يقول المزارعون في قرية ليني في الصين، التي تطبق سياسة «طفل واحد لكل أسرة» بحزم وحسم شديدين، إن السلطات تغير على المساكن التي تسكنها عائلات لديها طفلان منذ مارس الماضي، وتطلب «تعقيم» أحد الوالدين على الأقل. وإذا حاول الأبوان الاختباء من السلطات، تضع الأخيرة أفراد العائلة الآخرين في السجون، ويُضربونهم ويحتجزونهم حتى يُسلم الأبوان الهاربان نفسيهما، وفق رواية «واشنطن بوست».
ويستمع تشن قوانغ تشنغ وهو ضرير لشكاوى الأهالي حول سياسة تنظيم الأسرة التي تطبقها الدولة. و«تشن» ضرير منذ مولده ويحمل مسجلة رقمية، ولا يستطيع أن يرى دموع السيدات اللائي أجبرتهن السلطات على الإجهاض في الشهر السابع أو الثامن من الحمل، ولا يرى حملقة الرجال الذين استسلموا لاستئصال الأعضاء الذكرية لإنقاذ بقية أفراد العائلة من بطش السلطات، لكن «تشن» يسمع نبرة الغضب في أصوات الناس،
وقال إنه عازم على أن يفعل شيئاً. يجمع «تشن» قصص وشهادات من الناس حول مخالفات السلطات ضد سكان القرية، البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، جنوب شرقي بكين العاصمة. ويعد «تشن» الآن لرفع دعوى قضائية. ويقول إن ما يفعله هؤلاء المسؤولون غير قانوني بالمرة، فهم يرتكبون تجاوزات ومخالفات في كل مكان ضد الحقوق الأساسية للسكان، ولابد من أن يتحملوا المسؤولية.
وقد يبدو الأمر غريباً أن يقوم رجل ضرير، قليل التدريب القانوني، بعمل ما ضد سياسة الطفل الواحد التي تعتبر حجر الزاوية في الاقتصاد الصيني، واستراتيجية التنمية الاقتصادية، لكن قضية قرية ليني هي تقاطع طرق قانوني في تحدي الإجراءات الجبرية المستخدمة من عقود للحد من النمو السكاني في الصين.
وهناك حالات فردية من القضايا القانونية ضد هذه السياسة، لكن خبراء القانون يقولون إن حالة أهالي قرية ليني هي الجماعية الأولى من نوعها التي تتحدى سلطة الدولة لإجبار الناس على «التعقيم» أو الإجهاض منذ صدور قانون عام 2002 يضمن للسكان حق الاختيار في هذه الأمور. ويقول تشان تشونغ لي أستاذ القانون بجامعة بكين إن هذا اختبار مهم، لأن قانون تنظيم الأسرة يؤثر في حقوق كل السكان.
ويؤكد أن أهالي ليني يؤكدون حقوقهم القانونية برفع دعوى ضد الحكومة، وسيكون هذا اختباراً مهماً للنظام الصيني، وما إذا كانت الصين تحترم سيادة القانون.وتمارس الحكومة الصينية الإجهاض الجبري والتعقيم كما تقول «واشنطن بوست» منذ عام 1980 رغم أنه لم يكن علنياً. وكان الحزب الشيوعي قد قرر في ذلك العام أن النمو السكاني غير المنضبط سيضر بالتنمية الاقتصادية ولذلك بدأ تطبيق سياسة الطفل الواحد لكل أسرة.
لكن المقاومة كانت مستمرة ضد هذه السياسة في المناطق الريفية، حيث يعتمد المزارعون على الأطفال لمعاونتهم في الأعمال الزراعية عندما يصيب الهرم هؤلاء السكان.ومع تصاعد المقاومة والانتقادات الدولية بدأت الحكومة منذ منتصف التسعينات تطبق وسائل أقل جبرية، فوسعت نطاق الخدمات الصحية للسيدات، ووفرت المزيد من المعرفة والتوعية حول وسائل تحديد النسل، وتوقفت عن التعقيم والإجهاض الجبري.
وأصدرت الحكومة قانوناً يعطي حق الاختيار في تنظيم الأسرة، واتجهت مؤخراً نحو سياسة المكافآت الاقتصادية للأسر ذات الطفل الواحد، وفرض غرامات ورسوم على الذين ينجبون أكثر من طفل. لكن كثيراً من المسؤولين مستمرون في تطبيق الإجهاض والتعقيم الجبري، لأن الحد من النمو السكاني من أساسيات السياسة الاقتصادية. ومن المعروف أن المسؤول الذي يخفق في تطبيق الحد من النمو السكاني في الصين يُقال من منصبه حتى لو كانت النتائج الاقتصادية لمنطقته جيدة.
وقال سكان قرية ليني إن السلطات طلبت من الأبوين أو أحدهما الخضوع لعمليات «تعقيم» حتى لو كانت لديهما تصريح بإنجاب طفل ثانٍ، وكذلك السيدات اللائي يستخدمن وسائل منع الحمل.وقالت دويه دهيونغ (33 سنة) من قرية «ينغ هو» إن سبعة مسؤولين جاءوا إلى منزلها ودفعوها داخل سيارة صندوقية بيضاء، وأخذوها إلى الوحدة الصحية، وطلبوا منها ملء استمارة، وعندما رفضت، جذب أحدهم يدها بشدة وجعلها تضع بصمة الإصبع على الاستمارة بالقوة.
وقال: «حتى إذا عارضت الأمر سنجري لك عملية التعقيم». وبعد أيام قليلة رأت دويه وزوجها تشن قوانغ جارهما الذي يبدو عليه أنه عليم بالقانون، ويمكن أن يقف في وجه الحكومة. وتوجه «تشن» إلى بكين بشكوى بشأن الضرائب التي دفعتها عائلته دون وجه حق، واستطاع استعادة هذه المبالغ وترخيصاً بدراسة الإبر الصينية والتدليك بالجامعة،
وهي الدراسات المتاحة لمن فقدوا البصر في الصين. ودرس «تشن» القانون بشكل غير رسمي، وبدأ حملته من أجل حقوق المزارعين والمعوقين. ومنذ ذلك الحين أصبح تشن زعيم المعركة ضد الإجهاض والتعقيم الجبري. وأعلن تشن أنه لن يتراجع في هذه الجهود، حتى لو كان القضاء الصيني شديد البطء. وقل: «إذا انسحبنا الآن ستزداد مخالفات وانتهاكات القانون ضد حقوق المزارعين».
ترجمة: أشرف رفيق
