يشدك وجه الفنان سامي حوّاط بلحيته الرمادية الكثة وشعره المتدرج بليونة، بما يشبه الأباطرة الإغريق حينا، وصعاليك ومتسكعي الساحات أحياناً أخرى ويعززه بنوعية لباسه. وخلف ظهره ذلك الكيس الرفيق، حمل الأيام والأحلام، فيذكر بفناني «التروبادور» في القرون الوسطى.

سامي حوّاط من فئة من يغني الحب والحرية، ويمارسهما. وهذا النوع من الفنانين يكاد ينقرض، خصوصاً على الساحتين العربية، واللبنانية. كان هذا الفنان الملتزم، دائماً، أصيلاً، عنيداً، شفافاً، مرهف الأحاسيس، تسكنه روح الطفولة والبراءة وأرواح الشهداء والقديسين والعمال والفقراء الذين من أجلهم. سخر مواهبه وجند رسالته مبشراً بالحق والعدالة.

شاء قدره ان يولد في بلدة منتمية لمدرس الأدب العربي الفريد حواط، أو «المتمرد» صاحب المقالات النقدية الساخرة والساخنة في مجلة «الدبور»، ولتريز الحاج التي هوت الفن ولم تحترفه، وعندما خيرت بين الفن والعائلة، اختارت عائلتها لأن الاثنين ـ كما قيل لها في حينها ـ عبارة عن خطين لا يلتقيان.

ويبدو ان الزوجين أيضاً لم يلتقيا، إلا على حب أولادهما، ما ولد انقساماً بينهما وخلافات دفعت سامي، وهو في العاشرة من عمره، إلى اللجوء إلى الخوري طوبيا مراد الحواط، «ومنه تعلم مساعدة المساكين والدفاع عن المظلومين، ونبذ التطرف الديني، والعصبيات المذهبية. ويضيف سامي حواط : «كان الخوري طوبيا مثلي الأعلى، واليوم، كلما توسعت مداركي أدين له بهذا الصفاء والعناد في مساعدة كل محتاج، ربما أتابع رسالته ولكن بطريقة أخرى هي الكلمة والموسيقى»... معه

ـ أفهم أنك «طفشت» من الأهل إلى جدك الخوري، وأنت لم تكمل بعد عامك العاشر؟

ـ ليس بهذا المعنى. نعم طفشت أو بالأحرى «دشرت»، بحيث أطلق علي اسم «الداشر» إلى عند جدي، خصوصاً في العطلات المدرسية، وحين يشتد الخصام بين أمي وأبي.

ـ ما أسباب الخلاف بين الوالدين؟

ـ أسباب الخلافات متداخلة، منها ما هو عائلي صرف. ذلك ان أهل والدتي تمكنوا من السيطرة المعنوية على والدي الذي كان يرفض المقاومة اعتباراً من مبدأ السكوت من ذهب، وسياسة على اعتبار ان والدي ينتمي إلى حزب الكتلة الوطنية، بينما أخوالي كانوا يشكلون فرقة موسيقية تعزف العود والطبلة والكمان، وكانوا في حزب الكتائب والكل يدرك الصراع بين الحزبين المسيحيين. ما يهم في هذا الأمر، انني وجدت لدى جدي الحزب الإنساني الحقيقي، الذي بدأ يشكل محور حياتي ومجال تساؤلات كبيرة.

ـ كيف لصبي صغير أن يتنقل بين أعالي المتن وجرود جبيل، وما كان موقف أهلك من تصرفاتك؟

ـ كنت مغامراً بلا وعي، همي أن اختبئ في عباءة جدي حيث الدفء، وفي فكره حيث الحكمة والمعرفة والصبر والرسالة الحقيقية. حين يلتقيني لم يكن يفاجأ بينما يضمني ويأخذني إلى الخوري «هذا هو ابننا أيضاً»، ومرة تلو أخرى اعتاد والدّي على غيابي واطمأنوا إلى أنني في مأمن عند جدي، أخدمه في الكنيسة وأتعلم منه الحكمة والموسيقى والأناشيد.

ـ متى كان اختيارك الموسيقي للحياة والإبداع؟

ـ تربيت على الموسيقى من خلال والدتي وأخوالي وجدي. نشأت عليها فباتت تداعب أحاسيسي، أظنها لوثة رافقتني صغيراً ودفعتي إلى دراستها لأربع سنوات في «الكونسرفتوار» الوطني لدى كبار الأساتذة، إلى أن التقيت «الرفيق» زياد الرحباني و«شلته» المشاغبة سياسياً وفنياً، على الواقع المعاش في قضاء المتن، زياد كان عبقرياً بكل المقاييس والشروط، وأفكاره تسبق عمره بأشواط وما حكاه مسرحياً حدث ميدانياً.

ـ كيف تم اللقاء مع زياد و«شلته»؟

ـ كنا مجموعة رافضة، التقينا على قواسم مشتركة، واخترنا اقامتنا في منطقة الحمرا لدى أقارب المطرب جوزف صقر، نأكل ونشرب معاً، نكتب ونلحن ونغني في جوقة متناغمة الأوتار والأحاسيس والتحديات، أردنا السير عكس التيار، ومعنا عشرات الألوف من الشباب الباحثين عن وطن حقيقي، لكن يبدو أن الحرب كانت سباقة إلى المدن والقرى والشوارع والطوائف والسياسات، فكان الموت والتهجير، وكانت سنوات الحزن ورفض الأمر الواقع.

صمدنا كثيراً معا، وأعطينا بعضاً أجمل ما في الفن اللبناني بالصورة الواقعية، بعدها عشنا وانكوينا بالوطن الشاغل الدنيا وهالكم أرزه، الشاغلة الكون، و«لبنان يا أخضر حلو».. كشفنا زيف الشعارات بوجع الناس وجوعهم، ليس فقط إلى لقمة العيش، إنما إلى المعرفة بكل أنواعها، من خلال أربع مسرحيات وحفلات موسيقية متنقلة، حققت نجاحات لدى جمهور جميع الأطراف المتنازعين.

ـ شاركت في معظم مسرحيات زياد، ما الذي دفعك إلى الفكاك عنه؟

ـ لم يحصل الفكاك، إنما أردت أن أترجم أفكاري وأحلامي وهويتي بذاتي، وتلك من الأمور البديهية لدى كل فنان صاعد. اختبرت أصعب التجارب والتحديات حتى تمكنت من ذلك، فاقترن اسمي بالفنان الملتزم، وأنا فخور به، خصوصاً ان التزامي تعدى السياسة إلى هموم الأطفال في شتى أنحاء العالم.

ـ رغبة بالعودة إلى الطفولة أم انتقاماً من طفولة مشردة؟

ـ ليس لدي رغبة بالعودة إلى الطفولة، فأنا طفل أبدي. أما على صعيد الانتقام فذلك احساس لم يعترني أبداً، لا في طفولتي ولا اليوم، إنما بالتأكيد أستعير ذكريات هذه الطفولة وتجاربها، لأكتب عنها كلمات وموسيقى تتلاءم مع أحلام الأطفال المحرومين والمعذبين، وما أكثرهم في عالمنا العربي وأطفال فلسطين والعراق على رأس القائمة.

ـ لكن الغناء والموسيقى، سلاح غير فعال في وجه التحديات الكبيرة التي تواجه الصغار والكبار؟

ـ أعطي ما لدي وأكثر، وهذا ما يرضي طموحي الإنساني، كنت وسأبقى كما سبق وقلت «مواطناً انسانياً» وليس مواطن شرف. أعمل بكل ما أمتلك من طاقات، أسرق الوقت وأهرول باتجاه الكلمة واللحن، أهبهما لأطفال العالم وكباره، فلربما أعيد للصغار بعضاً من انسانيتهم التي حرموا منها، وأسرق من الكبار بعض ثرواتهم المبذرة على موائد اللهو والقذارات الاجتماعية.

ـ إلى متى تستمر معركتك الفنية والانسانية في زحمة الفن الاستهلاكي؟

ـ لا شأن لي بهؤلاء.. لقد تعلمت من جدي أن أؤدي رسالتي بكل شروطها ومتطلباتها، وأترك لغيري هم النقد على ما أصاب الفن من ابتذال، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة. يكفيني فخرا أنني لن أتنازل عن مبادئ وقيم أؤمن بها مهما بلغت التحديات، فلست بطالب شهرة وثروة، إنما بإنسانية حقيقية تعم جميع البلاد والناس. ربما أحلم بـ «المدينة الفاضلة» لكنني غير نادم، وهذا سر سعادتي.

بيروت ـ فيوليت غبرو