على مدى عقود كثيرة كانت السياسة النقدية العالمية، ترسم في واشنطن، وكلما رفع مجلس النقد الاحتياطي الأميركي أسعار الفائدة اشتدت الظروف النقدية العالمية توتراً، أما اليوم، وبفضل شراء الصين، جزئيا لسندات الخزينة، فإن عوائد السندات طويلة الأجل باتت تعرض ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية قصيرة الأجل، وبرز الأمر بشكل جلي العام الماضي.
حيث ان عوائد سندات العشر سنوات، باتت أقل، مما كانت عليه، عندما بدأ مجلس النقد الاحتياطي في رفع أسعار الفائدة عام 2004، وبات جلياً أن سلطة أميركا على سياستها النقدية، آخذة الآن في التآكل.وأصبح ارتفاع أسعار الفائدة قصيرة المدى، أقل تأثيراً في الاختناق النقدي، مما كان عليه في السابق، وبناء على ذلك، فإن السياسة النقدية العالمية باتت الآن ترسم في بكين، كما هو في واشنطن.
وعبر تأثيرها على أسعار الفائدة في البلدان الغنية. تسببت الصين، بصورة غير مباشرة في خلق فقاعة. وفي العام الماضي ارتفعت السيولة العالمية الإجمالية، بأسرع وتيرة لها منذ ثلاثة عقود، بعد ان جرى تكييفها بالنسبة للتضخم، وهذه السيولة الفائضة، لم تؤد إلى رفع التضخم التقليدي، بفضل الملابس، وأجهزة الكمبيوتر الصينية، غير أنها، بدلاً من ذلك، ضخمت سلسلة من فقاعات أسعار الأصول حول العالم،
وبالتالي، فمن الممكن القول إن طفرة أسعار المساكن العالمية «تصنع بصورة غير مباشرة في الصين».وهذا لا يعني فقط أن الصين لعبت دوراً في المحافظة على انخفاض أسعار الفائدة قصيرة المدى، ولكنه يعني أن بنك الشعب الصيني، ساهم في ارساء دعائم سوق الرهن الأميركية بشراء كمية كبيرة من السندات المرهونة.
والمؤكد أن فك ارتباط اليوان بالدولار، يعني الكثير بالنسبة لعوائد السندات، فقد ارتفعت عوائد السندات الأميركية بمعدل 12 نقطة أساسية في اعقاب اعلان بكين.ويبرز هنا سؤال مهم حول ما اذا كانت الصين التي لعبت دوراً في تضخيم فقاعة الاسكان الأميركية، ستشعل الأمر عبر رفع سعر فائدة الرهن، والتي هي أصلا مربوطة بشكل وثيق، مع عوائد السندات طويلة الأجل.
واذا كان التخلي عن الارتباط بالدولار، سيقود الصين إلى خفض مشترياتها من سندات الخزينة، فلا بد أن ترتفع العوائد اذن. غير ان ذلك يعتمد على عدد من العوامل.وعلى سبيل المثال، يتساءل المراقبون عما اذا كان تقويم اليوان سيؤدي إلى انخفاض تدفق رأس المال المضارب إلى الصين، وبالتالي، تدخلها في سوق التحويل الأجنبي، بشرائها للدولار،
وكان حجم التدخل الصيني الكبير في التمويل الأجنبي خلال العام الماضي، منطلقا ليس بالفائض في حسابها الجاري، انما في تدفق الأموال المتنقلة. ويعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين ان التقويم الضئيل، سيؤدي على المدى القصير، إلى زيادة التكهنات بمزيد من التقويمات وبالتالي اجتذاب المزيد من التدفقات الرأسمالية، مرغما بنك الشعب الصيني على شراء المزيد من السندات الحكومية، لاستقرار عملتها، فإن تحقق ذلك، فإن العوائد ستحافظ على انخفاضها.
ومن جانب آخر، فإن التحول من الارتباط بالدولار، إلى سلة عملات، قد يؤدي بالصين إلى تنويع مخزونها الاحتياطي بعيدا عن الدولار، لكن من غير المرجح أن تتخلص من احتياطيها من الدولار، بيد أنها قد تخفض مشترياتها الجديدة من السندات الحكومية، لصالح عملات أخرى، وفي المقابل،
فإن الصين لو تخلّت في الواقع عن ارتباط اليوان بالدولار، فإن ذلك قد يحدث انخفاضا جديداً آخر للدولار، مقابل اليورو، والين وعملات أخرى، محفزاً المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى، وهكذا، فإن مستقبل أسعار العقارات السكنية الاميركية، يمكن أن يقرره بيروقراطيون غيرمنتخبين في الصين.
وأظهرت الدراسة التي أجراها درسدنر كلاينورت ويسترشتاين، ان أسعار الفائدة، وعوائد السندات، وأسعار العقارات السكنية، وأسعار العقارات السكنية، وأسعار السلع، وأرباحها، باتت تقدر الآن بصورة متزايدة في الصين. وقد تكون هذه أعمق دراسة للتحولات الاقتصادية في العالم، على مدى نصف قرن على الأقل،
وقد يمتد أثرها عقدين آخرين من الزمن، وجاء في بعض التقديرات أن لدى الصين 200 مليون عامل عاطلين عن العمل في المناطق الريفية، وقد يتطلب الأمر عقدين على الأقل لاستيعابهم في الصناعة ومع استمرار هذا الوضع فإن من الممكن، أن يواصل كبح نمو الأجور، والتضخم العالمي.
كما يرجح بقاء هوامش الربح مرتفعة لفترة زمنية إن الصين توجد فرصا هائلة، لكنها في الوقت ذاته، تجلب مخاطر جديدة، فإذا ما تعثرت، أو قررت شراء عدد أقل من سندات الخزينة الأميركية، وأدت إلى رفع العوائد. فسيكون لدى أميركا ما تشتكي منه. أول انكماش اقتصادي عالمي يصنع في الصين.
ترجمة: وائل الخطيب