أثار تقرير التضخم الصادر مؤخرا عن بنك إنجلترا قدرا كبيراً من الجدل في أوساط المحللين، حيث رأى البعض منهم أن التقرير يدل على اتساع الفجوة في أوساط صناع قرار السياسة النقدية بين هؤلاء الذين يرون وجود ثمة حاجة لتقليل تكلفة الاقتراض لدعم النمو وهؤلاء الأكثر قلقا بشأن تسارع معدل التضخم .

وقيم فريق آخر التقرير بأنه يعبر عن تفاؤل مفرط بشأن آفاق نمو الاقتصاد البريطاني، وخلص محللون إلى أنه من المستبعد أن يقوم بنك إنجلترا بإجراء خفض آخر في سعر الفائدة، بينما رأى البعض الآخر أنه من غير المحتمل أن يظل بنك إنجلترا متمسكا بهذا المعدل لفترة طويلة.

فمن جانب قدر آرني لوهمان محلل عملات بمؤسسة دانسكي بان بأن تقرير التضخم الصادر عن بنك انجلترا قد أوضح أنه في ظل معدل الفائدة الحالي والبالغ 5. 4%، سيرتفع طفيفا معدل التضخم ليتجاوز خلال عامين نسبة 2%، وهو الهدف الموضوع للسياسة النقدية البريطانية، كما سيرتفع هذا المعدل بشكل مؤثر، إذا ما خفضت الفائدة إلى 4%،

وأظهر تقرير التضخم أيضا أن معدل النمو في الأجل القصير سيكون عند مستوى منخفض في ظل فائدة نسبتها 5. 4%، ولكنه سيرتفع خلال عامي 2006 و2007، وبكلمات أخرى، أعطى تقرير التضخم من وجهة نظر لوهمان ـ علامة واضحة بأن بنك إنجلترا ليس لديه خطط في الوقت الحالي لإجراء المزيد من الخفض في أسعار الفائدة.

وأعرب لوهمان في تقرير تحليلي عن اعتقاده بأن بنك إنجلترا أفرط في تفاؤله بشأن آفاق نمو الاقتصاد البريطاني وأن قراءة تقرير اجتماع لجنة السياسة النقدية الذي أستغرق بضع دقائق تدعو إلى الاستنتاج بأنه حتى لو ظل النمو ضعيفا في الربع الثالث، فأنه من غير المحتمل أن يقوم بنك إنجلترا بإجراء خفض آخر في أسعار الفائدة.

كما أشار المحلل إلى أن الدقائق التي استغرقها اجتماع لجنة السياسة النقدية في أغسطس الجاري قد أوضحت أن خمسة أعضاء فقط من إجمالي تسعة أعضاء قد صوتوا لصالح إجراء خفض في سعر الفائدة، وأنه من واقع قراءة التعليقات التي أدلى بها أعضاء اللجنة، يمكن الاستنتاج بأن بعض هؤلاء الأعضاء كان يتطلع إلى رفع معدل الفائدة وليس خفضها، وأن هناك من رغب في الإبقاء على معدل الفائدة عند نفس مستوياتها دون تغيير.

* الخفض الأخير للفائدة

وبناء على ما سبق، قام المحلل آرني لوهمان بتعديل توقعاته، حيث كان يتوقع في وقت سابق أن يقوم بنك إنجلترا بإجراء خفض في معدل الفائدة على مرتين وبمعدل ربع نقطة مؤوية في كل مرة، ولكنه الآن أسقط هذا الاحتمال، وعلية فهو يتوقع أن يبقى سعر الفائدة على مستواه الحالي دون تغيير خلال الاثني عشر شهرا المقبلة.

كما توقع أن يكون لوصول معدل الفائدة إلى مستوى القاع تأثيرات على سعر الجنيه الإسترليني، بخصوص ضعف الجنيه الإسترليني في مواجهة الدولار، حيث توقع أن يشهد الجنية الإسترليني المزيد من التراجع في مواجهة اليورو، بسبب حالة التعافي التي تسود اقتصاديات منطقة اليورو، وعليه، هناك فرصة بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة خلال صيف عام 2006.

وهو ما سوف يؤدي إلى تراجع هامش الفارق بين الفائدة البريطانية والفائدة الأوروبية، كما أن الجنيه الإسترليني مقوما بأعلى من قيمته وفقا لحساباتنا للقوة الشرائية والتي تقول بأن أي خفض في سعر صرف الجنيه الإسترليني سيعادله ويحيده الارتباط الإيجابي التاريخي مع الدولار ونحن مازالت تقديراتنا إيجابية بالنسبة للعملة الخضراء.

* شكوك حول السياسة النقدية

وفي التوقيت ذاته تثير السياسة النقدية البريطانية والتي قال عنها ميرفين كينج محافظ بنك إنجلترا بأنها يجب أن تكون ثاقبة قدرا كبيرا من الجدل والشكوك، لكون ميرفين كينج محافظ بنك إنجلترا أكتسب شهرة بأنه أول محافظ لبنك إنجلترا لا يصوت على السياسة النقدية،

وهو ما يدل على اتساع الفجوة في أوساط صناع القرار بين هؤلاء الذين يرون بوجود ثمة حاجة لتقليل تكلفة الاقتراض لدعم النمو وهؤلاء الأكثر قلقاً بشأن تسارع معدل التضخم. فقد صوت خمسة من الأعضاء التسعة في لجنة السياسة النقدية لصالح خفض معدل الفائدة بمقدار ربع نقطة مؤوية لتصل 5. 4% في 4 أغسطس.

وينتقد بعض المحللين تقرير التضخم الصادر عن بنك انجلترا في أغسطس الجاري، فمن وجهة نظرهم أن التقرير يثير الإرباك والحيرة، حيث يبدو أنه لم يتم تحريره من قبل نفس الأشخاص الذين صوتوا لتوهم على إجراء الخفض الأول لسعر الفائدة منذ عامين،

فمعدل التضخم المتوقع سيتجاوز نسبة 2% الموضوعة من قبل البنك والتي تم تحديدها على أساس توقعات السوق في المستقبل، والتي على أساسها يتم توجيه السياسة النقدية، كما قدر التقرير بأنه من المتوقع للنمو أن يتعافى من حالة التباطؤ التي عكسها الأداء الاقتصادي خلال الربع الثاني من العام الحالي.

* اتفاق على الاختلاف

ووفقا لما ورد في صفحته الأولى، فإن التقرير الذي يمثل من وجهة نظر المحللين أفضل حكم جماعي للجنة السياسة النقدية بشأن المسارات المحتملة للتضخم والإنتاج.قد جاء فيه أنه ليس بالضرورة أن كل عضو في لجنة السياسة النقدية بشأن كل الافتراضات الواردة في التقرير، وهو ما فسره المحللون على يعكس حجم الاختلافات بين أعضاء لجنة السياسة النقدية.

وفي تعليقه على تقرير التضخم بشأن القوى المحركة للتعافي المتوقع والمحتمل للاقتصاد حسبما جاء في تقرير التضخم حدد كينج ارتفاع أسعار الأسهم كمعزز لثقة المستهلك، وتراجع قيمة الجنيه الإسترليني كعامل مدعم للصادرات. ولكن من وجهة نظر البعض،

فإن هناك ثمة مشكلتين في هذا التفاؤل، فمن جانب، يمكن إرجاع جزء من المكاسب التي تجنيها الأسهم البريطانية إلى ارتفاعات أسعار النفط، حيث أنه وبمعزل عن الزيادات في أسعار أسهم شركات البترول على غرار« رويال دوتش شل » وشركة « بي بي »

فقد سجل مؤشر «الفاينانشال تايمز» الذي يتألف من أسهم أكبر مئة شركة بريطانية سجل خلال هذا العام ارتفاعاً متواضعاً نسبته 5. 8% مقابل 11% في العام الماضي، أكثر من ذلك، رصد التقرير حدوث انخفاض نسبته 3% في قيمة الجنيه الإسترلينيني في مواجهة العملات الأخرى خلال خمسة عشر يوماً حتى 3 أغسطس، ولكن منذ الحين وحتى 18 أغسطس ارتفعت قيمة الجنيه الإسترليني 5. 1%.

* إفراط في التفاؤل

ويعتقد بنك إنجلترا أن جزءاً من النمو الاقتصادي المتوقع سيأتي من ارتفاع معدل الاستهلاك وهو ما سيكون له أثره في تعزيز الاستثمارات، كما أن معدل سعر الفائدة سيكون له تأثيره على تعزيز موقف الميزان التجاري البريطاني، ومن شأن توليفة هذه العوامل مجتمعة أن تؤدي إلى النهوض بمعدل النمو من أدائه المتباطئ خلال المستقبل القريب إلى مستوى أكثر قوة قليلا من مستواه الحالي.

ولكن من وجهة نظر بعض المحللين، أن هناك أسبابا للتشاؤم بشأن آفاق النمو، فوفقا لتقرير مؤسسة لندن لتجارة التجزئة، أحجم المتسوقون عن الذهاب إلى لندن بعد أحداث 7 يوليو التي أسفرت عن مقتل 56 شخصا، وهبطت مبيعات التجزئة في وسط مدينة لندن بنسبة 9. 8% في الشهر الماضي، بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.

وأظهر استطلاع للرأي تم إجراؤه في منتصف يوليو الماضي، وشمل 1107 أشخاص من المحاسبين والمديرين الماليين أن التشاؤم بخصوص آفاق الوضع الاقتصادي قد فاق التفاؤل وذلك للمرة الأولي منذ عام 2003 وبين استطلاع آخر للرأي أجرته شركة « تي سي بي جرب » وشمل 200 شركة بلوغ التدهور في مستوى الثقة إلى أدنى مستوى على مدى ما يزيد على عامين.

ويذهب هذا الفريق إلى حد انتقاد صناع السياسة النقدية بأنهم باتوا ينظرون بالكثير من الشك بشأن آفاق الاقتصاد البريطاني، حتى إن وجهات نظر ديفيد كيينح محافظ بنك إنجلترا تحوي على أوجه عدم يقين عديدة، فمن بين ما صرح به كينج بأن هناك قدرا كبيرا من عدم التأكد بشأن مسار سعر الفائدة وتأثير النفط على النمو،

بل والشيء الأكثر أهمية هو عدم التأكد بشأن التوقعات ذاتها، وبالتالي، وصار من المتعين على التجار والمستثمرين الذين استبعدوا إجراء المزيد من الخفض في أسعار الفائدة أن يعيدوا التفكير في توقعاتهم هذه، وذلك بناء على تقرير التضخم هذا، حيث أنه ومن غير المحتمل ان يتوقف بنك انجلترا لفترة طويلة عند معدل فائدة 50. 4% لفترة طويلة.

كتب مجدي عبيد