أكد عشرات الخريجين من المواطنين الباحثين عن عمل أن ظاهرة «الواسطة والمحسوبية» تشكل عائقاً كبيراً أمام فرصة توظيفهم، وأن العوائق التقليدية كالخبرة والمؤهلات العلمية والمهارات لم تعد سبباً رئيسياً في تأخر دخولهم إلى سوق العمل بالدولة. وأشار بعضهم إلى أن بعض الدوائر الحكومية ترفع شعار «لا يوجد شواغر» أمام أي باحث عن عمل لا يتم ترشيحه من قبل جهة أخرى.

وأن بعض الدوائر ترفض تشغيل «الحريم»، بينما ترفع جهات أخرى شعار «التخصص غير مطلوب» أو «لا نريد شهادات ثانوية عامة»، وأوضح قسم آخر من هؤلاء أن بعض المؤسسات الحكومية توظف عشرة أشخاص من عائلة واحدة، وأن القطاع الخاص يفضل توظيف المواطنين من حملة الثانوية العامة لأنهم أقل أجراً وتطلباً، حيث تتراوح رواتب هذه الفئة بين 2000 و5000 درهم فقط.

وأكد بعضهم بأنهم لجأوا إلى دبي للبحث عن عمل بعدما يئسوا من البحث في مدنهم نظراً لقلة الفرص فيها، وأن بينهم فئة ليست بقليلة تبحث عن عمل من باب «تضييع الوقت والتسلية» حارمين الأكثر جدية وحاجة للعمل من فرص الوظيفة، وأشاروا إلى أن ظاهرة البطالة بين الشباب المواطنين تزداد خطورة كل عام بازدياد عدد الخريجين وأن إلقاء مسؤولية حلها على عاتق هيئة «تنمية» فقط يزيدها تعقيداً لأن المشكلة أكبر من قدرات وإمكانيات هذه الهيئة.

وأوضحت فاطمة العويضي، خريجة بكالوريوس نظم معلومات أنها تدربت قبل التخرج لدى مؤسسات عديدة مثل طيران الإمارات وعدد من الدوائر الحكومية، ولكنها بعد التخرج وتقديم العشرات من طلبات التوظيف لم تتلق أي رد سواء بالرفض أو القبول من هذه المؤسسات والشركات، حكومية أو خاصة.

وأكدت أنها رفضت بعض الوظائف البنكية لأنها شركات ربوية، ولأن رواتبها قليلة مقارنة بأماكن أخرى، وساعات العمل فيها طويلة ونظام العطل والإجازات غير مناسب لها. وذكرت بأنها تقدمت بطلبات توظيف إلى مؤسسة «اتصالات» وتلقت اعتذاراً منها، ثم عرض عليها العمل في أبوظبي لكنها رفضت، ولم يكن حالها أفضل مع محاكم دبي حيث أخبروها حرفياً بأنهم لا يريدون «حريماً» للعمل لديهم.

وأشارت إلى أن المشكلة الرئيسية التي تواجهها في البحث عن وظيفة هي الاعتذارات المتكررة بحجة أن تخصصها غير مطلوب لدى معظم الشركات والمؤسسات الحكومية أو الخاصة، وأن نسبة كبيرة من شركات التقنية في مدينة دبي للإنترنت تدفع رواتب منخفضة وفي المقابل تشترط ساعات عمل طويلة تزيد على التسع ساعات.

ونفت فاطمة أن تكون مقصرة في متابعة طلبات التوظيف المرسلة إلى أي من الشركات كما يفعل بعض الباحثين عن عمل والذين يكتفون بإرسال الطلب وانتظار الرد، وأكدت أنها قبل التسجيل لدى هيئة «تنمية» وبعده تحرص على المتابعة المباشرة لكل طلب سواء عبر الهاتف أو الموقع الالكتروني أو الزيارة الشخصية لمكاتب الشركات ومسؤولي التوظيف.

وأوضحت أن الفتيات المواطنات أقل حظاً في العثور على وظيفة في القطاع الحكومي أو الخاص من الشبان، وأنها لمست تمييزاً بين الفتاة والشاب المواطن، لأن أصحاب العمل يعتقدون بأن المواطنة ستترك العمل عند الزواج أو الإنجاب، ولأنها تحتاج إلى فترة إجازات أكثر من المواطن.

وأبدت استياءها من ظاهرة الواسطة في سوق العمل، إذ عايشت تجارب كثيرة تم فيها توظيف فتيات مواطنات حاصلات على درجات علمية متدنية في مواقع إدارية جيدة ورواتب عالية، بينما ترفض الفتاة الجامعية المزودة بالدورات التدريبية أثناء الدراسة وبعدها، ويبرر رفضها بأسباب كثيرة، منها عدم وجود شواغر في المدينة التي تعيش فيها أو عدم توفر الخبرة الكافية أو عدم الرغبة في تعيين فتيات بسبب ساعات العمل الطويلة وغير ذلك.

وتحاول إيمان محمد، طالبة إعلام وعلاقات عامة في الجامعة، تفادي المأزق الذي وقع فيه ألوف الطلبة المواطنين من قبلها، بالبحث عن وظيفة قبل تخرجها، فتقول: «أبحث عن عمل الآن لأنني متأكدة بأن الانتظار لعامين آخرين حتى موعد التخرج سيحرمني من فرصة الحصول على وظيفة،

فهناك آلاف الخريجين من المواطنين كل عام، وإذا انتظرت حتى الموعد فإن فرصة عملي ستقل إلى النصف، فالظروف تزداد سوءاً، وسوق العمل في الدولة يزداد منافسة وتعقيداً، والعمالة الأجنبية لم تترك لنا كمواطنين فسحة للدخول، ولهذا فكرت في البحث عن عمل مؤقت يساعدني في اكتساب الخبرة اللازمة للدخول بقوة وثقة وسرعة أكبر».

وتقف هند أحمد حائرة أمام نفسها، فمنذ تخرجها في كلية التقنية بشهادة دبلوم عالي في تقنية المعلومات عام 2003، لم تترك باباً إلاّ وطرقته سعياً وراء وظيفة تنقلها من صف العاطلين عن العمل إلى صف الباحثين عن الأمل، فتقول: «أينما ذهبت أجد جواباً حاضراً هو: لا يوجد شاغر لهذا التخصص ولهذا وصلت إلى مرحلة سيئة من اليأس، فلماذا أرفض وهل ينقصني شيء للالتحاق بسوق العمل؟ فأنا مؤهلة في تخصصي وأجيد اللغة الإنجليزية والطباعة والكمبيوتر، ولدي دورات إضافية فيهما بعد التخرج».

وتضيف: «أعتقد أن قرار ارتداء النقاب أثّر على فرص عملي بشكل أو آخر، وربما كان زواجي يسبب مشكلة لدى هذه الشركات، وأياً كانت المبررات التي تمنعهم من قبولي فإنني لن أستسلم، وسأتابع رحلة البحث عن عمل حتى اللحظة الأخيرة، ولكنني لا أفهم جيداً كيف يتم تعيين فتيات أخريات لا يمتلكن مؤهلات علمية جيدة، بينما نترك نحن بلا عمل وتساق لنا المبررات المملة ذاتها: لا يوجد شاغر في هذه الوظيفة، الخبرة المطلوبة ساعات العمل طويلة».

ولم يكن حال سميرة فرج أفضل من خريجات الجامعة والكلية، حيث أنهت الثانوية العامة واضطرتها الظروف للبحث عن عمل طيلة السنوات الثلاث الماضية، ولم تترك باباً إلاّ واقتحمته في القطاع الحكومي والخاص، والجواب السلبي الذي تلقته: «لا نقبل حملة شهادة الثانوية العامة، نحن بحاجة إلى جامعيين على الأقل».

وتساءلت سميرة: «هل هناك فرق بين خريجة ثانوية عامة وأخرى؟ أنا أعرف حالات كثيرة تم توظيفها وتعيينها فور تخرجها من المدرسة، فلماذا يوضع البعض في المقدمة ويحصلون على الوظيفة التي يريدونها، بينما ندفن نحن في النسيان؟! أعتقد أن الواسطة تلعب دوراً كبيراً في قطاع التوظيف، والاّ ما تبرير ما نراه يومياً بأعيننا».

وترى ايمان رجب، خريجة ثانوية عامة، 2003 أن فرصة العمل في القطاعين الحكومي والخاص أصبحت شبه معدومة لحملة الثانوية حتى وان عززت بدورات تدريب وتأهيل ودورات لغة انجليزية وغيرها لأن حجم الخريجات من الجامعات والكليات والمدارس يزداد يوماً بعد يوم، وترى بأن الفتاة المواطنة غالباً ما تبحث عن وظيفة تساعدها على تأمين الحد الأدنى من الالتزامات المالية بما يبقيها خارج خط البطالة والاعتماد على الغير.

اما نوف محمد التي تخرجت قبل 3 أعوام من المدرسة والتحقت بسلسلة دورات مساعدة في اللغة الانجليزية والحاسب الآلي. فلم تترك باب مؤسسة إلا وطرقته، وشاركت في برامج العمل الصيفي في المؤسسات الحكومية لتكتسب خبرات عملية تعزز من فرص قبولها، لكنها اصطدمت بواقع مرير هو الواسطة،

فتقول: «لقد رأيت بأم عيني التأثير السحري للمحسوبيات والوساطات، فكم من فتاة من دفعتي حصلت على وظيفة بعد أشهر قليلة من تخرجها عن طريق أخيها أو أختها في المؤسسة أو الدائرة الفلانية، وكم من فتاة تعينت براتب جيد ومسمى وظيفي معقول وهي لا تملك شيئاً من الخبرات والمهارات التي يتحدث عنها أصحاب قرار التعيين في المؤسسات الحكومية والخاصة، واستغرب كيف أصبح طموحي الآن مقتصراً على أي وظيفة وبأي راتب حتى بألفي درهم.

وتؤكد فريدة علي التي تقدمت بأكثر من 30 طلب توظيف في مؤسسات حكومية وخاصة انها لا تحلم الان وبعد 3 سنوات من البحث عن العمل الاّ بوظيفة بسيطة لا يتجاوز راتبها 3000 درهم، فتقول: «لقد تعبت وأريد العمل بأي وظيفة، المهم ان تكون وظيفة والسلام».

وتعمل نورة سعيد محمد، ثانوية عامة، على أكثر من جبهة للبحث عن عمل، وهي إلى جانب تسجيلها في قائمة الباحثين عن عمل في هيئة تنمية، تدير معركة موازية شعارها «الإلحاح مفتاح الوظيفة» ولا تستثني أي شركة أو دائرة حكومية أو خاصة منها، مسخرة كل طاقاتها للحصول على أقرب فرصة عمل وبأسرع وقت لأنها ترى بأن عامل الوقت ليس في صالحها،

لاسيما ان أعداد الخريجين يزداد سنوياً، وهذا ما سيقلل فرص قبولها كلما مرت سنة أخرى، فتقول: «هناك الآلاف من الخريجين الذين يصطفون في طابور البحث عن عمل، ولا أدري متى وكيف ستحل المشكلة ما دامت أعدادهم تزداد سنوياً، واسأل اصحاب الشأن من أولي الأمر، عن كيفية حل هذه الأزمة المتفاقمة، ومتى سيتم اتخاذ قرار جريء ومدروس على مستوى الدولة لمواجهة شبح البطالة الذي يهدد مستقبل عشرات الآلاف منا».

وتؤكد مريم سعيد، ثانوية عامة أن رحلة البحث عن العمل التي امتدت ثلاث سنوات لم تثن عزيمتها عن البحث والتفتيش عن فرصة ما في أي مكان، وأنها عملت في فصل الصيف في مستشفى راشد وفي جبل علي وغيرهما، لتمتلك خبرة ولو قليلة تزيد من احتمالات قبولها،

إلا أنها قررت اللجوء إلى هيئة «تنمية» لتزيد من فرصها التي تتناقص مع مرور الوقت، فتقول: «شاركت في دورات الكمبيوتر واللغات التي تنفذها تنمية لصالح الباحثين عن العمل بعد التأكد من جدية الشخص من خلال امتحان صعب وهذه أول مقابلة أدخلها عن طريق «تنمية» مع بنك المشرق وأرجو أن أكون من بين المقبولين الذين سيتم اختيارهم للعمل في البنك، فقد تعبت كثيراً من الوعود والانتظار».

وترى عائشة علي، كلية تقنية، أن طموحها في الحصول على وظيفة لم يؤجل إلى موعد التخرج لأنها ترى المنافسة الشديدة في سوق الوظائف وتفشي المحسوبيات والواسطات في التعيين، لذلك اختارت التسجيل لدى هيئة «تنمية» قبل عام من تخرجها لتختصر الزمن وتوفر الوقت على نفسها، فتقول: «المشكلة الحقيقية التي نصطدم بها غالباً لا تتعلق بالمؤهلات والخبرات المطلوبة بل تنحصر حقيقة في المحسوبيات والواسطة المتفشية في بعض المؤسسات والشركات،

فهناك المئات من الخريجات اللواتي يجدن وظيفة في انتظارهن لأن أحد الأقارب أو أفراد العائلة يعمل في تلك المؤسسات، فتجد في مؤسسة واحدة عشرة أشخاص من العائلة نفسها، وهذا يؤكد أن الكثير من الباحثين عن عمل سيحرمون من تلك الفرص لأنهم ببساطة لا يمتلكون العصا السحرية «الواسطة» مما يؤثر على المعايير المتبعة للتوظيف وتوطين الوظائف في القطاع العام والخاص.

ولجأت فاطمة علي النقبي، دبلوم تقنية معلومات، إلى تنمية لتأمين فرصة عمل في دبي لأن فرص العمل في خورفكان تكاد تكون معدومة بسبب صغر حجم سوق العمل في المدينة، إلا أنها تحرص على متابعة طلبات التوظيف التي قدمتها لدى شركات كثيرة في مدينة دبي للإنترنت والمنطقة الحرة في جبل علي وغيرها، فتقول: «تقدمت بأكثر من 15 طلب توظيف في أقل من ثلاثة أشهر، وخضعت لمقابلات شخصية صعبة،

وتحملت عناء التنقل من خورفكان إلى دبي، ولكنني لم أستسلم إطلاقاً بالرغم من ذلك، وقد رفضت بعض فرص العمل لأنني شعرت بأن مكان العمل «منفتح أكثر من اللازم»، وقد اكتشفت من خلال تجربتي بالبحث عن عمل أن تقييم الخريج أو الباحث عن العمل لا يخضع لمقاييس علمية تأخذ في الاعتبار المستوى العلمي والمؤهلات والمهارات الشخصية بعين الاعتبار، وأن المزاجية والعلاقات الاجتماعية والمجاملات والمصالح تلعب الدور الأكبر في الحصول على وظيفة».

وتقر شريفة محمد البلوشي، ثانوية عامة، بأنها أوشكت على الاستسلام بعد عامين من البحث عن الوظيفة المفقودة، وأنها لجأت لهيئة «تنمية» التي تبذل جهداً كبيراً لتوفير فرص عمل للمواطنين، فتقول: «لقد أنهيت دورات عديدة في الطباعة واستخدام تطبيقات الكمبيوتر الشاملة، وتدربت خلال فصل الصيف في دائرة التنمية الاقتصادية وبنك المشرق ومستشفى المكتوم ومعهد الإمارات للعلوم المصرفية،

وكلما تقدمت بطلب يجيبونني بأنهم سيتصلون بي لاحقاً، ومن الطبيعي جداً ألا أحد عاود الاتصال بي، وأقول هنا بأنني لا أبحث عن وظيفة مدير أو رئيس قسم بل أريد أي وظيفة، وبأي راتب لأتمكن من اكتساب الخبرة وأطور مهاراتي المهنية مع مرور الوقت، فأنا لا أريد أن أجلس في المنزل بلا عمل أو هدف في حياتي، لأن الإنسان العاطل عن العمل هو مشروع «انتحار» ولأن شخصية الفرد الاجتماعية تقاس بعمله ومدى إنتاجيته.

وترفض عليا محمد حسن، طالبة في كلية التقنية، مبدأ العمل بعد التخرج، وتدعو طلاب الجامعات والكليات إلى الاستفادة من تجارب الآخرين في الدول المتقدمة، حيث ينخرط شبابها في سوق العمل في سن مبكرة ويدرسون ويعملون خلال سنوات المدرسة والجامعة ليدخلوا السوق جاهزين وواثقين بأنفسهم، وهناك ميزة أخرى يوفرها العمل خلال الدراسة وهي تأمين الوظيفة بالرغم من صعوبة المنافسة وزحمة الباحثين عن عمل في الدولة،

فالطالب أو الخريج سيفرض نفسه على أصحاب العمل بجهده وإنتاجيته وقدرته على اكتساب المهارات الجديدة، ولن يضطر إلى الاستعانة بالواسطة أو العلاقات الاجتماعية للحصول على وظيفة، وأتمنى من الباحثات عن عمل أن يبذلن الجهد الكافي وألا يتقاعسن ويتكلن على الواسطة، وألا يضعن نصب أعينهن الوظيفة كمصدر لتضييع الوقت والتسلية

لأن هناك فتيات طموحات أحوج إلى المكان الذي ستأخذه الفتيات غير الجادات في نظرتهن للعمل، وأعرف شخصياً فتيات يعملن براتب 2000 درهم في شركات التأمين قبلن هذه الوظيفة لأنهن بحاجة ماسة إلى العمل، كما أدعوهن إلى تبني الطموح كمشروع مستمر في الحياة المهنية، وعدم الاستعجال في تحقيق رواتب ومواقع أفضل بدون جهد، فالالتزام وتطوير المهارات والخبرات هما أسرع الطرق إلى النجاح الوظيفي.

تحقيق محمد بيضا