ألقي الحديث عن انفجار «فقاعة» المنازل في الولايات المتحدة بظلال قاتمة على أفق سعر الدولار. وازدادت المخاوف من أن يؤدي انفجار هذه الفقاعة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الأميركي، ليضيف ثقلا إضافيا على سعر صرف الدولار. وعليه، صارت الصورة التي يرسمها المحللون عن مستقبل الدولار تميل إلى السوداوية.

حيث بات الدولار يرزح تحت ضغوط متعددة الاتجاهات، لا تقتصر فحسب على العجز الهيكلي في ميزاني التجارة والجاري الأميركيين، بل صارت هناك ضغوط أخرى إضافية تتمثل في ارتفاع أسعار النفط، وتزعزع ثقة المستهلك، وبروز دلائل على اتجاه معدل النمو نحو التراجع.

وما لفت نظر الأسواق أن التحذير من انفجار فقاعة سوق المنازل جاء على لسان آلان جرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في تصريحات ختامية أدلى بها في ندوة سنوية للاحتياطي الفيدرالي لكانساس سيتي وهي الكلمة الأخيرة له في منصبه كرئيس للاحتياطي الفيدرالي.وإن رواج سوق الاسكان لا بدأن يتباطأ، ما يلقي بالشكوك على قدرة البنوك المركزية على التأثير على قيم مثل هذهالأصول.

وفي تعبيرات واضحة على غير العادة عبر رئيس البنك المركزي عن رؤيته للتحديات التي تواجه خلفه الذي لم يعرف بعد وأوضح وجهات نظره في قضايا مثل تحديد مستويات مستهدفة للتضخم والسياسة المالية والاختلالات الاقتصادية.وفي إطار ذلك، فإن التعاملات في سوق الإسكان سوف تهبط من مستوياتها التاريخية حاليا. وفي الوقت نفسه، فإن زيادات أسعار المنازل سوف تهدأ بل إن الأسعار قد تهبط.

وقال جرينسبان إنه يتوقع أن يستمر الجدل بشأن ما إذا كان يمكن أو ينبغي على مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يستخدم قدرته في التحكم بأسعار الفائدة في محاولة للتأثير على أسعار أصول مثل الأسهم والمنازل لكنه لا يعتقد انه من المجدي عمل ذلك.وقال إن أسعار الأصول هي بالفعل جزء لا يتجزأ من تقييمنا للطائفة الكبيرة من العوامل التي تؤثر في الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي.واستدرك بقوله إنه بالنظر إلى ما لدينا حاليا من معرفة فإنني أجد أنه من الصعب تصور أن تستهدف البنوك المركزية بنجاح مستويات معينة لأسعار الأصول في أي وقت قريبا.

* تراجع أذونات الخزانة

وإثر هذه التصريحات، هبطت أذون الخزانة الأميركية بالنظر إلى إنها عززت الانطباع بأن البنك سيقوم برفع معدلات الفائدة حتى لو بقيت معدلات التضخم تحت السيطرة، حيث دفع خطاب جرينسبان المستثمرين إلى رفع هوامش العوائد على الإصدارات لمدة عامين والتي تعد أكثر حساسية للسياسة النقدية لتكون في نفس حيز مستوى هوامش العوائد لإصدار العشر سنوات.

و قاد ذلك إلى تضييق الفجوة بين الإصدارين لتصبح عند أدنى فارق منذ ما يزيد على عامين إذ ارتفعت في 26 أغسطس هوامش العوائد على إصدارات العشر سنوات بمقدار 3 نقاط،أي ما يعادل 03. 0% لتصل إلى 18. 4 % ( 26 أغسطس ). ووفقا لسمسار السندات كانتور فيتزجيرالد فإن هوامش العوائد على الإصدارات مازالت تقل عن المستويات التي بلغتها منذ أسبوع مضى وأقل من اعلى سعر تم تسجيله في شهر والذي بلغ 44. 4 % في 9 أغسطس .

ولا تزال هوامش العوائد على إصدار العشر سنوات والذي يستخدم في وضع معدلات الإقراض للرهن العقاري وتكاليف اقتراض الشركات أقل من 69. 4 % وهو المستوى الذي بلغه في 29 يونيو 2004، أي قبل يوم واحد من تاريخ قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة .

وقال آندرو هاردينج مدير السندات بشركة «آليجيانت آسيت» في كليفلاند إن خطاب آلان جرينسبان عزز التوقعات بأن البنك سوف يقوم على الأقل برفع الفائدة مرتين، فضلا عن أنه قوى احتمال أن يقوم البنك بإجراء رفع ثالث للفائدة بحلول نهاية العام، حيث رفع بنك الاحتياط الفيدرالي سعر الفائدة خلال الشهر الجاري من 25. 3 % إلى 50. 3 % وهو الارتفاع العاشر للفائدة منذ يونيو 2004 .

* انفجار فقاعة سوق المنازل

وتشير شرائح من سوق الأسهم في الولايات المتحدة إلى أن القلق بدأ يساور المستثمرين حول آفاق سوق العقارات، فقد تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز الذي يتألف من أسهم أكبر 500 شركة لبناء المنازل بحوالي 15 % في الشهر الماضي، وهو ما قلص من مكاسبه السعرية خلال العام الجاري بنسبة 23%، وبالتالي سجل المؤشر صعودا على مدى 12 شهرا بنسبة تزيد قليلا على 50%.

وأفادت الأرقام الأميركية الرسمية أن متوسط سعر المنزل الجديد هبط إلى 800. 203 دولارات في الشهر الماضي وهو أدنى سعر منذ ديسمبر 2003 . ولدى ديفيد روزينبيرج كبير الاقتصاديين في مؤسسة «ميريل لينش» اقتناع راسخ بأن سوق المنازل مهيأ لعمليات تصحيح في الأسعار. وإذا كان هذا التقدير صحيحا، فإن أي انهيار ـ على حد ما خلصت إليه الخبرة التاريخية على مدى 30 عاما ـ سوف يلقي بظلاله القاتمة على آفاق نمو الاقتصاد العالمي.

وتتبع توماس هيلبلينج رئيس قسم الدراسات الاقتصادية في مؤسسة صندوق النقد الدولي أوضاع سوق المنازل في 14 دولة صناعية على مدى الفترة من 1970 حتى عام 2002، وخلص إلى أن هناك حوالي 75 نوعا من الدورات السعرية للمنازل. كما خلص في دراسته إلى أن ازدهار سوق المنازل يستمر لفترة تقل عن 3 سنوات، حيث تقفز الأسعار خلال هذه الفترة بمعدل تراكمي يصل إلى 11 %، بعد استبعاد أثر التضخم، كما أن دورة ركود السوق تستغرق عاما واحدا، حيث تتراجع الأسعار خلاله بنسبة 6%.

وفي أوقات الازدهار، والتي عرفها هيلبلينج بأنها الفترات التي تقفز فيها الأسعار بنسبة 25 % سنويا، ويصل متوسط الزيادة في قيم المنازل خلال أربع سنوات إلى 32 %، كما تستغرق فترة دورة ركود السوق أربع سنوات، ويتراجع فيها السعر بمتوسط 27 %، ورصد هيلبلينج أن حوالي ثلثي فترات ازدهار أسواق المنازل انتهت بأزمة ركود .

ولفت هيلبلينج إلى أن هبوط أسعار العقارات يمكن أن يقوض الاقتصاد، حيث يرافقه تراجع أسعار المنازل في الدول الصناعية مضاعفات سلبية على الناتج المحلي الإجمالي، من ناحية تراجعه بشكل ملحوظ ومؤثر، حيث يتراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ، وقدر في دراسته أن المتوسط التراكمي لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث التالية على بدء مرحلة ركود سوق المنازل يقل بنسبة 8 % عن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث لفترة ازدهار سوق العقارات .

وقالت جين سبيرلينج محللة العملات إن احدى القضايا التي سوف تكون من المؤكد جزءا من الجدل هو ما إذا كان من المتعين على الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن يسعى إلى تفجير فقاعة المنازل، وانه بالعودة إلى عام 2002، كان الجدل المحوري منصبا حول ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي اتبع نهجا صارما في أواخر عقد التسعينات لعلاج ما أطلق علية جرينسبان « الحيوية الزائدة »،

حيث اعتبر بعض الاقتصاديين من أمثال ستيفن روش الاقتصادي في مؤسسة «مورجان ستانلي» أنه يجب على البنك أن يتدخل بإجراء مراجعات عندما يتبين له أن أسالي الاستثمار تجافي المقومات الأساسية للسوق، لكن جرينسبان والذي ستنتهي فترة رئاسته لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في يناير المقبل لم يتبع الأسلوب المباشر في نقد مثل هذا التوجه إبان هذه الفترة، حيث انه أشار في عام 2000 بأنه ليس في إمكان البنك أن يفعل شيئا في علاج الفقاعة في مهدها سوي من خلال أسلوب رفع الفائدة.

وبرر جرينسبان وجهة نظره بأن العلاج يمكن أن يكون أسوأ من المرض، وكما أشار مالكييل الأستاذ في جامعة برينكتون أن الفقاعة كانت قاصرة على شريحة من سوق الأسهم وفي الأغلب كانت على أسهم شركات الاتصالات والانترنت. واستمرت من عام 1999 إلى عام 2000.

وفي الواقع كان الوضع الاقتصادي من وجهة نظر شركة ماكينزي الاستشارية وآخرين أكثر تماسكا، حيث حقق الاقتصاد مكاسب إنتاجية مستمدة من ضغوط المنافسة والابتكار والتبني الواسع النطاق لتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب ارتفاع معدل الإقراض العائلي،وتضاعف معدلات المدخرات المحلية، وتحول العجز في الميزانية الفيدرالية إلى فائض ضخم.

وفي هذا الإطار، دعا محللون إلى ضرورة التفكير في أسلوب الهجوم الإستباقي على الفقاعة والذي يمكن أن يضر القطاعات الأخرى الغير مصابة بأعراض الفقاعة، والتي توفر ملايين الوظائف للأميركيين وترفع مستويات الدخول حيث ساهمت توليفة من السياسات التقضية والمالية في علاج فقاعة التسعينات في إرساء في الأسس للنصف الثاني من عقد التسعينات والذي اشتمل على تخفيضات متتالية في معدل البطالة وخلق فرص عمالة جديدة وخلق فرص للإعمال الصغيرة.

وعليه يرى بعض المحللين أن المشكلة الوحيدة تكمن في أن يحاول جرينسبان تكرار الأسلوب نفسه الذي اتبعه في التسعينات، حيث يبدو من وجهة نظرهم أقل منطقيا الهجوم على الفقاعة المحتملة للمنازل عن طريق الزيادة السريعة في معدلات الفائدة والتي يمكن أن تقلص إنفاق المستهلك،

بل يتعين إتباع أسلوب الرفع المتدرج والمنتظم لسعر الفائدة، مع إ طلاق تحذيرات بشأن فقاعة المنازل، ومثل هذا الأسلوب يعد الأمثل في علاج مخاطر فقاعة سوق المنازل على اعتبار إن الوضع الحالي مختلف عن عقد التسعينات لأنه يعكس بشكل كبير السعي لكبح جماح التضخم الذي يقلص من القوة الشرائية لأصحاب مدفوعات الدخل الثابت، ويضر بالديون المستحقة الدفع على الأجل الطويل .

* آفاق سعر الدولار

وفي تقدير تيم كلايتون المحلل في شركة «اينفيستيكا» أن البيانات عن أداء الاقتصاد الأميركي تبين أن النمو الاقتصادي لا يزال يتسم بالتواصل والثبات، وذلك في ظل استمرار قوة إنفاق المستهلك والتصنيع. كما أن المعلومات الصادرة حديثا عن التضخم تبين أن معدل التضخم ارتفع بما يتجاوز التوقعات إلى مستوى أعلى من المتوقع وعلى الرغم من أن هذه المعدلات لاتزال تحت السيطرة،

إلا أنه يبدو حتميا من وجهة نظره أن يتعامل بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بجدية مع التضخم، كما أنه من المتوقع أن يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في سبتمبر المقبل، ومن المحتمل كذلك أن يجري رفعا آخر في الفائدة في نهاية الربع الأخير من العام. ولهذا سوف تستمر الاعتبارات المتعلقة بالعائد تقدم دعما على الأجل القصير للدولار.

ومع ذلك، وفي تقدير تيم كلايتون، ستبدأ أسعار النفط المرتفعة في تقويض ثقة المستهلك وتقلص من إنفاقه، مع تنامي المخاطر بتعرض النمو الاقتصادي للضرر خاصة إذا ما بدأ قطاع المنازل في التباطؤ، وتوقف البنك الفيدرالي عن سياسة رفع أسعار الفائدة، ومع الأخذ في الحسبان تصاعد توقعات السوق فيما يتعلق بالنمو وأسعار الفائدة خلال الأسابيع الأخيرة،

فأن الدولار سوف يكون أكثر عرضة للتأثر بأية تغييرات في التوقعات، وبالتالي سوف يظل الدولار عرضة للمخاطر بسبب الضعف الهيكلي الناتج عن العجز في ميزاني التجاري والحساب الجاري، حيث من المتوقع أن يتزايد العجز خلال الربعين الأخيرين من العام، أكثر من ذلك،

سيرافق الإقبال على الدولار ضغوط زيادة عمليات بيعة من قبل البنوك المركزية وذلك كجزء من تحركها لتنويع احتياطيها وهو من المحتمل أن يسهم في مزيد من ضعف الدولار خاصة إذا ما أخذ في الحسبان العجز الضخم في الميزان الحساب الجاري، ومن المحتمل أن يتسم سعر الدولار بالتقلب في الأجل القصير، إمكانية أن يحقق المزيد من المكاسب السعرية المحدودة ولكن يظل الدولار عرضة لانخفاض سعره على الأجل المتوسط وربما بوتيرة حادة.

وفي السياق ذاته، قدرت مذكرة تحليلية صادرة عن شركة «فوريكس كابيتال ماركيت» أنه بعدما تراجع الدولار مقابل اليورو في بداية جلسة تداول 26 أغسطس، إلا أن الدولار تمكن من استعادة معظم خسائره مع تراجع أسعار النفط نتيجة لانحسار القلق إزاء المخاطر المحتملة لإعصار كاترين. لكن ليس معني تعافي الدولار ـ حسبما ورد في المذكرة التحليلية ـ أن ما هو أسوأ بالنسبة له قد انتهى.

فمن جانب، يعتبر شهر سبتمبر من أكثر شهور العام التي تنشط فيها الأعاصير، ومن جانب آخر، لم تكن هناك الكثير من الأخبار السارة مؤشر ثقة المستهلك، حيث تراجع مؤشر معنويات المستهلك الذي تقوم بوضعه جامعة ميتشجن من 7. 92 نقطة في الشهر الماضي إلى 1. 89 نقطة في شهر أغسطس الجاري، ومن جانب ثالث أطلق جرينسبان تحذيرات في خطبته مؤداها أن البنك يعطي اهتماما خاصا لأسعار الأصول،

وأن مثل تلك الزيادات في أسعار الأصول يمكن أن تختفي واقعيا إذا ما تحلي المستثمرون بالحذر، وتجنب المخاطر. وفسرت المذكرة التحليلية تصريحات جرينسبان بأن وجهات نظره تتسم بالتحفظ إزاء الآراء القائلة بانفجار فقاعة سوق المنازل، وذلك على الرغم إلا أنه سيكون من غير المستساغ تجاهل حدوث تباطؤ في سوق المنازل أو لما لذلك من مضاعفات سلبية على الاقتصاد الأميركي وبالتالي الدولار الأميركي .

وتوقع لويس الكسندر كبير الاقتصاديين في مجموعة «سيتي جروب» أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سوف يتوقف عن إجراء المزيد من الخفض في سعر الفائدة عندما يصل مستوي الفائدة إلى 4 %، وأعرب عن اعتقاده بان الاقتصاد يسير في اتجاه التباطؤ.

وتخالف هذه التكهنات التوقعات السائدة في السوق والتي تخمن بأن بنك الاحتياط الفيدرالي سيتوقف عن إجراء المزيد من الخفض في أسعار الفائدة عندما تصل إلى مستوي 25. 4 % بحلول نهاية العام،

كما يعتقد الكثير من الاقتصاديين أن بنك الاحتياط الفيدرالي سيرفع الفائدة إلى 5 % بحلول منتصف العام المقبل . وقال الكسندرأن تباطؤ النمو لن يكون باديا لعدة أشهر في ظل وجود توقعات بأن يسجل النمو في الربع الثالث معدلا قويا بالمقارنة مع الربع الثاني، ولكن هذا النمو سيعتمد على مكاسب عابرة وقصيرة الأجل ناتجة عن تزايد مبيعات السيارات في الولايات المتحدة في يونيو بسبب تقديم مصنعي السيارات حوافز جديدة في مبيعاتهم.

ويعتقد لويس الكسندر أنه في الأشهر القادمة سوف تظهر البيانات الاقتصادية اتجاه النمو نحو التراجع . وفي نفس الوقت فأن آفاق النمو الاقتصادي في أوروبا آخذه في التحسن بعد التشاؤم المفرط الذي ساد نتيجة الرفض الفرنسي والهولندي لمسودة الدستور الأوروبي

وهو ما يزيد الضغوط على الدولار، وقال انه لن يكون هناك تباطؤ شديد في النمو ولكنه خلال السنوات الأربع والست القادمة سيبلغ متوسطه 5. 2 % علاوة على أن بعض الضغوط التي سوف تدفع الدولار نحو الانخفاض ستأتي من أسعار النفط المرتفعة.

كتب : مجدي عبيد