أثارت الأوساط الاقتصادية المحلية والأجنبية جدلاً كبيراً حول مستقبل الاقتصاد الصيني على المدى المتوسط في ضوء سلسلة من المعطيات والمستجدات من بينها القرار الذي اتخذه البنك المركزي الصيني خلال يوليو الماضي بتعويم سعر صرف العملة الوطنية(رينمينبى) وفك ارتباطه بالدولار الأميركي وربطه عوضا عن ذلك بسلة العملات الرئيسية.

يضاف إلى تلك المعطيات الزيادة المطردة غير المسبوقة في أسعار النفط الخام بالسوق العالمي وتداعيات ذلك شبه المدمرة على مسيرة الاقتصاد الصيني برمتها بعد أن أصبحت ثاني أكبر مستهلك على مستوى العالم بعد أميركا وثاني أكبر مستورد له بعد اليابان وسط استمرار عجز مواردها المحلية عن الوفاء باحتياجاتها الفعلية.

وخلال منتدى وطني عقده على مدار الأيام الثلاثة الماضية المركز الصيني للأبحاث الاقتصادية التابع للجنة الدولة للتنمية والاصلاح، اتفق غالبية الخبراء المشاركين على أن الاقتصاد الصيني دخل بالفعل منطقة الانذار بخطر الانكماش ناجم أساسا عن فرط الانتاج في غالبية قطاعات التصنيع إلى حد تجاوز الطاقة المسموح بها فضلا عن فرط الاستثمار في بعض القطاعات الأخرى وهو مايتطلب مراجعة شاملة لسياسات السيطرة الكلية على الاقتصاد الوطنى.

وفي هذا الإطار أكد البروفيسور سونغ قوه تشونغ الأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة بكين أن تحاليل البيانات أظهرت أن معدلات النمو في إجمالى الناتج المحلى بالصين خلال النصف الأول من العام الحالي والتى سجلت 5. 9 بالمئة ستتراجع ربما إلى مادون 5. 8 بالمئة خلال النصف الثانى من العام نتيجة مباشرة لتقلص النمو في الميزان التجاري واحتدام النزاعات التجارية مع شركاء الصين الرئيسيين خاصة الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة ورفع قيمة الرينمينبى إلى 11. 8 بدلا من 27. 8 مقابل الدولار الأميركي

وتأثيرات ذلك على حركة التجارة الخارجية الصينية إستيرادا وتصديرا.من جانبه ربط الخبير الاقتصادي لين وانغ جيان مدير مركز الأبحاث التابع لجامعة تشينغهوا بين تراجع معدلات النمو الاقتصادي الصيني وبين انخفاض الطلب في الأسواق الخارجية مدفوعا بتراجع معدلات الأداء الاقتصادي في عدد من الكيانات الاقتصادية العالمية الرئيسية كالولايات المتحدة واليابان كنتيجة مباشرة لارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية والتى إقتربت كثيرا من سقف السبعين دولار أميركي للبرميل الواحد.

وكذلك انخفاض الطلب في الأسواق المحلية ناجم مباشرة عن الحصاد الجيد للموسم الزراعي للعام الحالي والذي سيؤدى إلى انخفاض حاد في أسعار المنتجات الزراعية يصاحبه انخفاض كبير في صافى قيمة عائدات الفلاحين والمزارعين علما بأنهم يشكلون النسبة الأكبر من سكان الصين أى النسبة الأكبر من المستهلكين وهو ما سيفضي بالتبعية إلى انخفاض مؤشر سعر الاستهلاك في السوق المحلى.

واعتبر فو يي يوان المستشار الاقتصادي بوزارة التجارة أن الانخفاض في مؤشر سعر الاستهلاك والانخفاض في معدل نمو قيمة الأرباح الصافية للعديد من الشركات الصناعية نتيجة إرتفاع أسعار المواد الخام تشكل في مجملها علامات على أن الاقتصاد الصيني يتجه نحو التهدئة غير أنه تنبأ بأن هذا الوضع لن يستمر أكثر من عامين وإن كانت تداعياته السلبية على مسيرة الاقتصاد الوطني ستكون ملموسة جدا،

ودعا في هذا الصدد إلى تكريس الجهود على توسيع الطلب المحلى وتعزيز القوة الشرائية للمزارعين من خلال دعم البنية التحتية في المناطق الريفية ومنح المزارعين المزيد من القروض الميسرة والمزيد من فرص العمل في المناطق الحضرية.وركز تسانغ ليو قوه من هيئة الجمارك الصينية على قضية الفائض الكبير في الميزان التجاري الصيني معتبرا إياه أحد أكبر المخاطر الكامنه التي تواجهها مسيرة الاقتصاد الوطنى

حيث أوضح بالقول إن ذلك الفائض بلغ 65. 39 مليار دولار أميركي في نهاية النصف الأول من العام الحالي مقابل 98. 31 مليار دولار أميركي للعام الماضى بأكمله، مشددا على أن ذلك الفائض يزيد من حدة الاحتكاكات التجارية بين الصين وشركائها الرئيسيين، كما أن الاعتماد على الطلب الخارجى لحفز النمو الاقتصادى الوطنى يشكل خطرا كبيرا يتعين الانتباه له حيث يبقيه على الدوام في حالة من عدم الاستقرار مرهونا بعوامل خارجية يتعذر التحكم فيها أوضبطها.

فى هذا الصدد أشار تسانغ إلى أن 4. 9 بالمئة من نسبة النمو الاقتصادى الحالي ترجع إلى تحفيز الطلب الخارجى مقابل 3 نقاط مئوية فقط تأتى بتحفيز من الطلب الداخلى وهو وضع لايمكن أن يستقيم على المدى البعيد..علما بأن التنمية الاقتصادية فى الدول الكبرى تعتمد على الطلب الداخلى بنسبة لاتقل عن 70 بالمئة حتى تضمن تنمية مستقرة وصحية وسليمة، وبغير ذلك يصبح من الضرورة بمكان تغيير نمط الاستراتيجية التجارية لهذه الدول.

ووصف تسانغ الوضع الاقتصادى في الصين بأنه خطير للغاية في ضوء الأرقام التي تشير إلى أن نسبة إجمالى حجم التجارة الخارجية الصينية من إجمالى ناتجها الوطنى ازدادت من 51 بالمئة عام 2002 إلى 60 بالمئة عام 2003 إلى أكثر من 70 بالمئة عام 2004 وحال وقوع أى خلل أو إضطراب في الطلب الخارجى.

واتفق تشو شياو تشيوان محافظ البنك المركزى مع تلك الرؤية مضيفا بأن الزيادة المستمرة في قيمة الفائض التجارى الصينى أدت بالتبعية إلى زيادة حجم احتياطى البلاد من النقد الأجنبى حتى بلغ 711 مليار دولار أميركي في نهاية النصف الأول من العام الحالي (منها مئة مليار دولار خلال العام الحالي وحده مقابل ثلاثمئة مليار دولار نتيجة تثبيت سعر صرف العملة الصينية منذ عام 1994)

وهذا الاحتياطى الهائل سواء الناجم عن الفائض التجارى أو الناجم عن تثبيت سعر صرف العملة صاحبه ضغوط مكثفة على الصين لتعديل سعر الصرف.وأوضح تشو أنه خلال الشهر الماضى الذي أعقب قرار تعديل سعر الصرف انخفضت قيمة اليوان الصينى مقابل الدولار الأميركي ثم عادت إلى الارتفاع مجددا، وبين الانخفاض والارتفاع سادت حالة من التقلب الخفيف في السعر وإن بقيت دون نسبة 3,0 بالمئة التي سمح بها البنك المركزى كحد أقصى للتقلب،

وهذا الوضع المتأرجح يزيد من ضبابية الصورة التي يمكن أن يكون عليها الاقتصاد الوطنى الصينى في المستقبل المنظور في ظل اعتماده بشكل رئيسي على الطلب الخارجي مع تعذر التكهن بأوضاع السوق العالمي، رغم أنه في الوقت ذاته ينطوي على ميزة مهمة تتعلق بتبديد كافة الفرص أمام المضاربين في أسواق العملة.

أما تسون مينغ ماو كبير المديرين التنفيذيين بوزارة العمل والضمان الاجتماعي فقد تناول الموضوع من زاوية مغايره اعتبرها الأخطر على الإطلاق بالنسبة لمسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وهى المتمثلة في زيادة اتساع الهوة بين دخول المواطنين في المناطق الحضرية قياسا بالمناطق الريفية محذرا من أن تلك الفجوة آخذه في التوسع اعتبارا من العام 2003 وستبلغ الذروة بحلول العام 2010 .

الأمر الذي بات يستدعى أكثر من أى وقت مضى اتخاذ حزمة من الاجراءات العاجلة والحاسمة لكبح جماح ذلك التوسع وتفادى تداعياته السلبية على الاستقرار الاجتماعى في بلد لايزال يعيش فيه قرابة 30 مليون مواطن تحت مستوى خط الفقر.من جهته إستعرض قاولين جيا الخبير بمركز المعلومات التابع لمصلحة الدوله للاحصاء أداء الاقتصاد الصيني منذ بداية العام الحالي.

منبها إلى أنه لم يتم الوفاء سوى بأربعة أهداف رئيسية فقط ـ من إجمالى الأهداف المنشودة ـ تتعلق بمجالات إنتاج الحبوب الغذائية والفحم والكهرباء والتحكم في الاستثمار في الأصول الثابتة وفى أسعار الأسواق.وتحدث قاو بلغة الأرقام مشيرا إلى أنه فيما يتعلق بإنتاج الحبوب ..فقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالحبوب 104 ملايين هكتار بزيادة مليونى هكتار قياسا بالعام الماضي مما أدى إلى ارتفاع الحصاد لأكثر من خمسة مليارات كيلوغرام .

وعلى صعيد الفحم والكهرباء، ازداد الفحم المخزون في المحطات الكهربائية بمعدل 60 بالمئة في نهاية يونيو الماضي قياسا بنهاية العام الماضي وبمعدل 70 بالمئة في الموانئ وبمعدل 55 بالمئة في المصانع الرئيسية..ويعزى ذلك أساسا إلى زيادة سعة المولدات الكهربائية التي تم تركيبها خلال العامين الماضيين لضمان الاستقرار في الإمدادات الكهربائية.

حتى أن عدد المرات التي انقطع خلالها التيار الكهربائى في شتى أنحاء بر الصين الرئيسى قد إنخفض بنسبة 30 بالمئة في نهاية النصف الأول من العام الحالي قياسا بالفترة ذاتها من العام الماضى.وعلى صعيد التحكم في الاستثمار في الأصول الثابتة (العقارات والبنية التحتية )أظهرت أحدث الاحصائيات انخفاضها في نهاية النصف الأول من العام الحالي بنسبة 2. 3 بالمئة قياسا بالنصف الأول من العام الماضى مع المضي قدما في تعديل الهيكل الاستثمارى للتركيز على قطاعات النقل والنفط والصناعات الثقيلة.

وعلى صعيد التحكم في أسعار الأسواق حققت أسعار المنتجات الصناعية زيادة بنسبة 6. 5 بالمئة قياسا بالفترة المماثلة من العام الماضى رغم زيادة أسعار الطاقة والمواد الخام بنسبة 9. 9 بالمئة.وخلص المشاركون في المنتدى الوطنى إلى نتيجة مفادها أن الاقتصاد الصينى بحاجة ماسة إلى سيناريو جديد يخرجه من حالة الانكماش ويدخله إلى حالة الاستقرار بهدف التقاط الأنفاس ومن ثم معاودة الانطلاق .