أصيبت أسواق النفط العالمية بحالة مستعصية من الشد والجذب خلال الأسبوع الماضي، فبعد أن هدأت عاصفة الأحداث السياسية بشكل نسبي في أعقاب انتهاء إضراب عمال النفط في الاكوادور، وانقشاع أثر الهجمات التي استهدفت ميناء العقبة الأردني وتراجع وتيرة العراك السياسي حول الملف النووي الإيراني.
فرض إعصار كاترينا الذي اجتاح ولاية كاليفورنيا نفسه مرة أخرى ورمى بظلاله على حركة الأسواق. ومنذ عودة الأسواق من عطلتها الأسبوعية الاثنين الماضي ظلت الأسعار تتراوح بين الارتفاع الشديد والهدوء النسبي والانخفاض الملحوظ، لكن سمة الارتفاع كانت هي الغالبة، وبلغ متوسط سعر الخام الأميركي الخفيف في بورصة نيويورك للسلع «نايمكس» 41. 66 دولاراً للبرميل خلال الأسبوع،
في حين بلغ متوسط سعر خام برنت في بورصة البترول الدولية في لندن 4,65 دولاراً للبرميل. وكان يوم الخميس هو الأكثر سخونة حيث ارتفعت الأسعار إلى ما فوق مستوى 68 دولاراً للبرميل في نايمكس قبل أن تتراجع قليلاً في ختام تعاملات الأسبوع حيث استقرت عند 15. 66 دولاراً للبرميل وتركت الباب مفتوحاً أمام احتمالات عودة الموجة التصاعدية مع بدء تعاملات الأسبوع الجديد غداً الاثنين.
وبنهاية تعاملات الخميس في بورصة نايمكس ارتفع سعر النفط الخام الأميركي الخفيف لعقود أكتوبر 23 سنتا إلى 50. 67 دولاراً للبرميل. وتحرك السعر في نطاق بين 40. 66 دولاراً 70. 67 دولاراً للبرميل. وفي ذات اليوم ارتفعت أسعار العقود الآجلة لمزيج النفط الخام برنت في بورصة لندن 21 سنتاً إلى 22. 66 دولاراً للبرميل. كما بلغ سعر العقود الآجلة للبنزين في آخر تعامل في نايمكس 965. 1 دولار للجالون مرتفعا 92. 3 سنتات.
وساعد على صعود النفط أيضاً تناقص مخزونات البنزين في الولايات المتحدة اكبر سوق لاستهلاك النفط في العالم وطائفة من مشكلات المصافي في الآونة الأخيرة. وقال محللون في مؤسسة ريفكو «السوق مازالت شديدة التأثر بأي نوع من الاختلالات في إمدادات المعروض والطلب مازال غير مرن على الرغم من ارتفاع الأسعار طول الصيف».
وأظهرت آخر بيانات لإدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم خالفت التوقعات وسجلت هبوطاً للأسبوع الثامن على التوالي قدره 2. 3 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 19 من أغسطس مما زاد فجوة الإمدادات عن العام السابق.
وجاء انخفاض الأسعار في نهاية الأسبوع بعد أن راهن التجار على ان الإعصار كاترينا سيتفادى قلب منطقة إنتاج النفط والغاز في خليج المكسيك الذي يخرج منه ربع الإنتاج المحلي للولايات المتحدة، لكن توقعات خبراء الأرصاد أشارت أمس إلى غير ذلك حيث تحدثت تقارير عن احتمال تغير مسار الإعصار ومروره بمناطق الإنتاج مما قد يؤدي إلى توقف الكثير من المصافي في تلك المنطقة،
ويقلص بالتالي الطاقة التكريرية ويعيد شبح نقص الإمدادات إلى الأسواق. وكانت ست شركات نفط تعمل في خليج المكسيك أجلت عمالها من منصاتها على سبيل الاحتياط خوفا من الإعصار كاترينا الذي عبر جنوب فلوريدا مساء الخميس من المحيط الأطلسي ودخل الخليج.
وقالت شركة توتال الفرنسية إنها أوقفت 16500 برميل يوميا من إنتاج النفط الخام. وكانت هذه أول شركة تعلن عن إيقاف الإنتاج بسبب كاترينا ولكن هذا يشكل نسبة ضئيلة من الطاقة الإنتاجية للمنطقة والبالغة 5. 1 مليون برميل في اليوم. ووفقاً لجيم ريتربوش المحلل في مؤسسة ريتربوش فإن هبوط مخزون البنزين يشكل بلا شك عامل صعود، حيث كان الهبوط اكبر كثيرا مما تنبأ به المحللون وهو 1. 1 مليون برميل.
وتتوالى الإشارات التي تبعث برسائل غير مطمئنة للأسواق «المرهفة» والشديدة التأثر بأي أحداث وأنباء، مما يعزز من استمرار المستوى التصاعدي مدعومة بعدة عوامل من أهمها نقص الطاقة الإنتاجية في الكثير من البلدان، حيث أعلن رئيس رابطة صناعة البترول الاندونيسية الخميس أن إنتاج اندونيسيا من النفط الخام والمكثفات قد ينخفض بمقدار النصف خلال عقد من مستواه الحالي البالغ 07. 1 مليون برميل يوميا إذا لم يتحسن المناخ الاستثماري.
وقال رئيس الرابطة كريس نيوتن للصحافيين ان البلاد تحتاج بشدة لزيادة جاذبيتها للمستثمرين. وأضاف «إذا لم نفعل شيئا فإن الإنتاج سيهبط للنصف في العقد المقبل، وفي الوقت نفسه الذي ينخفض فيه الإنتاج فإن الاستثمار لدينا أيضا ينخفض...وفي نشاطنا مفتاح المستقبل هو التنقيب. والاستثمار في التنقيب بلغ مستويات متدنية جدا».
وتقول اندونيسيا ان إنتاج حقولها المتقادمة يتراجع بنسبة خمسة في المئة أو أكثر سنويا. وخلال الربع الثاني من العام فاقت واردات اندونيسيا صادراتها من النفط ومنتجاته. وفي وقت سابق من الشهر الجاري دعا رئيس الوزراء شركة توتال الفرنسية وشركات النفط الفرنسية الأخرى إلى الاستثمار في صناعة التكرير لمواجهة الطلب المتزايد.
ولم يعد صعود الأسعار إلى مستوى مئة دولار للبرميل أمرا مستغربا. وتزايد ميل المحللين لقبول ان السوق العالمية التي تعاني من ضغوط في الإمدادات ستشهد قفزة كبيرة. ورأى جيف باين مستشار الطاقة في ستاندارد بنك أنه ليست هناك قيود على الأسعار في الأجل القصير، وأن المضاربين يدفعون سعر النفط لأعلى وليس هناك ما يمنعه من الارتفاع.
وأضاف «العرض والطلب سيكونان عاملين مهمين في الأجل الطويل لكن السوق لا توليهما اهتماما في الوقت الراهن».ووفقاً للمحللين فإن السوق معرضة للخطر بسبب أي اضطرابات في الإمدادات أياً كان حجمها في الوقت الذي تنتج فيه منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» بكامل طاقاتها تقريبا.
وفي حين يجاهد العالم لضخ وتكرير كميات كافية من الخام لتلبية الطلب المتزايد في الولايات المتحدة واسيا يشير محللون إلى أن السعر قد يصل إلى 70 دولاراً في غضون بضعة أيام. وقالت ديبورا وايت كبيرة الاقتصاديين في اس.جي كومودتيز «لا أعتقد أن من الجنون الاعتقاد بأن السعر قد يرتفع إلى 75 دولارا».
وبرز سؤال كبير خلال الأيام القليلة الماضية حول الجهة المسؤولة عن الارتفاع الكبير الذي تشهده أسواق النفط، لكن وفي حين أشارت الكثير من أصابع الاتهام إلى «أوبك» تعزز موقفها بعد أن قال رئيس صندوق النقد الدولي صراحة إنها تفعل كل ما في وسعها وتنتج بكامل طاقتها.
وصاحب ارتفاع الأسعار تصاعداً في التأثيرات الاقتصادية في الكثير من الدول المستهلكة الكبرى خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية والصين واليابان وفرنسا وإسبانيا والفلبين وغيرها من الدول الأخرى. ففي أميركا قالت تقارير وإحصاءات اقتصادية إن أسعار النفط المرتفعة بدأت في الحد من الاستهلاك ورفع معدلات التضخم.
ودقت سلسلة متاجر وول مارت ناقوس الخطر وحذرت من أن أرباحها وأرباح ومبيعات غيرها من الشركات تواجه شبح التراجع المخيف في ظل التبعات التي يولدها الارتفاع الحالي في أسعار النفط. أما في الصين فقد أعلن مسؤولون رفيعو المستوى أن اقتصاد البلاد قد يواجه كارثة حقيقية إذا استمرت الأسعار على حالها.
ومن جانبها أعلنت الحكومة اليابانية أن أسعار النفط المرتفعة تسببت في انكماش حاد في الفائض التجاري الياباني في شهر يوليو الماضي، حيث تراجع الفائض بنسبة 6. 22 في المئة إلى 6. 873 مليار ين «نحو 93. 7 مليارات دولار». وفي اسبانيا بدأت الحكومة تعد العدة لمواجهة الأسوأ وتبنت إجراءات ترمي إلى مضاعفة إنتاجها من الطاقة المستمدة من المصادر المتجددة مثل الرياح والشمس والماء خلال الأعوام الخمسة المقبلة.
وتهدف الخطة إلى استثمار 5. 23 مليار يورو «نحو 29 مليار دولار» في قطاع الطاقة المتجددة من عام 2005 إلى عام 2010 تتحمل فيها الشركات الخاصة أغلبية النفقات.وتريد الحكومة أن تأتي 12 في المئة من الطاقة المستخدمة في اسبانيا من مصادر مثل الرياح والشمس ومحطات الطاقة الكهرومائية بحلول عام 2010 صعودا من 9. 6 في المئة في نهاية عام 2004.
وقالت الصحف الأسبانية ان خطة سابقة للطاقة المتجددة تمتد من 2000 إلى 2010 لم تحقق أهدافها. لكن نائب رئيس الوزراء ماريا تيريزا فرنانديز ديلا فيجا أوضح عقب موافقة مجلس الوزراء على الإجراءات في نهاية الأسبوع «الأهداف المبدئية للطاقة المتجددة لم تتحقق. لقد فشلت الخطة السابقة».
أما في باريس قال فرانسوا لوس وزير الصناعة الفرنسي ان سعر النفط سيظل مرتفعا وإن على فرنسا أن تطور مساعيها لتوفير الطاقة. وأوضح بعد اجتماع لبحث قضايا الطاقة مع كبار رجال الصناعة ورئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان «نحن نشعر أن سعر النفط سيبقى عاليا لفترة طويلة». وأضاف أن الجهود الفرنسية لتوفير الطاقة جيدة لكن يجب العمل على تحسينها.
ولم يتوقف حد القلق عند الدول المستهلكة فقط حيث أعربت المملكة العربية السعودية أكبر منتج للنفط في العالم عن قلقها من سرعة ارتفاع أسعار النفط وطالبت باعتماد أسعار معتدلة لا تؤثر على الاقتصاد العالمي. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل منتصف الأسبوع إن بلاده تتبع دائما سياسة متوازنة، تتمثل في سياسة لا ضرر ولا ضرار وهي دائما تسعى إلى أن تكون أسعار النفط معتدلة لا تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي.
(وكالات)
دبي ـ «البيان»