تتعرض شركات الأدوية العالمية لهجوم شديد خاصة بعد اتهام محكمة أميركية شركة ميريك للأدوية بالتسبب في الوفيات المرتبطة بعقار فيوكس، الذي سحبته الشركة من الأسواق العام الماضي، وقد تؤدي الحملة ضد شركات الأدوية الكبرى إلى معاناة كبيرة لها، لكنها قد تؤدي أيضاً الى تغيير الطريقة التي تدير بها هذه الشركات أعمالها من أجل فائدة المستهلك.
ويقول تقرير لمجلة الايكونوميست إن الموقف العام تجاه كبريات شركات الأدوية كان دائماً يميل الى التناقض، فالناس يتوقعون من ناحية ان تطرح هذه الشركات عقاقير فعالة في علاج الأمراض، ومن ناحية أخرى يعانون من ارتفاع أسعار الأدوية والأرباح الباهظة التي تحققها تلك الشركات من خلال شيء من الاستغلال.
وكانت هيئة محلفين أميركية قد وجهت الاتهام أخيراً لشركة ميريك العالمية للأدوية بسبب وفاة روبرت إرنست في مايو 2001 بسبب تأثير عقار فيوكس من انتاج الشركة على قلبه. والعقار فيوكس من مضادات الإلتهاب، وسحبته الشركة من الأسواق العام الماضي عقب دراسة أثبتت أنه يرفع خطر الإصابة بالنوبات القلبية عند بعض المرضى، وحكمت المحكمة بتعويض 253 مليون دولار لأرملة المتوفي تتضمن عقاباً للشركة،
حيث قرر المحللون انها كانت على علم بمخاطر الدواء. وقالت احدى الوثائق ان الشركة تلقت تحذيرات من خطر الآثار الجانبية لعقار فيوكس منذ عام 1997، قبل عامين من وصوله للأسواق، لكنها تغاضت عنها. وقالت الشركة إنه سترد على هذه الدعاوى لكن كثرة القضايا قد تعني أنه من الأسهل وأقل تكلفة دفع التعويضات المطلوبة،
ويصل حجم التعويضات المطلوبة من ميريك الى 20 مليار دولار، مما قد يكون ضربة قاسمة لها، حتى مع الوضع في الاعتبار ان أرباحها العام الماضي بلغت 6 مليارات دولار، وانخفض حجم أصول الشركة بمقدار 38 مليار دولار منذ سحب فيوكس من السوق العام الماضي.
ومن المتوقع ان ينتشر تأثير قضية ميريك الى أطراف أخرى في صناعة الدواء العالمية التي تلقت ضربات عدة ضد سمعتها واحتمالات ربحيتها في الفترة الأخيرة. وغالبية المشكلات التي تعاني منها شركات الأدوية الكبرى جاءت من التغيرات التي طرأت على هذا المجال في التسعينات،
والأهم أن غالبية العقاقير الشهيرة التي تعتمد عليها الشركات الكبرى ظهرت أيضاً في فترة انتقل فيها التركيز على تعظيم الأرباح بأساليب تسويق جريئة ومكثفة، أحياناً على حساب جودة البحث العلمي، وسبب هذا التغير شبه معجزات لشركات الأدوية، وتضاعفت مبيعات الأدوية في انحاء العالم منذ عام 1997 فبلغت 500 مليار دولار،
لكن نمو المبيعات انخفض في السنوات الأخيرة مقارنة بالتسعينات، فقد بدأ معين العقاقير الشهيرة ينضب، ويعتقد المحللون ان ما تنوي شركة ميريك طرحه من أدوية قد يقلل من أرباحها أكثر من أي قضايا قانونية على المدى الطويل. كما أن الأدوية التي تبيعها الشركات الأخرى بعد انتهاء فترة براءة اختراعها، أي دون حاجة الى ترخيص من الشركات الكبرى قد زادت بكثافة.
كما أن المخاوف من الآثار الجانبية للأدوية، مثل فيوكس قد أضرت بسمعة شركات الأدوية. وتواجه شركة فايزر مثلاً قضايا بشأن عقار بكسترا الذي يحتوي على مواد فعالة تشبه عقار فيوكس، ويتعين على شركتي نوفارتيس وجلاسكو سميث كلاين التقرير إذا كانتا تستخدان هذه المواد في عقاقيرها مستقبلاً أم لا.
ودفعت شركة إيلي ليلي مؤخراً 960 مليون دولار تعويضات عن أضرار نتجت عن تعاطي عقار زييركسا لعلاج انفصام الشخصية. وقد تواجه شركة جلاسكو مطالبات بتعويضات بسبب عقار سيروكسات لعلاج الاكتئاب الذي ثبت أن هناك تحذيرات سابقة من أنه يرفع خطر الإقدام على الانتحار بين المرضى الذين يتعاطوه.
وتلقي قضية فيوكس الضوء على ما سوف تضطر شركة الأدوية من خوضه مستقبلاً لتعزيز أرباحها وحصتها في الأسواق، وقد صدر في أميركا، التي تسيطر على 40% من مبيعات الأدوية في العالم، قانون عام 1997 يسمح للشركات أن تتوجه بإعلاناتها مباشرة للمرضى. ومنذ ذلك العام زاد حجم الإنفاق على هذه الدعاية ثلاثة أضعاف ليصل إلى 19 مليار دولار سنوياً، فيما تراجعت ميزانية الأبحاث والتطوير.
وتستخدم شركات الأدوية حالياً أساليب ترويج لتشجيع الأطباء على وصف منتجاتها للمرضى. وأكدت المحكمة الأميركية أن أساليب تسويق ميريك لعقار فيوكس لم تكن نزيهة، وأعربت المحكمة عن اقتناعها بأن الشركة كانت على علم بمخاطر الدواء، لكنها لم تعترف بذلك خوفاً من انخفاض المبيعات.
* نتائج الاختبارات
وتميل شركات الأدوية أو تحرص على عدم نشر نتائج الاختبارات السلبية على عقاقيرها، لكن هذه السياسة تواجه انتقادات في الفترة الأخيرة. فقد اضطرت شركة جلاسكو إلى تسويق قضية ضدها بشأن عقار سيروكسات كان يحقق فيها النائب العام في نيويورك الذي اتهم الشركة بحجب بيانات توضح العلاقة بين عقار سيروكسات ونسبة الانتحار بين المراهقين، وبدأت شركات الأدوية منذ ذاك الحين نشر نتائج الأبحاث الإكلينيكية السلبية على عقاقيرها.
وتزايد المصارحة من شركات الأدوية هو خطوة نحو التسويق النزيه، فإذا حذت محاكم أخرى حذو محكمة تكساس في تقنية فيوكس يحتمل أن تعيد شركات الأدوية النظر في سياسات التسويق للعقاقير الجديدة عندما تصل للأسواق، ويحتمل أن تغير سياستها بالكامل لصالح المستهلك..
ترجمة: أشرف رفيق