في مخالفة لتوقعات غالبية الخبراء بانخفاض أسعار الشحن، حققت صناعة الشحن العالمية أرباحاً بلغت 80 مليار دولار في العام الماضي، وهو رقم قياسي، وفق ما ذكره مارتين ستوبفورد مدير شركة كلاركسوتر وسيط الشحن العالمي. ونتيجة هذه الأرباح القياسية عن النمو السريع في التجارة العالمية، الذي يرجع غالبيته إلى التوسع الاقتصادي للصين. وأدى ذلك إلى فتح شهية البلاد على استهلاك المواد الخام وشحن السلع المصنعة منها إلى بقية أنحاء العالم، حسب مجلة «الإيكونوميست».

وبلغ معدل نمو تجارة السلع العالمية في العام الماضي 9% مقابل 5% في 2003 و5. 3% في 2002. وجذبت شركات الشحن أنظار واهتمام المستثمرين هذا العام أكثر من أي وقت مضى، وبلغ حجم الإصدار العام لشركة واشنطن مارين الكندية في الشهر الجاري 600 مليون دولار في بورصة نيويورك، وهو الأكبر من نوعه في 2005.وحملت أساطيل الشحن العالمية في العام الماضي صادرات بلغت قيمتها 9. 8 تريليونات دولار.

ولا غرو أن هذا الطلب المرتفع أدى إلى ارتفاع أسعار الشحن العالمية، حيث بلغت تكلفة ناقلة البترول الكبيرة في المتوسط 86 ألف دولار يومياً في 2004، أي أكثر من ضعف التكلفة من 2001 حتى 2003. وبلغت تكلفة نقل الحديد والفحم رقماً قياسياً في العام الماضي أيضاً حيث وصل مؤشر بورصة البلطيق الذي يشمل أسعار الشحن 6200 نقطة في العام الماضي مقابل 900 نقطة في 2001. وارتفعت أيضاً أسعار الشحن بالحاويات وأنواع أخرى.

ولاحظ المستثمرون ارتفاع الأسعار وزاد حماس أصحاب السفن للاستثمار مما يعني أنهم يتوقعون استمرار هذه الطفرة.ويقول بيتر شاريف من بنك كابيتال بارتنرز الاستثماري إن القيمة السوقية لأسهم شركات الناقلات كانت 5. 2 مليار دولار عام 2000، وقارب الرقم 20 مليار دولار في العام الحالي. وارتفعت القيمة السوقية لشركات شحن السلع الخام إلى 5 مليارات دولار خلال فترة السنوات الخمس المذكورة.

وكانت غالبية الإصدارات العامة من شركات شحن السلع الخام. ويبلغ عدد هذه الشركات نحو 1300 في العالم. وترجع طفرة الإصدارات إلى طفرة بناء السفن الجديدة حيث انضمت أعداد كبيرة منها إلى أسطول الشحن العالمي في الوقت الذي تقول التوقعات إن التجارة العالمية قد تشهد تباطؤاً. وتتوقع وحدة معلومات «الإيكونوميست» أن تتباطأ سرعة نمو تجارة السلع العالمية لتصل إلى 6. 6% في العام الحالي و7% في عام 2006.

ويبرز هنا سؤال مهم عن ما إذا كان تزايد العرض على الطلب في صناعة الشحن سيعود إلى سابق عهده كما حدث في السبعينات؟ ويقول ستوبفورد إن شركات الشحن طلبت بناء سفن بقيمة 80 مليار دولار العام الماضي وزادت الطلبات على أحواض بناء السفن بمقدار الثلث حتى يناير العام الحالي والمتوقع أن تعمل بكامل طاقتها حتى عام 2008.

وزاد أسطول الناقلات من 2000 حتى 2003 من حيث الوزن بمقدار ستة ملايين طن، وزادت طاقة النقل في 2004 وحده بمقدار 39 مليون طن وبلغت حتى نهايته 889 مليون طن بارتفاع بنسبة 14% عن عام 2000 الذي بلغت خلاله طلبات بناء السفن الجديدة 10% من إجمالي الطاقة العالمية. وبلغت طاقة السفن الجديدة المطلوب بناؤها في بداية 2004 نحو 207 ملايين طن أي ما يعادل 23% من طاقة الشحن الحالية.

وقد تكون التوقعات صعبة ومتغيرة في أسواق الشحن، وقد يواجه المستثمرون في ظل هذه الخاصية متاعب كبيرة، ومثال ذلك أن أسعار الشحن بناقلات البترول الكبيرة انخفضت خلال النصف الأول من العام الحالي إلى نصف ما كانت عليه في عام 2004، كما انخفضت أيضاً أسعار شحن ناقلات السلع الخام.

ومن المتوقع طرح إصدارات عامة من أكثر من 20 شركة خلال العام الجاري، مما يعني ارتفاعاً بسيطاً في أسعار الشحن عقب الانخفاض في موسم الصيف. لكن غالبية المحللين يتوقعون انخفاض أسعار الشحن مرة أخرى في العام الحالي.

وتقول شركة دريوري لاستشارات الشحن إن الطلب قد يفوق نمو الشحن بالحاويات في العام الحالي، لكنه قد ينخفض بعد منتصف 2006، حيث المتوقع ارتفاع حجم الأساطيل العالمية بنسبة 14%.لكن إصدار شركة سيسبان يعني أن المستثمرين يثقون في ارتفاع الأسعار على الأقل للشحن بالحاويات وتنخفض التوقعات بالنسبة للناقلات وسفن شحن المواد الخام.

ويقول ستوبفورد إن صناعة الشحن لا تمر بفترة فقاعة، بل بدورة نمو عملاقة، فقد تخلصت هذه الصناعة في التسعينات من عبء ارتفاع العرض على الطلب الذي حدث في السبعينات وليس من المحتمل أن يعود هذا الوضع. لكن خبراء آخرين أقل تفاؤلاً يعتقدون أن هناك انخفاضاً كبيراً متوقعاً. ووفقاً لهم لا يمكن أن يستمر النمو الصيني المذهل للأبد.

وبالفعل سجلت مراكز الشحن لسفن نقل المواد الخام في آسيا انخفاضاً قياسياً منذ عامين بعد الهبوط للنصف من قمة مارس بسبب ضعف الطلب الصيني نسبياً. كما أن التجارة النشطة بين جانبي الأطلسي معرضة للخطر بفعل أي هزة اقتصادية في أميركا أو أوروبا.والمؤكد أنه إذا انخفض نمو حجم التجارة في الوقت الذي تزداد فيه طاقة الشحن ستكون النتيجة انخفاض الأسعار والهبوط المفاجئ في الأرباح.

ترجمة: أشرف رفيق