لا يعرف الكثير من هواة مشاهدي الأفلام التي تعرضها القنوات السينمائية المتخصصة، الآخذة بالانتشار، أن وراء الصور المسليّة قضايا وملفات كثيرة تحكمها الأرقام والصفقات. ولكي لا يأخذنا الحديث إلى «هوليوود» أو «بوليوود»، نتوقّف عند تجارب محطات تلفزيونية خليجية مثل «روتانا» و«إيه آر تي»، والتي بوسعها أن تكون مثالاً معبّراً في هذا السياق.
مؤخراً أطلقت «روتانا» قناتها «روتانا زمان» التي تختص بعرض أفلام الأبيض والأسود المصرية، لتضاف إلى «روتانا سينما» التي سبقتها بزمن قصير. هناك سلسلة من قنوات «إيه آر تي» تتخصص أيضاً بعرض الأفلام. ويحمل شعار «روتانا زمان» الكثير من الدلالات التي تجاوز البعد الرمزي.
«عَ الأصل دوّر»، تردد القناة بين كل وقفة إعلانية وأخرى. في واقع الأمر، لا يعني هذا التعبير روعة الأبيض والأسود بما هو فنّ أصيل فحسب، وإنما يذهب إلى «الأصل» بالمعنى التقني للكلمة، أي أصول الأفلام من النيجاتيف إلى الحقوق التجارية لاستغلالها. تريد القناة أن تقول إنها صارت الأصل، أو أن الأصل قد انتقل إليها، ولهواة التقصّي والبحث عن الأصول وجهة واحدة من اليوم هي «روتانا».
هناك 3000 فيلم في حافظة السينما المصرية، لا يملك التلفزيون المصري من أصولها اليوم أكثر من 195 فيلماً فقط! الباقي تتقاسمه قنوات الشيخ صالح كامل والأمير الوليد بن طلال. معنى هذا الكلام هو التالي: ليس لدى التلفزيون المصري الرسمي أفلام يملكها بعدد أيام السنة، ومتتبعو فيلم الثالثة بعد الظهر الذي درج هذا التلفزيون على عرضه منذ انطلاقته الأولى، يشاهدون الفيلم ذاته ثلاث مرات في السنة تقريبا. لا يقتصر الأمر على ذلك، فالمفاوضات جارية لشراء الأفلام المتبقية.
ماذا يعني هذا الكلام بلغة «البيزنس»؟ الأرقام الواردة عن «روتانا» تقول إنها تمتلك الأصول الخاصة بأكثر من 750 فيلماً مصرياً، بينما تمتلك شبكة «إيه آر تي» أصول 1500 فيلم. الآن، الأرقام المدهشة: أصول 300 فيلم مصري بيعت بأقل من 7000 دولار أميركي إلى مندوبي الشيخ.
هذا يعني أن سعر الفيلم، الذي يتضمن سعر النيجاتيف وحقوق استغلاله بالوسائل كافة، تراوح بين 2000 و2500 دولار. دخول الأمير على الخط رفع من حدة التنافس وأسعار الأصول، واشترت «روتانا» أصولاً بقيمة 120 ألف دولار للفيلم الواحد.
ماذا عن الأفلام المرتبطة بحقوق استغلال قديمة لجهات معيّنة، من بينها التلفزيون المصري ذاته؟ فور انتهاء هذه العقود، لن يكون أمام هذه الجهات سوى مفاوضة المالك الجديد لهذه الأفلام، وسيجد التلفزيون المصري نفسه مضطراً للاستئذان، وربما دفع مبالغ معينة، للمالك الخليجي كي يعرض «بين الأطلال» أو «باب الحديد».
سيفرض المالك الجديد من دون شك شروطه الجديدة، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق لن يعود بوسع المواطن المصري الذي لا تلتقط إمكانياته بث القنوات الفضائية مثل «روتانا» و«إيه آر تي» أن يشاهد هند رستم وفاتن حمامة عند الثالثة ظهراً.«عَ الأصل دوّر»، تقول «روتانا سينما» وهي تعني تماماً ما تقول. إنها ليست مجرّد لغة «جينيريك»، بل لغة الأرقام والصفقات!
إبراهيم توتونجي