واصلت أسواق النفط أمس لعبة حبس الأنفاس، حيث قفزت أسعار العقود الآجلة للخام الأميركي متخطية 70 دولاراً للبرميل وكانت أقل قليلاً من مستوياتها القياسية العالية بسبب المخاوف بشأن إمدادات المعروض بعد ان تسبب الإعصار كاترينا في إغلاق إنتاج النفط والغاز في خليج المكسيك وأضر بكثير من عمليات التكرير. وقفزت أسعار العقود الآجلة للبنزين وزيت التدفئة لتسجل مستويات قياسية جديدة.

ارتفع سعر النفط الخام الأميركي الخفيف لعقود أكتوبر في تعاملات نايمكس الالكترونية عبر نظام اكسيس 65 سنتاً أو 8. 0 في المئة إلى 37. 70 دولاراً للبرميل. ويقل هذا السعر نحو 50 سنتاً عن ذروة الثلاثاء أول من أمس والبالغة 85. 70 دولاراً وهو أعلى سعر لعقود اقرب استحقاق منذ بدء التعامل في عقود النفط الخام الآجلة في نايمكس عام 1983.

وقالت هيئة إدارة المعادن الأميركية إن الإعصار كاترينا أوقف نحو 4. 1 مليون برميل يوميا من النفط الخام ونحو 7. 8 مليارات قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعي من الإنتاج الأميركي للطاقة في منطقة خليج المكسيك. واضطرت تسع مصاف في لويزيانا ومسيسيبي للإغلاق وأجبرت أربع مصاف أخرى على تقليل عملياتها بسبب الإعصار، مما عطل أكثر من عشرة في المئة من طاقة التكرير للولايات المتحدة.

كما أعلنت «مينيرالس مانجيمنت سيرفس» التابعة لوزارة الداخلية الأميركية أن ما مجموعه 645 من أصل 819 منصة نفطية و90 من أصل 137 بئراً نفطياً في الخليج ظلت مقفلة ما يمثل نقصاً بمعدل 1. 4 ملايين برميل من الإنتاج النفطي اليومي. وأوضح المصدر أن هذه المنشآت المقفلة تمثل 95% من الإنتاج اليومي للنفط في هذه المنطقة.

وفي الأثناء أعلنت وزارة الطاقة الأميركية أنها تلقت طلبا للجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي النفطي للولايات المتحدة بعد توقف الإنتاج في عدد من المصافي، وقالت الوزارة في بيان انها «تلقت طلبا لاستخدام كميات من الاحتياطات الاستراتيجية النفطية»، موضحة انها «تدرس حاليا هذا الطلب».

ولم تذكر الوزارة الجهة التي تقدمت بطلب استخدام الاحتياطات الاستراتيجية النفطية التي تضم نحو 700 مليون برميل يمكن إعارتها إلى مصاف في الحالات الطارئة أو في حال حدوث مشكلة خطيرة في الإمدادات. ويعود قرار استخدام الاحتياطي النفطي إلى البيت الأبيض الذي أعلن الاثنين انه مستعد للموافقة على طلب من هذا النوع في حال الضرورة.

ومع ارتفاع الأسعار تزايدت ردود الفعل العالمية، ففي ألمانيا قال وزير الاقتصاد فولفجانج كليمنت إن أسعار النفط القياسية تمثل كارثة على المستهلكين الألمان وانها ترجع في جانب منها إلى مضاربة صناديق التحوط. وأوضح «أسعار النفط المرتفعة كارثة على الشعب». ورأى الوزير الألماني أن الأسعار لا ترتفع بتأثير الطلب فقط وإنما أيضا بتأثير المضاربة، وقال إن جزءا من المشكلة يرجع إلى عدم وجود طاقة تكرير كافية لدى الولايات المتحدة.

آسيوياً تسبب ارتفاع الأسعار في هبوط سعر صرف العملة الاندونيسية المحلية الروبية أمام الدولار الأميركي إلى أدنى مستوياتها خلال الأيام الماضية، مما دفع السلطات الحكومية للتدخل على الفور باتخاذ إجراءات لمواجهة الانخفاض الحاد في سعر الروبية ورفع البنك المركزي الاندونيسي أسعار الفائدة بشدة ووعد رئيس البلاد باتخاذ خطوات جديدة لإنقاذها مما ساعد في ارتفاع أسعار الأسهم والعملة بعد هبوط حاد في المعاملات الصباحية يوم الثلاثاء.

وفي تايلاند ثاني اكبر اقتصادات جنوب شرق آسيا شكت المصانع والمؤسسات التجارية من تآكل أرباحها بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج واتجاه المستهلكين للحد من إنفاقهم. ومثل جميع أصحاب الأنشطة التجارية التي لا تتمتع بدعم حكومي يقول تاناثورن جيونجرونجرويانجت نائب الرئيس التنفيذي لمصنع سامت التايلاندي لقطع غيار السيارات ان شركته كانت مضطرة لاستيعاب الانخفاض في أسعار النفط.

ولم تكن شركة سامت بمفردها إذ ان الاقتصاد التايلاندي البالغ قيمته 163 مليار دولار يواجه أبطأ معدل نمو له منذ أربعة أعوام بسبب أسعار النفط. أما في الفلبين فيواجه المزارعون مستقبلا قاتما بالفعل. فبعد ان اضطروا لتحديث أدواتهم الإنتاجية وقاموا باستئجار معدات متطورة باهظة الثمن يقول الكثير منهم انهم لم يعد بوسعهم تحمل أسعار الوقود المرتفعة من اجل تشغيل هذه المعدات.

وعلى الرغم من أن الكثير من المسؤولين والخبراء الدوليين رأوا من خلال التصريحات التي أدلوا بها في اليومين الماضيين أن أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» ينتجون بكامل طاقتهم وأن الجزء الأكبر من المشكلة يعود إلى نقص الطاقة التكريرية في المصافي الأميركية وتأثرها بالظروف الطبيعية الحالية، إضافة إلى المضاربات التي تتم في الأسواق العالمية،

إلا أن بعض المحللين يعولون على اجتماع أوبك الذي سينعقد في التاسع عشر من سبتمبر الجاري والذي تشير الدلائل إلى أنه سيخرج بقرار يقضي بزيادة جديدة في الإنتاج اليومي إضافة إلى رفع مقدار السقف. وفي وقت سابق قال رئيس أوبك الشيخ أحمد الفهد الصباح انه سيقترح على المنظمة في اجتماعها المقبل زيادة إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل يوميا.

وفي هذا الإطار أعلن وزير الطاقة والمناجم في الجزائر شكيب خليل أن بلاده ستؤيد قرارا محتملا لمنظمة أوبك لزيادة الحصص الإنتاجية للمساعدة في كبح جماح أسعار النفط. وقال خليل ان مثل هذه الخطوة تعكس الإرادة الطيبة للأوبك التي تسعى للتدخل لخفض الأسعار. لكن خليل رأى أن الزيادة في أسعار النفط العالمية ليست ناتجة عن مشكلات في المعروض من الخام وقال إن عددا قليلا جدا من أعضاء أوبك هم الذين لديهم طاقة فائضة لزيادة إنتاجهم.

ومضت بعض الدول الأعضاء في أوبك إلى أبعد من ذلك حيث قال أدموند داوكورو وزير الدولة للبترول في نيجيريا إن زيادة إنتاج المنظمة بواقع مليون برميل يوميا سيكون لها أثر أفضل على أسعار النفط المرتفعة من زيادة بواقع نصف مليون برميل في اليوم. وأعلن أنه يؤيد فكرة زيادة سقف إنتاج المنظمة في الاجتماع الوزاري المقبل وذلك رغم ان العديد من الدول الأعضاء تنتج النفط بأقصى طاقة ممكنة. وأضاف انه سيطرح هذه الفكرة على وزراء أوبك في الأيام القليلة المقبلة.

وعبر عبدا لله بن حمد العطية النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة والصناعة في دولة قطر ضمناً عن تأييده لقرار الزيادة المتوقع، حيث قال إن ما أعلنه الشيخ احمد الفهد الصباح من مقترح حول قرار بزيادة سقف الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل خلال الاجتماع المقبل هو أمر تم الاتفاق عليه في اجتماع المنظمة السابق.

وأكد العطية ضرورة التحرك في الاجتماع المقبل للأوبك لاتخاذ القرار المناسب، منوها إلى أن المنظمة سوف تلعب دورا ايجابيا من خلال بعث رسالة جديدة وواضحة للمستهلكين بأنها سوف تقدم ما تستطيع القيام به للمساهمة في استقرار سوق البترول العالمية. وحول تأثير أية زيادة في الإنتاج تقوم بها المنظمة على الأسعار قال العطية إن الأوبك ستتخذ القرار الايجابي والمناسب، معربا عن الأمل إن تتقبل السوق مثل هذه الرسالة بايجابية.

من جانبها قالت المملكة العربية السعودية أكبر منتج للنفط في العالم إنها مستعدة لرفع إنتاجها إلى 11 مليون برميل يوميا بما يعادل زيادة تبلغ 5. 1 مليون برميل عن مستوى الإنتاج الحالي. لكن مشترين للنفط السعودي الخام قالوا إن الخام السعودي الثقيل غير مناسب لإحلاله محل النفط الذي توقف إنتاجه في الولايات المتحدة بسبب الإعصار.

وتتركز أغلب الطاقة الاحتياطية السعودية في الخام الثقيل الذي ترتفع فيه نسبة الكبريت وتجد مصافي التكرير صعوبة في معالجته لاستخراج أنواع وقود النقل لذلك فمن المستبعد أن يرغب المشترون في زيادة شحناتهم من الخام السعودي. وأضاف المشترون أن الإنتاج السعودي الإضافي سيستغرق 40 يوما على الأقل للوصول إلى الساحل الأميركي على خليج المكسيك ولن يسهم في تخفيف حدة النقص الحالي.