لعل أول ما يلاحظه رجل الأعمال الزائر للهند هو تنوع وثراء الخلفيات الثقافية والجغرافية لتلك البلاد، وسيكتشف منذ اللحظة الأولى أنه أمام مهمة صعبة تحتاج إلى أكثر من أسلوب وطريقة للتعامل معها، لأن الهند ليست واحدة كما كان يتصورها من بعيد، بل خليط من الشعوب والديانات والثقافات يجمعها عنوان كبير هو الوطن الواحد والدولة الحديثة.
ولهذا فإن إقامة علاقات عمل ستحتاج إلى نفس طويل وإلمام بأبجديات تلك الحضارة العريقة والمتباينة، وعلى أية حال فإن هناك نقاطاً مشتركة تجمع بين العرب والهنود كما سنرى وأهمها عدم دقة المواعيد وكثرة اللجوء إلى تأجيلها أو الاضطرار إلى انتظار الطرف الآخر خصوصا إذا كان مسؤولا كبيرا في إحدى الهيئات الرسمية، والبقية عنكم!
يقدر الهنود دقة المواعيد والتزام الآخرين بها، لكن الزائر سيكتشف أن الهنود نادرا ما يلتزمون بمواعيدهم لأسباب تعود إلى أسلوب تفكيرهم في الحياة، فهم لا يعتبرون الوقت عاملا أساسيا في تخطيطهم ووضع برامجهم، ولهذا نجد أن خططهم وبرامجهم تعتمد على الطرف الآخر والأحداث التي ينظم لها الآخرون.
ولذا يستحسن أن تحدد برنامج زيارتك واجتماعاتك المزمعة في الهند قبل شهرين من موعد سفرك إلى الهند، ويفضل أن تؤكد للطرف الآخر على أن إقامتك ستكون لفترة قصيرة جدا حتى تضطره إلى الالتزام بالموعد المحدد سلفا، كما يجب إعادة التأكيد على الموعد قبل يومين على الأقل من تاريخه حتى لا تترك أي فرصة للأعذار.
ويجب التفريق هنا بين نوعين من السلوك عند تحديد المواعيد: مواعيد رجال الأعمال في القطاع الخاص تحديدا، ومواعيد المؤسسات الحكومية، إذ سيجد الزائر صعوبة في تحديد موعد مع الشخصيات الحكومية من المرة الأولى، وقد يتم تأجيله لأكثر من مرة أو قد يضطر للانتظار لساعات طويلة قبل التمكن من مقابلة الشخص المعني في تلك الدائرة.
وهنا ينصح رجل الأعمال الزائر بترك عناوينه والأرقام الضرورية للاتصال به في الهند مثل رقم الغرفة وأسم وعنوان الفندق الذي ينزل فيه والهاتف المتنقل حتى يتمكن الطرف الآخر من الاتصال به، لأن تأجيل الموعد أو تغيير مكان الاجتماع أمر وارد في الهند لظروف كثيرة.
ومن المستحسن أيضا التوجه إلى مكان الاجتماع قبل الموعد بفترة كافية تحسبا للازدحام المروري الذي تشتهر به غالبية المدن الهندية الكبيرة، لا سيما في ساعات الذروة التي تختلط فيها أقدام المشاة مع عجلات السيارات ما يجعل الوصول إلى الموعد في الوقت المحدد أمرا مستحيلا.
وسيلاحظ الزائر بأن الوصول إلى العناوين في الهند مربكة جدا بسبب الأسلوب المتباين لترقيم المباني السكنية من منطقة إلى أخرى، وحتى في المدينة نفسها. وسر هذه التعقيدات راجع إلى إعادة تسمية الشوارع في السنوات الأخيرة في مدن عديدة، ولتجنب الضياع وسط الزحام وأسماء الشوارع المتناقضة يجب التأكد من العنوان بدقة من الطرف الآخر.
* ساعات العمل الرسمية
تبدأ ساعات العمل الرسمية في الشركات من الساعة العاشرة صباحا وتنتهي عند الساعة الخامسة مساء، إلا أنها تختلف في بعض المدن الكبيرة مثل مومباي، لأن الشركات الكبيرة تفضل بدء العمل مبكرا لتجنب الازدحام المروري في الصباح، ويلاحظ ميل كبير لديها
للعمل لساعات طويلة قد تبدأ مع الساعة السابعة والنصف وتنتهي مع الساعة الثامنة مساء، ويتخللها ساعة واحدة للغداء بين الثانية عشرة ظهراً والثانية مساءً. وقد لوحظ في السنوات الأخيرة أن الشركات الهندية الكبرى تنزع إلى تبني غداء العمل والإفطار السريع لمناقشة قضايا العمل أثناءها.
* التوقيت المناسب
تعتبر اجتماعات غداء الأعمال الأكثر شيوعا في الهند على عكس بعض الدول التي تفضل العشاء موعدا لها، وتضم اجتماعات الغداء الرسمية عادة حشودا كبيرة ويكون الهدف منها التعارف وأداء الواجب الاجتماعي. كما أن أيام العمل الأسبوعية تختلف من مؤسسة الى أخرى ومن قطاع الى آخر، فالمؤسسات والدوائر الحكومية تعمل من الاثنين الى السبت وتعتبر السبت الثاني من الشهر كعطلة إضافية،
إلا أن غالبية الشركات التجارية والقطاع الخاص تعمل خمسة أيام ونصف في الأسبوع، الا أن غالبية شركات تقنية المعلومات تعمل خمسة أيام في الأسبوع، ويعتمد القطاعان الخاص والعام التقويم الميلادي في التأريخ. وتقوم غالبية شركات القطاع الخاص والدوائر الحكومية والبنوك بجرد حساباتها السنوية من شهر إبريل وحتى نهاية مارس حيث تنشغل الشركات بجرد حساباتها السنوية،
لذا ينصح بتجنب تحديد مواعيد أو اجتماعات عمل خلال تلك الفترة. وتعتبر الفترة الممتدة من إبريل وحتى يونيو ومن منتصف ديسمبر وحتى منتصف يناير أفضل أوقات العطلات لدى الهنود. ولكن الوضع يختلف في شمال وشرق الهند حيث يعتبر شهر أكتوبر أفضل موسم للإجازات نظرا لمصادفته لأهم الأعياد الدينية لديهم.
* ماذا ترتدي؟
شهدت السنوات الأخيرة تقلبات كثيرة في أزياء العمل الرسمية، وقد تميزت بالتنوع والاختلاف حسب القطاع والإقليم، إلا أن هناك نقاطاً عامة قد ترشدك إلى الاختيار الصحيح:
- البذلة وياقة العنق هي الزي الطبيعي لرجال الأعمال في الهند، ويمكن تقبل ارتداء القميص ذي الأكمام الطويلة مع الياقة نظرا لحرارة الطقس، شريطة اختيار الألوان الهادئة والرصينة والابتعاد عن الألوان الفاقعة.
- تختلف الأزياء في القطاع الخاص وتحديدا في تقنية المعلومات عن غيرها، حيث يمكن لموظفيه ارتداء القمصان الخفيفة مع بناطيل الجينز والأحذية الخفيفة، ولكن لا ينصح الزائر بارتداء زي غير رسمي.
- يفضل أن ترتدي المرأة الأجنبية قميصا وطويل الأكمام وجاكت وبنطال أو تنورة تغطي الركبتين أو بلوزة طويلة العنق.
- يسمح للمرأة والرجل كذلك بارتداء الجينز والقمصان خارج الاجتماعات الرسمية.
* كيف تحادث؟
يحبذ غالبية الهنود الحديث عن أشياء مختلفة حتى خلال اجتماعات العمل، ومن الشائع لديهم بدء الاجتماع بدردشة سريعة حول أشياء عامة لا علاقة لها بالعمل الهدف منها بناء العلاقة والثقة مع الطرف الآخر. ويتميز الهنود بشكل عام بدماثتهم ولطفهم، وبمقارنتهم بالشعوب الآسيوية الأخرى فإن حس الخصوصية لديهم أقل بكثير، ولن يجدوا حرجا من التحدث معك حول تفاصيل رحلتك إلى الهند والتفرع منها إلى مواضيع خاصة قد تزعجك.
وإذا حدث أن سألك أحدهم عن عدد أفراد العائلة أو دخلك فعليك التصرف بلباقة تجاهه لأن الهنود يعتبرون ذلك أمرا طبيعيا وإشارة تعني التودد والتلطف. وهكذا تصبح المحادثة بينك وبين الهندي عملية تبادل لوجهات النظر وأداة لبناء العلاقة وتأسيسا للثقة يتخللها الكثير من محطات المديح والإعجاب والتقدير لشخصك.
ولهذا ستجد أن الهنود نادرا ما يعبرون عن رفضهم أو عدم موافقتهم بشكل مباشر، مما يجعل التعبير عن عدم الموافقة مباشرة أمرا عدائيا وعدوانيا. لذا عليك التعبير عن رفضك بأساليب غير مباشرة. ويفضل الهنود عادة مناقشة مواضيع في السياسية ورياضة الكريكت والسينما ثم يتدرجون نحو الإصلاحات الاقتصادية، وذلك لإطلاع الضيف على أحدث التطورات والانجازات الاقتصادية التي حققتها بلادهم والتأكيد على قوة وأهمية اقتصادهم وفرص الاستثمار التي يوفرها للأجانب.
وينصح هنا بعدم الخوض في نقاشات سياسية تخص الشأن الهندي خلال الاجتماعات إلا إذا كنت من المطلعين والملمين بالشأن الداخلي للهند. وينسحب الأمر على رياضة الكريكت التي تعد أهم وأقدم رياضة وطنية، ولهذا يجب أن تحفظ أسماء أبطال عالميين أنجبتهم الهند مثل ساشين تيندولكار وسونيل غافاسكار وغيرهم، لأنهم يعتبرون أبطالا ونجوما حتى لدى الأطفال والشيوخ الذين لم يمارسوا تلك الرياضة.
وتذكر أن الهند هي من أكبر منتجي الأفلام في العالم، حيث يتجاوز الإنتاج السنوي الألف فيلم، وهناك 13 ألف قاعة عرض سينمائي في الهند، وأن الهنود عشاق للسينما الهندية ومتابعون نهمون لأحدث إصدارات بوليوود ونجومها الكبار بصرف النظر عن طبقاتهم الاجتماعية، بل تعتبر السينما الهندية جنة الفقراء التي يعيشون فيها أحلامهم.
وقد استطاع العديد من نجوم السينما الهندية توظيف شهرتهم للفوز في الانتخابات البرلمانية واللجان الحزبية وتحقيق ثروات هائلة بفضل تأثير السينما. يعتبر الهنود شعبا متسامحا ومسالما يقبل الاختلاف الديني بشكل عام، إلا أن الهند شهدت في السنوات الماضية بعض الاضطرابات الدينية، ولهذا ينصح بعدم التطرق إلى الأمور العقائدية خلال النقاش مهما بدت الأمور مريحة.
وينصح أيضا بتجنب الحديث عن العلاقات الهندية الباكستانية التي تشوبها التعقيدات والمشاكل التاريخية، بالرغم من وجود جيل شاب من الهنود المتعلمين الذين يرون في فشل بناء علاقة سلمية مع جيرانهم أمرا مزعجا. ومن المواضيع الشائكة الأخرى التي يجب تجنب الخوض فيها الفقر،
فبالرغم من أن السواد الأعظم من الأمة الهندية يعيش حالة من الفقر والبؤس، وبالرغم من أن هذه القضية تعتبر محور النقاشات بين الهنود أنفسهم، إلا أن خوض الأجنبي فيها يثير حفيظة الهنود بل ويعتبرون ذلك نوعا من قلة الأدب والتدخل في الشؤون الخاصة جدا.
* الأسماء أم الألقاب
ينصح عند تعريف شخص لآخر بمناداته بلقب سيد أو سيدة أو باللقب المهني الخاص به مثل دكتور أو بروفيسور أو مهندس، إلا اذا طلب منك ذلك الشخص التعريف باسمه فقط. ويفضل الهنود عموما التعريف بأسمائهم فقط، إلا في الحالات الاجتماعية الخاصة عند مخاطبة الأعلى شأنا أو الأكبر سنا،
حينها تحفظ الألقاب وتحترم التقاليد الموروثة في التسميات والمقامات. وقد جرت العادة في الولايات الجنوبية من الهند على تسمية الأشخاص بالاسم الأول واستبدال اللقب العائلي بمسقط رأسه، فنجد أسماء مثل أندريا براديش، تاميل نادو، كيرلا... وهو ما يعكس اعتزاز الأفراد بانتمائهم إلى مدنهم الأصلية.
أما في شمال الهند فيحمل غالبية الناس اسم العائلة المعتاد ويكتب الاسم عادة وفق الطريقة التقليدية(الاسم متبوعا بلقب العائلة) وقد يتخلله أحيانا اسم الأب في الوسط. والعكس يحدث في الولايات الجنوبية حيث لا توجد اسماء العائلات بل يكتفون باسم الأب أو القرية أو المدينة أو الجد الأكبر.
* ماذا تهدي؟
تبادل الهدايا أمر مألوف في الهند، وينظر إليها كشارة صداقة إلا أنه أمر غير مألوف في اللقاء الأول. وينصح في هذا الإطار عدم تقديم هدايا غالية الثمن للأشخاص الذين تلتقيهم ما لم يكونوا من المقربين جدا. لأن الهنود يقدمون الهدايا الكبيرة والباهظة لأصدقاء العائلة والأقارب وفي مناسبات محددة كالزواج. ولأنهم يحبون تبادل الهدايا وردها بالمثل فإن الهدية الغالية ستتسبب بالإحراج للطرف الآخر.
ويفضل تغليف الهدايا باللون الأحمر أو الأصفر أو الأخضر أو الأزرق، أما اللونين الأبيض والأسود فيعتبران من ألوان الشؤم.
وقد جرت العادة في ثقافة الأعمال الهندية على عدم فتح الهدية بحضور مقدمها، وقد يحدث أحيانا أن يلح مضيفك الهندي على فتحك الهدية أمامه متوقعا منك مدح ذوقه الرفيع في اختيارها.
وإذا ما دعيت الى وجبة عشاء في أحد منازلهم يجب عليك أخذ هدية ما مثل باقة زهور أو صندوق شوكولاته، وإذا كان لدى صاحب المنزل أطفال فمن المستحسن إهدائهم دمية أو كتابا. وإذا صادفت زيارتك للهند موسم الأعياد فمن المألوف أن تحمل معك صندوقا من الحلوى. أما اذا قررت تقديم هدايا نقدية فتذكر تقديم مبالغ مكونة من الأرقام التالية:11، 51، 101، 501 الخ، لأنها أرقام السعد والحظ لدى الهنود، وهو ما سيجعل هديتك أكثر تقديرا ومعنى.
وبالرغم من انفتاح الاقتصاد والأسواق الهندية منذ العام 1991 على العالم وتوفر السلع الأجنبية فيها، فإن الهدايا التذكارية التي تحمل رموزا ثقافية معينة هي الأكثر قبولا لدى الشعب الهندي، ومثال ذلك السكاكين السويسرية والأحذية الايطالية والعطور الفرنسية وغيرها.
وتذكر أن تلتقط صورا مع مضيفيك الهنود قبل انتهاء الاجتماع أو الزيارة لأنهم يحبون التقاط الصور التذكارية مع الغرباء ويأخذون تلك اللفتة بمشاعر عرفان وتقدير قوية. واحذر تقديم هدايا جلدية لمضيفك الهندي لأن غالبية الهندوس نباتيون ويقدسون البقرة والحيوانات الأليفة وربما تثير مشاعرهم ومعتقداتهم من حيث لا تدري بهذه الطريقة.
وبالرغم من أن المجوهرات تعتبر من الهدايا المفضلة لدى الهنود الا أنها تقدم في إطار عائلي، لذا تجنب إهداءها بلا حساب لمن هب ودب، وتأكد من أن المرأة التي ستهديها قطعة ما ستربطك بها علاقة عمل طويلة أو أنها مرشحة لتكون صديقة لعائلتك.
* الهند: نبذة تعريفية
بلد العجائب والمتناقضات والتنوع الثقافي والعرقي وتباين الألسنة والمعتقدات الدينية. وتعتبر الهند ثاني أكثر دول العالم سكانا إذ يقارب عددها المليار نسمة. وتعتبر اللغة الإنجليزية لغة أهل التجارة والسياسة والطبقات المثقفة، وتوجد أربع عشرة لغة رئيسية أخرى في البلاد، هذا فضلا عن أربع وعشرون لغة أخرى يتحدث بها الملايين من سكان الهند وعدد لا يحصى من اللهجات المحلية.
ويعتنق سكان الهند سبعة أديان رئيسية بجانب عدد كبير من الديانات الصغرى، كما يوجد فيها ست مجموعات عرقية رئيسية وعدد لا يحصى من العطلات. يعتبر الدين المحور الرئيسي للثقافة الهندية، وتنتشر طقوسه في مختلف أوجه الحياة العامة في مناطق الهند المختلفة خاصة الديانة الهندوسية التي يعتنقها حوالي (80%) من سكان الهند.
أما الدين الإسلامي فهو الدين الثاني في الهند إذ يعتنقه حوالي (10%) من السكان، بينما يعتنق حوالي (5%) آخرون الديانتين السيخية والمسيحية وبقية السكان ـ حوالي 45 مليون نسمة ـ يعتنقون الديانات البوذية والجينية والبهائية وغيرها. ويتكون الاتحاد الهندي من ثمانية وعشرين ولاية متباينة التضاريس الطبيعية فيها كل ما يمكن أن يخطر على البال من جبال متنوعة وحدائق تجسد أروع صور الطبيعية
وهو الأمر الذي جعل الهند تتميز بإمكانات سياحية متعددة. ومن أقاصي الشمال بالقرب من الحدود الصينية تمتد الأراضي الهندية جنوبا في مساحة يبلغ طولها ألفي ميل ـ 3200 كلم ـ وفي حدود الهند الشمالية توجد المملكة النيبالية وسلسلة جبال الهمالايا أعلى سلاسل الجبال في العالم.