سيطرت القضايا الاقتصادية على خيارات الناخبين الألمان في الانتخابات المزمع إجراؤها خلال الأسابيع القليلة، فكلا الزعيمين، غيرهارد شرويدر الديمقراطي الاشتراكي، ومتحديته الديمقراطية المسيحية أنجيلا ميركيل، تباريا في طرح الوعود البراقة، بإحداث تغييرات كبيرة في أنظمة سوق العمل، إلا أن ميركيل، أضافت إلى أجندتها، إصلاحات ضرائبية، مما طرح تساؤلا في أوساط المحللين حول أي الخيارين أكثر إلحاحاً.
ويتوقف الأمر إلى حد ما، على الأولويات فلربما كان الناخبون في عجلة من أمرهم للخروج بألمانيا من ضعفها الآني، بعد أن دخلت في دوامة من الركود بواكير هذا العام، بالرغم من أن المعطيات الجديدة، تؤذن بصحوة قادمة. وعلى الرغم من أنه ليس من شك في التغييرات التي يتطلع إليها الناخبون، وقد تستغرق آثارها وقتا لتطال النمو إلا أن تلك الإصلاحات تقلص مخاطر الركود على المدى البعيد.
فالتغيير الضريبي الرئيسي الذي اقترحته ميركيل، ليس اقتطاعاً، بل هو تحوّيل. فهي سترفع معدل الضريبة الألمانية المضافة من 16 إلى 18 في المئة.وذلك كفيل بالسماح لها باستخدام الريع الناتج في تمويل نظام تأمين البطاقة في البلاد. ومن المتوقع أن تضيف هذه الخاصية ثقلاً على التعاملات التجارية، لكنها لن ترفع نسبة التوظيف، إذ أنها ستخفض أجور العمال،
فيما سترفع مُدخلات الانتاج الأخرى، وبناء على هذه القاعدة، فالأكثر منطقاً، المزاوجة بين العمل ورأس المال نحو العمل، وفي الوقت ذاته، فإن أسعار منتجات الشركة قد ترتفع نتيجة ضريبة القيمة المضافة، وبالتالي سيحدث انخفاض في المبيعات. وهذا التغيير، يدفع باتجاه استخدام رأسمال وعمالة أقل.
وقد تلجأ ميركيل إلى التفكير في نهاية المطاف، لاستبدال قانون الضريبة الحالي، بضريبة ثابتة، ورغم ان فريق حملتها يضم بول كيرشوف، المدافع الأكاديمي عن فرض ضريبة ثابتة بنسبة 25 في المئة على الدخل الشخصي. والأرباح التجارية، إلا ان ميركيل استبعدت من جانبها، الضريبة الثابتة، في الوقت الراهن على الأقل، ويرى بعض المناصرين لميركيل أن خطة كيرشوف قد تؤثر في الاقتصاد أكثر من مقايضتها.
ومن نافلة القول، أن الضريبة الثابتة، أتت أكلها في رفع الإيرادات في بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية، لأنها تفسح المجال للسهولة في التطبيق، وتصعّب عملية التهرب الضريبي.أما احتمال تحضير هذه الضريبة للاقتصاد الألماني، فتلك مسألة أخرى. لا شك أنها ستحرر المصادر المستخدمة في الوقت الراهن، من قبل القطاعات العقارية والتجارية، للامتثال للوائح والمصنفات.
فإذا ما ألغت الضرائب على الاستثمار، فإن ذلك كفيل برفع المدخرات، بالرغم من ان التجربة الأخيرة في الولايات المتحدة تنفي هذه النتيجة، وقد تجعل نظام الضريبة الألماني أقل تقدماً.وكانت هذه المسألة مثار جدل واسع في الولايات المتحدة. فاليمين يقول ان الضريبة الثابتة، ستضخ المزيد من الأموال لدى المستثمرين الذين يحققون أرباحاً عالية، والذين بدورهم يوسعون أعمالهم، ويستخدمون مزيداً من الأشخاص.
فيما يقول اليسار ان مثل تلك الضريبة، ستزيد حدة التفاوت الاجتماعي، وتقود إلى مزيد من الفاقة والمشاكلات الاجتماعية.غير ان استحداث الوظائف في ألمانيا، ليس كمثل استحداثها في الولايات المتحدة حتى بوجود الطلب المتزايد على العمالة، الذي قد تخلقه تلك التغييرات الضريبية، فإن عثرات كبيرة، ستقف حائلاً أمام الاستخدام.وقد تكون سياسات التوظيف والتسريح، الخرقاء، تلك العقبة التي لن يتسنى حتى للطلب المتزايد على العمال تخطيها.
وهنا تصب التغييرات في أنظمة سوق العمالة، وعلى العكس من دول الاتحاد الأوروبي العشر الأخرى، فإن ألمانيا لن تتمكن من اختراق مرتبة البنك الدولي العشرين، للدول الأسهل التي يتاح فيها ممارسة العمل التجاري لعام 2005. حيث كان ترتيب ألمانيا العام الفائت في توظيف العمال وتسريحهم تحت معدل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في جميع فئات البنك الأربع والمتمثلة في صعوبة التوظيف وصرامة الساعات وصعوبة الفصل ونفقات الفصل.
ووفق هذا التصنيف، فإن معدل 94 بلداً من بين 144 جاءت فوق هذا المعدل.وفي الجانب الآخر أدخل شرويدر بعضاً من الإصلاحات على سوق العمل. فقد قلصت حكومته هذا العام إعانات البطالة طويلة الأمد. وصعبت من فرص رفضهم للوظائف المعروضة. غير ان مثل هذه الاقتطاعات، خلاف تجميد التقاعد قلبت الرأي العام ضده. في حين اقترحت ميركيل إضافة تغييرات إضافية تعطي أصحاب العمل اليد الطولى في سوق العمل، وهي خطوة هاجمها شرويدر واصفاً إياها بالمعادية للعمال.
ومن جانبهم، زعم بعض المتنبئين بأن ألمانيا في خضم فترة تصحيحية. وهي مرحلة، رغم إيلامها، فإنها لازمة قبل أن يفيد الاقتصاد من تغييرات شرويدر حتى حينه، والتي تتضمن شريحة من الاقتطاعات الضريبية. لا شك أن الصبر ليس فضيلة، يشترك فيها الناخبون في الاقتصادات معدومة النمو. ومهما كانت حصيلة تغييرات ميركيل الضريبية. فإنها لا مناص واقعة بسرعة. فما أن تدخل التغييرات الضريبية حيز التطبيق، فإن جميع العاملين في الاقتصاد دون استثناء، سيوفقون قراراتهم الاتفاقية، تبعاً للائحة الجديدة من القوانين.
ومع ذلك، فقد لا يكون ذلك هو العنصر الوحيد، المحاجج ضد مزيد من التغييرات في سوق العمل، فليس هناك غرابة في الفكرة القائلة بأن الألمان على استعداد للتخلي عن نظام ضريبي ثابت قبل التخلي عن نظام الإعانات، الذي يُنظر إليه كأحد أعمدة الأمن الاقتصادي الفردي.ويقول محللون إنه إذ فشلت التغييرات الضريبية، فإن الناخبين سيواجهون خياراً جديداً، التعايش مع مشكلة ارتفاع البطالة.
ترجمة: وائل الخطيب
