لا تستطيع أن تدخل مكاتب شركة «إتش بي»، الواقعة في مدينة دبي للانترنت ـ المبنى 13، من دون أن تتهيّب. موظفو الشركة يتوافدون إلى مكاتبهم بكثير من الأناقة والجدية، الأبواب الزجاجية مغلقة بإحكام في وجه من لا يحوز بطاقة ممغنطة، الحارس عند المصعد يطلب منك الكثير من المعلومات عن الهوية والمقصد وسبب الزيارة، ثم هناك الشقراء عند مدخل الشركة الرئيسي تطلب تعبئة نموذج محشو بالكثير من الأسئلة المضافة»، هل هذا ضروري إلى هذا الحد»؟

عليك التفكير أكثر من مرة قبل أن تسألها هذا السؤال لأنها ستردّ، بالمقابل، بصرامة: هذا من أجل أمنك وأمن الشركة سيّدي». هيوليت باكارد، أو «إتش بي» اختصاراً، تشبه تماماً الموظفة الشقراء. فهي شركة جدّية للغاية، وتاريخها الذي يمتد إلى أكثر من ثلاثة عقود في المنطقة مليء بالمحطات التي تدلل على أنها تحسب الأمور بدقّة أوصلتها لكي تهيمن على 20% من سوق التقنية في الشرق الأوسط، بحصّة مليار دولار من أصل 6. 5 مليارات هو الحجم الكلّي للسوق المحلي،

متربّعة على عرش مبيعات شركات الحاسوب المكتبي والدفتري وحلول وأنظمة التكنولوجيا المتنوّعة. هذا يعني أنه من أصل 100 نشاط له علاقة بالتقنية، سواء كان الأمر متعلقا بالكمبيوتر أو الكاميرا أو الهاتف أو جهاز التلفزيون أو تلك الحزمة المعقّدة من حلول وأنظمة الشبكات.. في دول الخليج والشام ومصر ومناطق أخرى، هناك 20 نشاطا تقف وراءه شركة واحدة هي «إتش بي».

خلف هذه الأرقام، سياسة عالمية متماسكة تطبّقها الشركة الأميركية في المنطقة ورجل يدير الدفّة اسمه جوزيف حنانيا، المدير المنتدب في الشرق الأوسط، الذي يتحدّث عن «العلامة التجارية الزرقاء» بكثير من تفاؤل يميّز شخصيته، بالرغم من التحديات الرئيسية التي تواجه «إتش بي» وتتمثل بقدرتها على الحفاظ على مركزها الأوّل في سوق الحواسيب،

كذلك زيادة حصتها من سوق الكاميرات الرقمية وسط منافسة قاسية من الآسيويين: اوليمبوس وفوجي فيلم وكانون والعملاق سوني، إضافة إلى نشر الوعي بالخدمات المبتكرة التي تقدمها في مجال الخوادم servers والحلول والخدمات للشركات الكبيرة والصغيرة والمتوسّطة، ثم التحدي الأكبر وهو اقتحام سوق التلفزة خلال نهاية العام بأجهزة تحمل، لأول مرة في المنطقة، شعار «إتش بي».

كان على «أتش بي» أن تنتظر 26 عاما لكي تفتح مكتبها الإقليمي الأول في المنطقة في العام 1994 بالرغم من تواجدها المبكر الذي بدأ في العام 1968. ثم كان عليها أن تنتظر تسع سنوات أخرى لكي تشتري شركة «كومباك» في العام 2003 في صفقة تاريخية حجمها 25 مليار دولار،

مكّنتها من السيطرة على سوق التقنية في الشرق الأوسط. اليوم، تحتفظ «إتش بي» بمصانعها الثلاثة في الدول النامية: جنوب أفريقيا وبولندا والسعودية التي تصنّع فيها آلاف الأجهزة الممهورة بعبارة «صنع في السعودية». وبمساعدة شراكة تاريخية مع شركات الأنظمة والحلول التكنولوجية مثل أوراكل ومايكروسوفت وسيسكو وغيرها، تقوم «إتش بي»، التي توظّف 700 فرد في مكاتبها بالمنطقة معظمهم من العرب،

بدعم متطلبات المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة التي ترتكز عليها بشكل رئيسي أسس الاقتصاد المحلي، كذلك بتأمين الحلول الضرورية للشركات العملاقة التي تقود الاقتصاد الحديث لدول الخليج تحديداً. على جسر يصل بين التنمية الاقتصادية وبين تحقيق المكاسب التجارية تقف «إتش بي» بكعب راسخ لتقول إنها، اليوم، «جزء أساسي من اقتصاد المنطقة الرقمي ونهضتها في مجالات مختلفة».

* رياح الشمال

جاءت توقّعات خبراء التقنية مع بداية العام الحالي 2005 محمّلة بالكثير من التشاؤم الذي ينذر بهبوب رياح شمالية قد تطيح بكل شيء. وبرز تحد رئيسي أمام شركات التكنولوجيا تمثّل بالتقديرات حول بطء النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان وأميركا اللاتينية.

إزاء ذلك، كان على الشركات أن تبحث سريعا في إجراءات جدية ومؤثرة تمكّنها من التحكّم بحجم التكاليف التي ستتكبدها. وقد انبرى المراقبون آنذاك لكي يؤكدوا أن تلك النتائج قد تكون متوقعة خاصة بعد الإعلانات التي تمت في أواخر 2004 عن اندماجات كبيرة الحجم قدرت بمليارات الدولارات قامت بها كل من «أوراكل» و«سيمانتك» و«إي أم سي» و«لينوفو» و«آي بي أم» وشركات أخرى.

ثم برز التحدّي الآخر الذي أعاد رسم خارطة أسواق التقنية في العالم، وتحصيلا في المنطقة، وهو البزوغ الكبير لهامة «عصر التوحيد الرقمي» الذي أمّن تداخلا وثيقا بين قطاعات التقنية المختلفة مثل الشراكة بين الاتصالات والتلفزة وبين الكمبيوتر والموسيقى وبين حلول التصوير الرقمي والحاسوب، وتداخلات أخرى جعلت المنافسة تشتعل وحرّضت شركات التلفزة والكترونيات المستهلك وأجهزة الهاتف والاتصالات والكمبيوتر على التنافس فيما بينها على حلبة واحدة.

لكنّ الربع الأخير من العام أقفل على غير المتوقّع منه، وتحديدا في منطقتنا التي يصفها حنانيا «بالمحصّنة ضد التقلّبات التي تواجه سوق التقنية في العالم، كون السوق لا يزال ينمو بمعدلات كبيرة وكون الفرص لا تزال موجودة». وبالفعل، تشير أرقام شركات الأبحاث المتخصصة، مثل «آي دي سي»، أن مناطق كثيرة من العالم، مثل روسيا والصين والهند وأوروبا الشرقية،

إضافة إلى الشرق الأوسط لا تزال تحقق معدلات نمو عالية تتفوّق على النمو العالمي والنمو الحاصل في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية حيث يوجد أكثر من 10 ملايين خادم حاسوبي في الطريق بين باريس ونيويورك. فمع بداية العام توقعت «آي دي سي» أن يبلغ نمو قطاع التقنية في الشرق الأوسط 11%، إلا أن الربع الثالث من هذا العام أقفل على نمو متحقق بنسبة 13-14%.

ويعيد حنانيا هذا الأمر إلى جملة أسباب من بينها تزايد عدد السكّان ورخص تكاليف البنية التحتية والانفتاح على الأسواق العالمية وقبل كل شيء التقدم القياسي الحاصل في قطاعات اقتصادية معيّنة إذا كان الطابع الذي تتخذه النهضة الاقتصادية اليوم في منطقتنا، وتحديدا في الخليج،

هو الشكل العمراني فهذا بحد ذاته يولّد فرصا كبيرة في مجال التقنية».وبالرغم من أن المنطقة لا تزال حتى اليوم تشهد الكثير من التوترات على الصعيد الأمني والسياسي، إلا أنّ مدير «إتش بي» يؤكد أنه لن يكون هناك تأثيرات كبيرة لذلك على نمو قطاع التكنولوجيا الذي سيستمرّ في صعوده خلال العقد المقبل.

* صنع في الإمارات

لكنّ هذا النمو لا يحرّض «إتش بي»، أقلّه في الوقت الحاضر، على تكرار تجربتها التصنيعية في المنطقة، بإنشاء مصنع آخر غير ذلك الذي افتتحته في خريف 2003 في ضواحي الرياض. وفي الوقت الذي أشيعت فيه أخبار كثيرة عن نيّة الشركة افتتاح مصنع في دولة الإمارات العربية المتحدة، يقابل المسؤولون في «إتش بي» هذه الأخبار بالنفي

مؤكدين أن الوقت لم يحن بعد لخطوة مماثلة مرتبطة إلى حد كبير بالطلب والتكلفة ومقتضيات التنافس: حين اتخذنا قراراً بافتتاح مصنعنا في السعودية، كانت هناك حاجة ماسة إلى تلك الخطوة نتيجة الطلب المتزايد في السوق السعودي على أجهزتنا المكتبية، وتحديداً من قبل المؤسسات الحكومية».

وخلال السنوات الأخيرة، برزت وزارة التربية السعودية كعميل قوي على لائحة عملاء الشركة في المنطقة تستورد سنوياً أجهزة يتراوح عددها بين 50 و70 ألف جهاز. ويحسم حنانيا قضيّة دقة الأرقام المتداولة عن إنتاجية المصنع بالسعودية بالقول:» طاقة المصنع الإنتاجية تتراوح بين 160 ألفاً و200 ألف جهاز في السنة، إلا أننا ننتج اليوم 85 إلى 100 ألف جهاز».

وبالرغم من الأخبار التي رافقت افتتاح المصنع قبل سنيتن وأشارت إلى ضلوعه في عملية تصدير الأجهزة المصنّعة، أو المجمّعة قطعها فيه، من السعودية إلى دول المنطقة، لا يزال 80% من نشاط المصنع السعودي موجّها لخدمة احتياجات السوق السعودي فقط:» هذا عدا الطرازات الأخرى التي نستوردها إلى السوق السعودي من مصانعنا الآسيوية».

وبالمقارنة بين سوقي السعودية والإمارات، يحتل السوق الإماراتي المرتبة الثانية بعد السعودي من حيث الحجم، على مستوى التقنية. فمن أصل 6. 5 مليارات دولار هو الحجم الإجمالي لسوق التقنية، يعود للسعودية 1. 2 مليار وللإمارات 1. 1 مليار دولار ولمصر 800 مليون وتتوزّع النسب الباقية على دول الخليج والشام. وتسيطر «إتش بي» على 20% من مجمل هذا السوق.

يقول مدير «إتش بي» إلى اليوم، لا يزال بوسعنا تلبية احتياجات المنطقة عن طريق مصنع السعودية ومصانعنا في الصين وسنغافورة ودول آسيوية أخرى». وبالرغم من إيمانه بالدور الكبير الذي تلعبه الدولة، وتحديدا إمارة دبي، في مجال نشاط إعادة التصدير، يرى أن الشركة لم تتوصّل بعد إلى دراسة اقتصادية تثبت أن تكلفة إعادة التصدير،

في حال تم افتتاح مصنع في دبي، ستكون أقل من تكلفة استيراد الأجهزة من مصانع الصين وسنغافورة لتأمين احتياجات أسواق المنطقة، وهي السياسة التي تتبعها الشركة في الوقت الحالي هناك مبادرات مع الحكومة الإماراتية تناقش في فرضية افتتاح مصنع بالدولة، إلا أنّ لا شيء مطروحاً على الطاولة في الوقت الحالي.

وقد كان لشعار «صنع في السعودية» تأثير كبير على المستهلك السعودي الذي بات يتعامل مع العلامة التجارية «إتش بي» بواقع أقرب، الأمر الذي يشجّع الشركة على المضيّ نحو خطوات إيجابية أخرى على صعيد علاقتها بالمستهلك المحلّي. وترفع «إتش بي» شعار السهولة، حتى لدى خوض العمليات المعقّدة، وهو ركيزة أساسية في فكرها التسويقي تدلل من خلاله على النجاح:» من الضروري أن تظهر الأمور سهلة بالنسبة إلى المستهلك، فهذا دليل نجاح».

على سبيل المثال، تربط إحدى حملات الشركة الدعائية الموجهة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قضيّة أمن الشركات بفنجان قهوة. إذ تركّز الحملة التي أطلقتها الشركة مؤخرا على أنّ « العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تستطيع حماية بياناتها مقابل كلفة يومية زهيدة لا تتجاوز سعر فنجان من القهوة، ومن الواضح أنّ 50% من مجموع الشركات الصغيرة والمتوسطة ستتوقف عن العمل خلال ثلاث سنوات إن لم تتمكن من استعادة بياناتها ـ عند حدوث مشكلة ما ـ في غضون 24 ساعة».

* المنافسون

ولا تقتصر سياسة «السهولة»، بمعنى اقتحام تعقيدات الأمور بروح المبادرة والابتكار التي تضمن النجاح، على النشاط التسويقي بل تتغلغل في الفكر الاستراتيجي للشركة. ففي العام 2003، كانت شركات الحاسوب في العالم تواجه تحديات الكساد والمنافسة والاستمرارية.

ووجدت «إتش بي»، في مايو العام 2003، الضوء الذي يخرجها من النفق بشراء شركة «كومباك» الأميركية التي كانت تتصدّر أسواق أجهزة الحاسوب الدفترية والمكتبية، تحديدا في منطقة الشرق الأوسط، وضمنت بذلك المركز الأوّل بطريقة وصفها بعض المنافسين «بالسهلة» استنادا إلى مبدأ «أن تشتري حصّة الأوّل فتصبح الأوّل تلقائياً»، بينما يصفها حنانيا اليوم «بالايجابية جدا والتاريخية والتي كان بذل فيها الكثير من المجهود».

وقد أحيطت تلك الصفقة آنذاك بالكثير من الجدل والتأييد والقبول والاعتراض، وكان من نتائجها إطاحة المستثمرين بعضو مجلس الإدارة وابن مؤسس الشركة وولتر هيوليت الذي كان من أشد المعترضين على إتمام الصفقة. كما تم التداول آنذاك بأسماء لوجوه عربية شهيرة كان لها أثر في المضيّ بإتمام الصفقة، كالأمير السعودي الوليد بن طلال الذي يوصف بواحد من المستثمرين البارزين في شركة «إتش بي».

ولا يستبعد حنانيا وجود مستثمرين إماراتيين أيضا في الشركة، إلا أنه لا يعرف هويات محددة لهم. وبموجب الصفقة، اختفت علامة «كومباك» تلقائيا من الأسواق بعد اجتياز مرحلة وسيطة هي «كومباك من إتش بي»، لتبقى علامة «إتش بي» وحدها في نهاية المطاف، مسيطرة على سوق الأجهزة الحاسوبية الذي كانت «كومباك» تتصدره بشكل يتكامل مع سيطرتها التاريخية على سوق الطابعات وحصصها الهامة في سوق الكاميرات.

ولا يهوى حنانيا المقارنة بين ما فعلته «إتش بي» وبين قيام منافستها «آي بي أم» ببيع قيم الكمبيوترات الشخصية الخاص بها إلى الشركة الصينية العملاقة «لينوفو» مشيرا إلى «أن الظرف كان واحدا، إلا أن الإجراءات التنفيذية مختلفة، فنحن اخترنا أن نشتري كومباك بينما أجبرت «آي بي أم» على بيع حصتها من الحواسيب الشخصية إلى الصينيين كي تضمن الاستمرار وتجاوز الصعوبات التي واجهت شركات التقنيّة في تلك الفترة».

وينظر إلى المنافسة بوصفها ضرورية وصحية ومفيدة للمستهلك، إلا أنه «يمكن المنافسة بخسارة لكن ذلك لا يضمن الاستمرار وتحقيق الأرباح ضروري».وتضع «إتش بي» على لائحة منافسيها علامات تجارية مثل: «دل» (في مجال الأجهزة المكتبية) و«آيسر» و«توشيبا» و«آي بي أم» في مجال الأجهزة الدفترية.

* ثلاثة تحدّيات

الاندماج لم يشكّل التحدّي الوحيد الذي مثل في وجه «إتش بي» خلال السنوات الماضية، فإلى جانبه برزت تحدّيات «وجودية»، على رأسها مجاراة ذوق الجمهور الجديد الذي لا يريد أن يتعاطى مع جهاز الحاسوب بعد اليوم بوصفه «الجهاز الغليظ» الذي يوضع على سطح المكتب وإنما بوصفه جهازا ترفيهيا تصدح منه الموسيقى ويوصل رسائل الأصدقاء، وقد يكون، فعلا، موجودا على رخامة المطبخ.

وعلى سبيل المثال، تمكنت شركة «آبل»، عبر منتجها آي بود الذي باع 10 ملايين جهاز في أول ثلاث سنوات من طرحه في الأسواق (حتى بداية يناير 2005)، من القضاء على حلم الشركات المصنّعة للكمبيوتر بأن تتحوّل أجهزتها إلى منصّات التسلية والترفيه الرئيسية، في مواجهة مع الهاتف وأجهزة تشغيل الموسيقى التقليدية. ثم سارعت الشركة إلى طرح جهازها «ماك ميني» الذي هو عبارة عن جهاز يجمع بين خصائص الكمبيوتر التقليدية وبين وسائط التسلية والترفيه.

ويعتقد البعض أن «أبل» باتت تتبنى إستراتيجية جديدة تنتقل بمقتضاها إلى سوق الالكترونيات الاستهلاكية، وتجعل جهاز «ماك ميني» مركزا للتسلية والاتصال.هذا الانتقال لا يخيف «إتش بي» التي تقول إنها استعدت منذ زمن بعيد للتحوّل الكبير الذي سببه عصر «التوحيد الرقمي»، حيث كلّ الأجهزة التي تعمل على أساس الجذر 0 و1 بالإمكان أن تقدّم حلولا مشتركة».

يقول حنانيا: «كل ما يتعاطى مع الديجيتال من الكاميرا إلى الحاسوب والهاتف والبرّاد بالإمكان أن يعمل في أنظمة تقدم حلولا متكاملة. ومختلف الشركات التي تتعاطى في شأن الكترونيات المستهلك، ومن بينها إتش بي، تسعى إلى اختيار الجهاز الواحد الذي يدمج عدة أجهزة وحلول، والتوجّه اليوم يشير إلى انتخاب جهاز الحاسوب بوصفه الجهاز الأكثر ذكاء».

ويعتقد أن عصر «التوحيد الرقمي» قد يفرز ظاهرتين رئيسيتين هما المنافسة الشرسة بين شركات لم تكن تتنافس فيما بينها في وقت سابق:» كشركات الهاتف وشركات الكمبيوتر وحتى شركات الهاتف مع البنوك، حيث تسعى الأولى اليوم بأن تلعب دور الوسيط المالي للعميل وهو الدور الذي لطالما لعبته البنوك في الفترات السابقة»، أما الظاهرة الثانية فهي التكتّل وشراء الشركات الكبيرة للشركات الصغيرة التي لن تجد لها مكانا بعد ذلك في السوق.

ويذهب بنا الحديث عن «التوحيد الرقمي» إلى رغبة «إتش بي» المستفيضة في إظهار الوجوه الأخرى التي تتمتّع بها علامتها التجارية، «فنحن لسنا مجرّد شركة طابعات أو أجهزة كمبيوتر بل أكثر من ذلك». إذ تسعى الشركة لاقتطاع حصص رئيسية من سوق كاميرات الديجيتال، كما تحضّر لطرح أجهزة تلفزيون تحمل شعار العلامة الزرقاء في الأسواق المحليّة بدءا من العام المقبل 2006.

ويفضّل حنانيا التكتّم على تفاصيل هذا الموضوع، «لمقتضيات المنافسة»، إلا أنّه يؤكّد أن شركته تطمح إلى اقتطاع حصّة كبيرة من بين أيادي الشركات المسيطرة حاليا على سوق أجهزة تلفزة البلازما، وهي في الغالب علامات تجارية آسيوية.وقد ينهي إقدام «إتش بي» على دخول سوق الأجهزة التلفزيونية، بحسب بعض التوقعات، موقعها السابق كشريك لشركات التلفزة التي كانت تلجأ إليها لمدها بشاشات الكريستال السائل الذي تستخدمه لشاشات الكمبيوتر التي تنتجها، وينقلها إلى موقع المنافسة مع هذه الشركات.

وكانت أخبار أشارت مؤخرا إلى أن تحالف شركة «إل.جي فيليبس إل.سي.دي» قد وقّع عقدا بقيمة 05. 5 تريليونات وون (04. 5 مليارات دولار) لتوريد شاشات مسطحة تعمل بالكريستال السائل لأجهزة الكمبيوتر والشاشات التي تنتجها «هيوليت باكارد» خلال السنوات الثلاث المقبلة. وقالت الشركة في إخطار لبورصة كوريا، إن التسليم سيتم بحلول 31 مايو 2008، إلاّ أن مدير «إتش بي» في الشرق الأوسط لم يعلّق على هذا الخبر.

وبنظر حنانيا، فإن «إتش بي» ستكون مهيّئة جدا للمنافسة في سوق التلفزة، حيث إن الشركة ستضع ثقل خبرتها في مجال الكمبيوترات لإنجاح مشروعها الجديد:» أجهزة تلفزة إتش بي معدّة لعصر الاندماج الرقمي حيث إنها تحتوي على منافذ تستقبل بطاقات ذاكرة الكمبيوتر وكاميرات الديجيتال». والى جانب تحدّيات تمدد العلامة التجارية وتوسّعها في أسواق جديدة، يبرز التحدّي الثالث المتمثّل بقدرة المستهلك على «هضم» تلك التشكيلة الكبيرة من الأجهزة التكنولوجية التي «تفقس» في السوق بوما بعد آخر.

ويعترف حنانيا أن ابتكارات التكنولوجيا المتواجدة اليوم في السوق أقوى من احتياجات المستهلك إليها، «لكنّ الأمر لطالما كان على هذه الصورة، وسيظلّ كذلك، فالابتكار يسبق دوما الانتشار». ولا يخفى أنّنا انتهينا من المرحلة التي كانت فيها الشركات تطرح المنتجات في السوق ثم تخلق الحاجة لها، كما أننا عبرنا مرحلة تفصيل المنتجات بحسب رغبات المستهلك، فنحن في مرحلة ثالثة هي مزيج من المرحلتين السابقتين.إنها معركة «التوحيد الرقمي» التي تخوضها «العلامة الزرقاء» بألوان صاخبة..وجدّية!

كتب ابراهيم توتونجي