أضحت الصين بالنسبة للشركات متعددة الجنسية المكبلة بأغلال المبيعات الراكدة، مصدر جذب للاستثمار، وسوقاً واعدة تبشر بالنمو لكن إغراء المرابح الصينية المقرون بالفساد المحلي المتغلغل يغوي الشركات الأجنبية والمديرين، ويدخلهم في صراعات مع قوانين مكافحة الفساد، وخصوصاً في الولايات المتحدة.

ففي مقابلات أجريت مع عدد من المديرين التنفيذيين للشركات الأجنبية في الصين، ووكلاء مبيعات وموزعين، لتسع شركات أميركية متعددة الجنسية، أقر هؤلاء بأن شركاتهم تفوز بصورة روتينية بالمبيعات عن طريق دفع ما يمكن اعتباره رشاوى غالباً ما تكون في صورة رحلات ترفيهية وسفريات باهظة التكاليف لشراء وكلاء في المكاتب الحكومية والقطاعات التجارية المملوكة للدولة.

وقال المصدر إن مثل تلك الدفعات، تمرر عن طريق شركات توزيع، أو مكاتب علاقات عامة، لتقليص فرص مقاضاتها من قبل وزارة العدل وهيئة الأوراق المالية والسندات الأميركية المكلفة بتطبيق قانون ممارسة الفساد الأجنبي. وأعرب أحد ممثلي المبيعات في وحدة تابعة لشركة تكنولوجيا أميركية كبرى ذات وجود تجاري قوي في الصين بأن المسألة لا تعدو كونها ممارسة طبيعية.

وغالباً ما يصف زعماء التجارة الأميركيون عملياتهم في الصين بالمثالية موضحين أن وجودهم هناك قد يرغم المنافسين الصينيين على تبني ممارسات تجارية أكثر اخلاقية، إلا أن التيار يجري عكس ذلك حيث تتبنى الشركات الأميركية تكتيكات صينية الطابع، لضمان مبيعاتها حيث أنها تنافس في سوق يتحكم فيها مسؤولو الحزب الشيوعي الصيني بالخيوط التجارية ويعتبر وكلاء المشتريات الهدايا جزءاً من رواتبهم.

ومن جانبهم يقول مديرو الشركات الأميركية إن الأمور اختلطت عليهم فهم من جانب يخضعون للمساءلة من قبل المساهمين في وول ستريت والمكاتب الرئيسية التي تطالب بحصة من السوق الصينية المغرية ويخضعون للمحاسبة في وطنهم من قبل وزارة العدل، وهيئة الأوراق المالية والسندات من جانب آخر.

وقد وصفت كاترين بوير ـ التي فصلت العام الماضي، كرئيس للعمليات داتا ستريم سيستمز في آسيا الباسفيك بسبب كشفها للمشاكل التي شابت كيفية حصول شركة معلوماتية من ساوث كارولينا على المبيعات في الصين ـ السوق بأنها سوق مختلفة ويمكن للمرء مواجهة توقعات غير حقيقية.وقد رفعت «بوير» دعوى إفشاء معلومات ضد «داتا ستريم» في أعقاب فصلها، كما قامت سوق ناز داك للأسهم بشطب أسهم داتا ستريم بعد إخفاق الشركة في تقديم تقارير مرابحها في الوقت المحدد.

وفي هذا السياق، قال جوجيا نهاو مدير داتا ستريم المؤقت في الصين، خلال الفترة من شهر مايو الى يوليو 2004، بأن الشركة سجلت عوائد، بعد توقيع عقود دور التسليم الفعلي للبضائع، كما استخدم وكلاء المبيعات صناديق ترفيهية سخية، للفوز بصفقات تجارية، وفي احدى الحالات، حسب قوله، رتب أحد موظفيه رحلة تدريبية لأحد وكلاء المشتريات، تتضمن جولة في نيويورك، وأنه أوقفها لعدم أحقيته بها.

ومن جانبه قال رئيس داتا ستريم «اليكس استيفينر» بأنه لن يعقب على مسائل ذات طابع شخصي، مضيفاً بأن لدى «داتا ستريم» اهتماماً قوياً بتنمية تجارتها في شرق آسيا والمحيط الهاديء، بمافي ذلك الصين، وفي قيامها بذلك، فإنها تسلك السبل السليمة والقانونية.

وقد أذكى هذا النهج القوي، الاقرار المتزايد، بأن الصين، التي عرفت طويلاً بأنها مقبرة الأحلام، بالنسبة للمستثمرين الأجانب، راحت في النهاية، تدر الأرباح.

وتقول كريستين فوربيز العضو السابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، والاستاذ الحالي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «كلية سلون للإدارة» بأن الشركات تشهد الآن بعضاً من نموها السريع في الصين، وهو نمو رابح. ومن جهته وصف الصحافي «جوستدويل». في مقال له نشر العام الماضي في المجلة الاقتصادية الربعية الصينية، العام 2003، بأنه أفضل الأعوام، منذ قرن على الأقل، لجني الأرباح في الصين.

وكان ستودويل، مؤلف «الحلم الصيني» والمشكك المفوه في أفق التجارة في الصين. قد فند البيانات التي قدمتها الشركات الأميركية المتداولة في أسواق البر الصيني، وهونغ كونغ، والخالصة الى أن أرباحها الصينية ارتفعت الى 4. 4 مليارات دولار عام 2003 من 9. 1 مليار دولار عام 1999.

إلا أنه، وكما هو الحال إبان الفقاعة التكنولوجية أواخر تسعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة، التي افرخت عقلية مادية، وملتوية على القوانين، فإن سلسلة من حوادث الفساد، التي ضمت شركات أميركية متعددة الجنسية، أكدت الضغوط التي تواجهها الشركات في سبيل تحقيق المكاسب من المنجم الصيني، وكانت وزارة العدل، أعلنت في شهر ديسمبر، بأن إن فجن تكنولوجيز صانعة أنظمة المراقبة الأمنية في كاليفورنيا وافقت على دفع 000. 800 دولار غرامة،

كجزء من تسوية بعد اقرارها بأن موزعيها في الصين، وتايلاند، والفلبين، رشوا موظفين حكوميين، للفوز بمبيعات. وفي تسوية منفصلة مع هيئة الأوراق قدمت في فبراير، دفعت إن فجن، منذ استحواذها من قبل جنرال الكتريك 500 ألف دولار من أرباحها، وفقاً لوثائق تسوية هيئة الأوراق المالية، وكانت إن فجن دفعت في ابرايل 2004م 000. 95 دولار الى موزع صيني، رغم علمها بالاحتمال القوي،

لاستخدام الوكيل لجزء من هذا المبلغ لتغطية نفقات رحلات خارجية، لبعض المسؤولين الحكوميين، لإنجاز مبيعات معدات بمبلغ 8. 2 مليون دولار لأحد المطارات التابعة للدولة في مدينة غوانجو الجنوبية. وفي شهر مايو، أبقت هيئة الأوراق المالية والسندات، قضية ضد «ديا غونستيك برودكتس» وهي مؤسسته للمعدات الطبية، مقرها لوس انجلوس بتنازل الشركة عن مليوني دولار من الأرباح، وقد اتهمت هيئة الأوراق المالية والسندات، أنه في المدة الواقعة بين 1991 و2002،

سلمت «دوبو بيوتكنولوجيكال أند مديكال برودكتس» فرع الشركة الصيني، 6. 1 مليون دولار رشاوى الى أطباء وموظفين آخرين في مستشفيات صينية حكومية، بهدف تنشيط تجارتها. وكانت الصحافة الصينية، أوردت في شهر مارس، أن رئيس بنك تشاينا ـ كونستراكشن بانك، جانغ انجاو، أوقف بتهمة الفساد وأنه يخضع للتحقيق والإقامة الجبرية.

وقد اقيمت دعوى قضائية في مقاطعة مونتيري، في كاليفورنيا، متهمة «جانغ» ومشاركيه بتلقي مليون دولار رشاوى تحت ذريعة أتعاب استشارية من شركة البرمجيات المعلوماتية الأميركية، ألتل انفورميشن ـ سيرفيسز، ومقابل ذلك حصلت «ألتل انفورميشن سيرفيسز»، المتفرعة آنذاك عن ألتل غروب، على عقود بقيمة 176 مليون دولار من البنك، حسبما ورد في القضية، وكانت الدعوى رفعت من قبل «غريس آند ديجتال انفورميشن تكنولوجي كومباني»،

وهي شركة صينية تؤكد أن عقوداً لتجارة البرمجيات الخاصة بالبنك خرقت بسبب الرشاوى وفي رد على الدعوى في المحكمة الفيدرالية في سان خوزيه، كاليفورنيا استبعد جيم ويلسون الرئيس السابق لدى انتل انفورميشن سيرفيسز، منذ شرائها من قبل فدليني ناشونال فاينانشيال انكورب، وإطلاق اسم فدليتي انفورميشن سيستمز عليها ادعاءات الرشوة واصفاً إياها «بالمزاعم الكاذبة».

وكانت لوسنت تكنولوجيز انكورب، شركة الاتصالات العملاقة طردت رئيسها الصيني، وضابط عملياتها الأول والمدير المالي، ومدير التسويق، بعدما وصفته الشركة بالمسؤول عن «الإخفاقات الداخلية في ضبط الأمور» والتي تنتهك قانون مكافحة الفساد الأجنبي في الولايات المتحدة وأوردت وسائل الإعلام الصينية بأن المدققين وجدوا أن المديرين قدموا رشاوى إلى مسؤولين في شركات الاتصالات الحكومية وقد امتنعت لوسنت عن تقديم تفاصيل مؤكدة أنها تتعاون مع المحققين الفيدراليين

وقالت مصادر في الشركات الأميركية وشركات التوزيع الصينية ان قضية لوسنت غير عادية. وعلى عهدة باتريك نورتون العضو المنتدب في مكتب بكين لمكتب أوملفيني أند مايرز للمحاماة، فإن استخدام الوسطاء قنوات لتمرير المدفوعات لا يحصن الشركات الأميركية، وتلك المدرجة في أميركا من قوانين مكافحة الفساد الأميركية

ويذكر أن بنود قانون مكافحة الفساد الأجنبي الأميركي التي تفرض عقوبات جنائية تصل إلى السجن خمس سنوات للأفراد، وغرامة تصل إلى مليوني دولار على الشركات تنص على حظر أي »شخص أميركي» من دفع «أي شيء ذي قيمة» إلى «مسؤول أجنبي» «لأغراض إفسادية» لتحقيق مكاسب تجارية.

وقال نورتون إن وزارة العدل تفسر القانون بحيث يشمل الرشاوى المدفوعة من قبل الشركات الأجنبية والوكلاء أصالة عن الشركات الأميركية وفي مقال نشره في مجلة القانون والممارسة الصينية العام الفائت قال نورتون «إن الجهل المتعمد ليس دفاعاً فالشركات الأميركية في الصين، مسؤولة بموجب قانون مكافحة الفساد الأجنبي الأميركي لتضمن أن وكلاءها لا يباشرون بصورة غير مباشرة ما يحظر على الشركات الأميركية ممارسته بصورة مباشرة».

ومع ذلك، فإن هذا السلوك يبدو شائعاً فما حدث في لوسنت يحدث في جميع شركات التقنية الكبرى، وفي بيان مكتوب قالت هيوليت ـ باكارد إنها تستخدم شركات التوزيع «لتوسيع تغطيتها بصورة فعالة» في أنحاء الصين مضيفة أن الشركة تعمل بأسلوب قانوني وأخلاقي حول العالم». وأضافت بأننا لسنا على علم بأمثلة معينة على سلوكيات غير أخلاقية من جانب شركائنا في هذا الوقت.

وأضاف البيان لو أن دليلاً ظهر على العكس فإننا سنقوم بإيضاح ومتابعة المسألة وملاحقتها باتخاذ الإجراء المناسب. وعلى الصعيد ذاته قالت مصادر إن معظم الرشاوى تتم عن طريق تقديم حسومات تدخل في صناديق مشتركة داخل الوكالات الحكومية أو الشركات المسؤولة عن المشتريات لتجنب خضوع الأفراد لتهم الفساد،

وهذا الصندوق «مخصص لاستخدام الدائرة» حسبما قال أحد الرؤساء التنفيذيين السابقين لإحدى شركات التقنية الأميركية الكبرى، والذي أضاف بأنها مخصصة لدفع نفقات العطلات في لاس فيغاس وهونغ كونغ وزيارات إلى مرابع ليلية وهدايا للزوجات والكل على علم بذلك.

ترجمة: وائل الخطيب