* التوحيد القياسي
ـ ينبغي تنسيق قواعد وأنظمة أسواق الأوراق المالية مع المعايير الدولية، على نحو يماثل ما أنجز من خلال الاتحاد العالمي للبورصات، كشرط ضروري للتنافس في السوق المالية العالمية. ولم تتخذ الحكومات العربية إلى الآن أي إجراء في هذا الشأن.
ـ أدى التقدم التكنولوجي الحديث إلى توحيد عمليات التداول الالكتروني في البلدان العربية، مما رفع مستوى الشفافية وكفاءة الأسواق واختصر أوقات التسوية للمعاملات. ولا غنى عن زيادة التطوير في هذا المجال، وبخاصة فيما يتعلق بتيسير التداول العابر للحدود.
أبوظبي ـ أحمد محسن